من إبداعات المجتمع المصرى أن فى كل مرحلة تزدهر وظيفة معينة لا تعرف ماهية ممتهنيها أو مؤهلاتهم أو حقيقة الأعمال التى يزاولونها. ففى فترة الانفتاح الاقتصادى ذاع صيت وظيفة رجل الأعمال وكل من هب ودب أصبح يقدم للمجتمع على أنه رجل أعمال ولكن ما هى الأعمال التى يزاولها وما هى مؤهلاته بقى هذا الموضوع لغز لم يفهمه أحد حتى تبين أن معظم هؤلاء إنما هم النصابون الذين احتالوا على الشعب وسرقوا أموال البنوك، واختفى مدعوو هذه الوظيفة من المجتمع بعد اكتشاف حقيقة معظمهم وعادت المهنة إلى أصحابها الحقيقيين الشرفاء الذين يعملون فى أعمال محددة معلومة للجميع ولهم مؤهلات محترمة تؤهلهم للعمل فى هذا المجال بأصوله. وفى هذه المرحلة الثورية من عمر الوطن ازدهر مصطلح "ناشط سياسى" فتجد البرامج المختلفة تقدم لك أشخاص عديدة والمسمى ناشط سياسى، وتتصدر الصحف أخبار سفر فلان الناشط السياسى! أو صرح علان الناشط السياسى!. وتحاول أن تفهم ماهية هؤلاء وما هى الأعمال التى يقومون بها فعلا، وما هى مؤهلاتهم، وكيف تكونت لديهم كل هذه العلاقات ليسافروا لمختلف البلدان تحت مسمى ناشط سياسى! ومن أين لهم التمويل لينظموا كل هذه الفعاليات ليقدموا أنفسهم للمجتمع والوظيفة ناشط سياسى!. أنا أعرف جيدا أن السياسة علم يدرس فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية وله طلابه، وأساتذته، ومحترفوه، ولذلك لا أستغرب عندما يقدم أحدهم فى برنامج أو يسافر أحدهم لأى فعالية دولية أو ينظم أى فعالية محلية تتعلق بالسياسة. كما أستطيع أن أفهم أن هناك الكثير من أبناء هذا الوطن الشرفاء المخلصين فى مختلف المهن والمجالات يكرسون جزءا من وقتهم إضافة إلى مهنتهم الأصلية للعمل العام والاهتمام بشئون الوطن والمواطنين. ولكن ما لا أستطيع فهمه هو أن يكون متصدروا المشهد فى كل ما سبق ليس لهم أدنى علاقة بالسياسة بل الحقيقة لا يعرف أحد شيئا عن مؤهلاتهم الفعلية أو المصادر الحقيقية للتكسب لديهم، أو الخلفية الحقيقية لأنشطتهم. وأخشى ما أخشاه أن نستيقظ فجأة على حقيقة لهؤلاء مدعووا وظيفة "ناشط سياسى" أكثر ترويعا من حقيقة رجال الأعمال المزيفين عندما لم نتوقف وقتها لنسأل أنفسنا من هؤلاء إلا بعد فوات الأوان.