من منا لا يعرف النشطاء السياسيين؟ ومن منا لم يتطلع إليهم باندهاش عندما يظهرون في برامج التوك شو.. وربما تمني أن يصبح واحداً منهم!؟ فهم ينالون ميزات كثيرة منها علي سبيل المثال لا الحصر، أن يكون ثائراً يتحدث باسم الثورة والشعب، وترشحه مؤسسات الدولة لكي يصبح ممثلاً للشباب أو للتيار الذي يتحدث عنه، ويصير نجماً تلفزيونياً يطل علينا كل أسبوع، وإن كان من النوع الذي يسب ويشتم ففرصته في الظهور أكبر، ويتحول فجأة إلي كاتب كبير يطل علينا ويبدي بآرائه واقتراحاته التي تبتعد غالباً عن المنطق، وإن كان أكثر شهرة تعطيه إحدي القنوات الفضائية برنامجاً كي يقدمه، حتي أصبحت مهنة "الناشط السياسي" لا تحتاج إلي مؤهل ولا أي اشتراطات من أي نوع.. يكفيك فقط أن تتحدث عن الرئيس وحال البلد. فبعد ثورة 25 يناير ظهر عدد من النشطاء السياسيين الذين تحدثوا مراراً عن الوضع السياسي، وكيفية إدارة حكم البلاد، منذ تنحي الرئيس السابق حسني مبارك، مروراً بتولي المجلس العسكري للسلطة في المرحلة الانتقالية، نهاية بوصول الإخوان إلي قصر الرئاسة عبر الدكتور محمد مرسي، وظلوا يحللون كل مرحلة مرت بها مصر منذ اندلاع الثورة مع تقديمهم للنصائح حيناً والتهديد حيناً آخر بقدرة الشعب علي إسقاط أي نظام، والحقيقة أنه رغم ما حققه بعض النشطاء من شعبية كبيرة، إلا أنهم سرعان ما فقدوها، وحُرقت وجوههم، بعدما أدرك متابعوهم أن كل ما يفعلونه متاجرة باسم الشهداء والثورة، وأن ظهورهم في الإعلام المرئي مجرد "سبوبة" أدرت عليهم الكثير من الدخل. كل ذلك جعل مصداقيتهم لدي الجمهور تكاد تكون صفرا، خصوصاً بعد اتهامهم بالتمويل من قبل جهات بعينها، وشاء القدر أن جمعني في إحدي الجلسات الودية مع عدد من النشطاء الذين كانوا وجهة الثورة في بدايتها، وتحدثوا أمامي عن الخلافات التي بينهم من صراع علي المناصب في الأحزاب التي فتحت لهم الأبواب بعد ذلك والجبهات التي شكلوها، وعن اعتدائهم علي بعضهم البعض عبر بلطجية، والأدهي إنهم يتهمون بعضهم بالتمويل من جهات خارجية لأجل أن يبقوا ثواراً، وأنهم يختلفون علي مبادئهم التي خانها البعض وتحالف مع الإخوان، بحسب وصفهم، عن طريق خوض الانتخابات البرلمانية السابقة، وقال لي أحدهم: "الثورة لن تنجح طالما لم يتحد كل النشطاء السياسيين"، وطلب مني آخر أن يغادر تلك الجلسة حتي لا يحدث دم! كل ما شاهدته جعلني أقف علي مسافة متوازية من كل النشطاء السياسيين، وأستمع إليهم، وأراقب وجوههم، وفضحهم للخطايا التي ارتكبوها في حق الشهداء، وكيف هم سعداء وأكثر رفاهية بعد الثورة، خصوصاً بعدما تحدث البعض عن حالته المادية السيئة، والحقد الذي يملؤهم تجاه الأكثر حظاً، وأنه لولا المقالات التي يكتبونها في الصحف لظلوا علي باب الله كغيرهم من الشباب. ليبقي السؤال الحائر لدي الكثيرين ما المهنة الحقيقة لهؤلاء الشباب ومن أين يأتون بأموالهم؟ هناك الكثير من النشطاء السياسيين الذين يحملون مؤهلات عالية، أغلبها ليس له علاقة بالسياسة، ستجد المهندس والطبيب والصحفي والمحامي والمحاسب، ومنهم أبناء شخصيات عامة اكتسبوا شهرتهم من ألقابهم، أما معظمهم فدخلوا إلي الساحة السياسية عبر مواقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك وتويتر"، فعلي سبيل المثال: محمود بدر، مؤسس حملة تمرد المعارضة والداعية لإسقاط الرئيس مرسي في 30 يونيو، والذي حصل مؤخراً علي لقب الناشط السياسي، هو صحفي في عقده الثالث مارس مهنته في العديد من الجرائد آخرها جريدة التحرير قبل أن ينتقل منذ فترة إلي جريدة الصباح توقفت الآن رئيسا القسم السياسي بها وبحكم مهنته وعمله معداً في برنامج العاشرة مساء كان متواصلاً مع عدد من النشطاء السياسيين الذين رشحوه ليكون المنسق العام لحركة كفاية، وبسرعة حقق بدر شهرة واسعة في الوسط السياسي، وسرعان ما أطلق حملة تمرد لسحب الثقة من الرئيس محمد مرسي مع مجموعة من أصدقائه. وهناك من النشطاء السياسيين من دفع ضريبة هذه المهنة، مثل أحمد دومة الذي حٌكم عليه مؤخراً بالحبس 6 أشهر مع الشغل بتهمة إهانة رئيس الجمهورية، والذي بدأ نشاطه السياسي منذ التحاقه بالثانوية العامة ودخوله كلية الآداب شعبة إعلام التي فُصل منها بسبب أحداث المظاهرات والمطالبة بإسقاط نظام مبارك الذي سجنه أكثر من 18 مرة من ضمنها تورطه في ضرب 13 مجنداً. دومة رفض أن يعيش في جلباب عائلته الإخوانية فهو ابن القيادي الإخواني سعد دومة عضو المكتب الإداري لجماعة الإخوان في محافظة البحيرة، وينتسب لأم إخوانية أيضا، ما جعله يحرص علي انكار ذلك النسب، واعتماده علي كتابة المقالات كمصدر دخل له، حتي إنه عندما تزوج ذهب للإقامة في عمارة والد زوجته بحي المقطم. وإلي الناشطات السياسيات نجد إسراء عبد الفتاح التي تعد ضيفاً أساسياً في برامج التوك شو والتي استقطبتها الجرائد لكتابة المقالات، ما جعل كل ذلك مصدراً للدخل لها في الانتقال إلي حياة الرفاهية بمدينة نصر، رغم انها كانت من إحدي المناضلات ضد النظام السابق وهي الآن بعد الثورة تكتفي بالنضال علي موقع التواصل الاجتماعي تويتر والظهور في التلفزيون. إذا تأملنا في ظاهرة ازدياد النشطاء السياسيين الذين يتكلمون باسم الثورة سنجد أنها غير منظمة حيث لكل ناشط كيان مستقل فأغلبهم لايتحدث باسماء الأحزاب ولا ينتمي إلي تيارات بعينها، أما النشطاء الإسلاميون فهم واضحون، نعرف من يمولهم، ومتي يتكلمون، حيث انهم لا يظهرون بصورة عشوائية، بل بتكليف من الأحزاب أو الجماعات التي ينتمون إليها. ومن أشهر هؤلاء النشطاء الإسلاميين أحمد المُغير العضو بجماعة الإخوان المسلمين، والذي من المعروف أن لكل منهم دورا حسب تخصصه المهني، فهو يمارس بعض المهام المتعلقة بالإعلام داخل جماعة الإخوان، والتي يُكلف بها ولا يقوم بها من تلقاء نفسه، وكان الظهور الأول له في أحداث قصر الاتحادية الرئاسي التي قام فيها شباب الإخوان بالتعدي علي المعتصمين ضد الرئيس مرسي، وكان هو من ضمن الذين ينظمون صفوف المواجهة. كما شارك في اعتصام مدينة الإنتاج الإعلامي للسيطرة علي القنوات الفضائية إذا تم اقتحام قصر الرئاسة. ويعتبر المغير أحد الفاعلين علي موقع تواصل الاجتماعي "فيس بوك"، إذ يقوم بنشر رسائل تحمل بعضها تكليفات رسمية، والتي كان آخرها دعوته لشباب الإخوان للنزول إلي اعتصام المثقفين بوزارة الثقافة لمساندة الوزير د. عبد العزيز، والذي تم الاعتداء عليه من الناشطة الصحفية رشا عزب.