رئيس جامعة المنيا يُهنئ الرئيس السيسي بعيد الفطر    مدير الإسعاف بالغربية: انتشار سريع لسيارات الإسعاف بساحات احتفالات عيد الفطر    الأب أندراوس الأنطوني يزور سفارة مصر في لبنان    محافظ المنوفية يتفقد محطة مياه شبين الكوم وعدد من مواقف الأجرة    هجوم صاروخي إيراني يضرب مصافي النفط في حيفا.. وانقطاع الكهرباء عن المدينة    مواجهات نارية بربع نهائي دوري الأبطال.. آخر تطورات حالة نجم بيراميدز.. ومنتخب اليد يصطدم بألمانيا |نشرة الرياضة ½ اليوم    سقوط تشكيل عصابي لتزوير المستندات البحرية والنصب على المواطنين بدمياط    ضبط طن أسماك مملحة فاسدة ولحوم غير صالحة خلال حملات رقابية مكثفة بمراكز المنيا    حكاية أشكار الأم المثالية بالقليوبية.. قصة إنسانية ملهمة تجسد معاني التضحية    الأمهات المثاليات بالغربية قصص كفاح والمحافظ يهنئهم    محافظ جنوب سيناء: نحرص على تقديم خدمة صحية متميزة للمواطنين    الحاجة ناهد دهشان الأم المثالية بالشرقية: كافأنى الله وأكرمنى فى أولادى.. فيديو    المفتى: الأعياد في الإسلام طاقة رحمة ومناسبة لترسيخ التكافل ووحدة الأمة    بي بي سي: إحاطة هيجسيث جاءت خالية من الحديث عن مضيق هرمز    أقباط 15 مايو يحتفلون بعيد الصليب بحضور أسقف حلوان والمعصرة    محافظ سوهاج ومدير الأمن يؤديان صلاة العيد بمسجد الشرطة    ضبط مدير محطة وقود بحلوان لحجبه 27 ألف لتر مواد بترولية لبيعها بالسوق السوداء    ألمانيا تختار 26 لاعبا لمواجهتى سويسرا وغانا استعدادا لكأس العالم 2026    محافظ أسوان: خطة متكاملة للارتقاء بالمظهر الحضاري والخدمات السياحية (صور)    بعثة الجيش الملكي تصل القاهرة استعدادا لمواجهة بيراميدز    عمل متميز..عمرو الليثي يشيد ب"حكاية نرجس"    "فيفا" يناقش مشاركة إيران في كأس العالم 2026    محافظ المنوفية يستقبل وفد الكنيسة الإنجيلية لتقديم التهنئة بعيد الفطر المبارك    جاهزية الحجر الصحي بمعبر رفح البري خلال عيد الفطر المبارك    احذرلقمة فسيخ وقطعة رنجة.. قد تنتهي بأزمة صحية في العيد    الأم المثالية في أسوان: ربيت أبنائي ب200 جنيه شهريًا حتى التفوق    صلاة عيد الفطر 2026 في محافظات مصر: التوقيتات الرسمية    إغلاق المسجد الأقصى يدخل يومه ال20.. وحرمان مئات الآلاف من صلاة عيد الفطر    رئيس بيراميدز يطمئن على محمد حمدي: صحة اللاعبين أهم من أي بطولة    أهالى قرية الفنت يستقبلون نجم دولة التلاوة فى زفة تجوب شوارع القرية.. فيديو وصور    السنغال تواجه عقوبات جديدة بعد سحب لقب كأس أمم أفريقيا    عقوبة جديدة تنتظر منتخب السنغال بعد سحب لقب كأس أمم أفريقيا    أول أيام عيد الفطر 2026.. احتفالات فى 3 دول اليوم    4 أفلام بسينما الشعب فى 15 محافظة بسعر مخفض    بسبب خصومة ثأرية من 12 عامًا.. مقتل شخص وإصابة آخر بمقابر أطسا فى الفيوم    كامل الوزير يكرم الأمهات المثاليات في وزارة النقل لعام 2026    طريقة عمل القرص الفلاحى بالعجوة استعدادا لعيد الفطر المبارك    إسرائيل تعيد فتح معبر رفح بشكل جزئي    حافظ الشاعر يواصل كتابة سلسلة مقالاته «رمضان..حين يعود القلب إلى الحياة»..المقال(الأخير)..الليلة الأخيرة من رمضان.. حين تكتب الخواتيم ..ها نحن نقف على عتبة الوداع    رئيس أركان جيش الاحتلال يحذر من تسارع تعافي قوة حزب الله.. والحكومة ترفض خطته العسكرية    فيضانات وانهيارات أرضية بإثيوبيا تودي بحياة العشرات وأمطار غزيرة في عطبرة والنيل الأزرق    «البورسعيدية» يحتفلون بين شارع طرح البحر وحديقتى المسلة وفريال    الكويت تعلن إخماد الحريقين بمصفاتي ميناءي الأحمدي وعبدالله    بعد المغرب.. مفتى الجمهورية يعلن موعد أول أيام عيد الفطر المبارك 2026    الإحصاء:7.45 مليار دولار صادرات مصر لدول شرق أوربا 2025    الخلاف المتكرر.. ما حكم إخراج زكاة الفطر نقداً؟    استقرار سعر الدولار في البنوك المصرية اليوم الخميس    بنتلي تعتزم طرح أول سيارة كهربائية من إنتاجها العام المقبل    البطريرك ثيودوروس الثاني يحيي ذكرى البطريرك إيليا: "لقد أحبني كأب"    دعاء يهز القلوب.. فجر 29 رمضان من مسجد الصفا بكفر الشيخ (لايف)    30 دقيقة تأخرًا في حركة قطارات «القاهرة - الإسكندرية».. الخميس 19 مارس    ماكرون يقترح هدنة في الضربات على البنى المدنية خاصة في مجال الطاقة    هيثم عرفة يشيد بحملة دعم السياحة واستمرار رحلات الشارتر رغم التوترات    لا يزال أكثر من 19 صحفياً محبوسين احتياطياً .. إطلاق سراح محمد أوكسجين بعد 6سنوات من الحبس    تودور: أداء توتنام كان مميزا رغم الخروج.. واللاعبون قدموا كل شيء    الزمالك يفوز على جينيس ودياً استعداداً لمواجهة أوتوهو    تعرف على جميع مواجهات ربع نهائي دوري أبطال أوروبا    إضراب 2400 من أخصائيي الصحة النفسية في الولايات المتحدة بسبب مخاوف من الذكاء الاصطناعي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحرية الحمراء!!
نشر في المصريون يوم 11 - 02 - 2011

لا شك أن من أهم وأخطر أسباب تخلف عالمنا العربي والإسلامي حال الظلم والقهر والاستبداد التي تعاني منها معظم مجتمعاتنا، وإذا أخذنا مصر نموذجا سنجد أن من أبرز مظاهر هذه الحال: سحق إرادة الإنسان، ومصادرة أفكاره وأحلامه، وانتشار التزوير، وغياب الشفافية والمساواة والعدالة الاجتماعية، وضياع حقوق الأغلبية الساحقة من المواطنين البسطاء، وفقدان الثقة في كل شيء، وكبت حرية الإنسان طبعا نقصد الحرية المسؤولة وليس التحلل أو الانحلال، أي الحرية المشروعة التي لا تنفك عن الالتزام والمسؤولية وقمع مطالب المرء الأساسية، وتغوُّل شبكة الفساد وتمددها في كل مفاصل الدولة؛ حتى باتت عبئا ضخما يثقل كاهل الشعب، ويعيق عملية التنمية التي تذهب كل ثمارها تقريبا إلى حفنة قليلة من رجال الأعمال الذين خرجوا من عباءة النظام الفاسد، الذي قنَّن بلغة غير مكتوبة أساليب الرشى والاحتكار وسرقة ثروات الشعب ونهب خيراته!!
وهذا الوضع القائم للأسف في أغلب الدول الإسلامية من غياب للعدالة والحرية والمساواة وضع سيئ يخالف الإسلام العظيم ويتصادم مع شريعته الخالدة التي تحرص كل الحرص على بناء شخصية الإنسان الحر المختار، فقد وهب الإسلام الإنسان كل ألوان الحرية وفي مقدمتها وعلى رأسها حرية المعتقد، قال تعالى: "وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ" [الكهف:29] وقال سبحانه: "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ" [البقرة: 256] كما منح الإسلام الإنسان حرية الفكر، وحرية السلوك، وحرية التملك وحرية العمل، والحرية السياسية.
لقد قرن الإسلام الحرية بالالتزام والمسؤولية؛ لأن هذه الحرية المسؤولة هي السبيل الوحيد لإنجاز النهضة والتنمية الحقيقية، وتحقيق التقدم لدى الفرد والمجتمع، فالإنسان الذي لا يملك الحرية لا يستطيع أن يصنع الحياة، والإنسان الذي يشعر بالاضطهاد والقلق والتوتر الدائم والخوف من اعتداء السلطة عليه وسحقها لإرادته وشخصيته، لا يمكنه أن يتفاعل مع متطلبات التنمية الشاملة المتكاملة والمستدامة، ولا يستجيب بجدية لمشاريعها وسياستها، ولا يستطيع (أو لا يرغب في) توظيف كل طاقاته وإمكاناته واستغلالها الاستغلال الأمثل لتحقيق النهوض والتقدم؛ لأنه يشعر أن لا فائدة من أي جهد يبذله، فثمار جهده وعرقه وكدِّه تذهب إلى غيره من عصابات الفاسدين المنتفعين الذين يثرون على حسابه!!
ولكي ينهض الشعب المصري فهو بحاجة إلى أن يسترد حريته التي سلبها النظام الفاسد منه، بحاجة إلى توفير العدالة والمساواة، بحاجة ماسة إلى توفير سبل العيش الكريم بعيدا عن القهر والإذلال والتجويع والمهانة؛ لأن الإنسان المكبوت المقهور إنسان عاجز مسلوب الإرادة مشلول القدرة، لا يستطيع أن يوظف طاقاته وإمكاناته لتحقيق حياة أفضل، ويجب أن يتغير هذا الوضع، يجب أن يفسح المجال واسعاً أمام كل إنسان لينطلق، وليفكر ويبدع ويمارس دوره في صنع غد جديد ومستقبل أفضل له ولأولاده ولأجيالنا القادمة.
لكن يخطئ من يظن أن الحرية تُوهَب أو تُمنَح للناس هكذا بكل بساطة دون تضحيات جسام وضريبة يدفعونها من أرواحهم ودمائهم وأعصابهم وراحتهم، وإلا فليخبرني أحد منذ متى والشعوب تنال حريتها من المحتلين والمستعمرين والطغاة والظالمين وأنظمة الحكم الفاسدة بغير ثمن باهظ وتضحيات كبيرة يبذلها الرجال والشباب والنساء والفتيات وكل من تتوق نفوسهم للحياة الحرة الكريمة دون إذلال أو مهانة؟! وما أروع قول أمير الشعراء أحمد شوقي:
وَلِلحُرِّيَّةِ الحَمراءِ بابٌ بِكُلِّ يَدٍ مُضَرَّجَةٍ يُدَقُّ
فهذا البيت الرائع يلخص فكرة التحرر، ويؤكد على أن الحرية لها ثمن غالٍ لا بد أن تدفعه الشعوب من دماء أبنائها وأرواحهم؛ لتحصل على حريتها وكرامتها، وهذا هو دور الثورات الشعبية التي تقوم بها الشعوب الحية لتغيير واقعها البئيس، ونسف أوضاعها الفاسدة التي تمددت وترسخت في المجتمع، وأصبحت عبئا عليه وعلى تطوره وديناميكية تحركه نحو المستقبل، والثورة المصرية المباركة التي دشنها الشباب الطاهر ليست بعيدة عن ذلك، فهي ثورة كاملة بكل معنى الكلمة قام بها الشعب المصري العريق ثأرا لكرامته وعزة أبنائه من نظام فاسد ظالم مستبد سام المصريين سوء العذاب وحوَّل مصر العريقة إلى مجتمع من العشوائيات الكئيبة!!
لكن على الشباب المصري الشريف أن يدرك أن ثورته المباركة لم تنجز أهدافها بعد، ولم تحقق أية مكاسب عملية على أرض الواقع، وكل ما قدمه رموز النظام حتى الآن مجرد وعود جوفاء بأن يصلحوا ما أفسدوه هم!! فكيف يعقل أن يقود قاطرة الإصلاح نفس النظام الفاسد الذي ارتكب كل هذه الجرائم ؟!! وأنى يكون الجلاد هو الضحية أو يكون المفسد هو المصلح؟!! قطعا شتان بينهما "وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ" [البقرة : 220] والشباب المصري الشريف يفهم تمام الفهم أن ثورته المباركة لم تَقُمْ لتغيير وجوه بوجوه، أو لاستبدال نظام بنظام مستنسخ منه!! كلا.. كلا.. إن هذا الشباب المتفجر طاقة وحيوية ثار على الظلم والطغيان كي يقتلع النظام الفاسد من جذوره، ويجتثه تماما من الحياة السياسية المصرية، ولكي يصوغ لوطنه وأمته غدا مضيئا ومستقبلا مشرقا، ولن يتأتى ذلك إلا بالجهد الشاق والجهاد الطويل ضد منظومة الفساد وشبكته العنكبوتية التي تمددت في كل شيء، وإذا كان هؤلاء الشباب هم عماد الثورة فلا بد من عدة يعدونها لهذا الأمر الجلل، وهذه العدة هي العلم والمعرفة والبحث العلمي؛ لتحقيق النهوض الشامل في كافة المجالات، فالعلم هو عدة الشعب المصري ليسترجع ماضيه المجيد وحضارته التليدة، وليبني مستقبله المشرق وليقاوم الفساد والجهل والتخلف في حاضره الكئيب الكابي، إن العلم يحفز الهمم وينير البصائر، وكل الأمم والشعوب من حولنا كاليابان والصين وكوريا الجنوبية وماليزيا، لم تنهض إلا بالعلم النافع، والعمل الجاد.
لقد كشفت لنا هذه الثورة المباركة عظمة الشعب المصري وقوته ومكانته الحقيقية، وقدرته الهائلة على التغيير، كما كشفت لنا أهمية تضحية الأفراد والجماعات بالأموال والأنفس والأبناء، والتضحية بكل غالٍ ونفيسٍ في سبيل الحياة في عزة وكرامة، وعلى الشعب المصري أن يوطن نفسه على الآتي:
1. الثورة مستمرة حتى تحقق كامل أهدافها وتنجز كل غاياتها المنشودة، وكلما زادت التضحيات كلما عظمت الثورة، وكلما كانت أهدافها أنبل وأسمى، وكانت أبقى أثرا في الشعوب والمجتمعات، وأخلد ذكرا في تاريخ الثورات البشرية العظيمة!!
2. الثورات تستغرق وقتها الكافي اللازم لإحداث التغيير المطلوب في بنية النظام القائم، فلا داعي للقلق أو التوتر واستعجال قطف الثمار قبل الأوان؛ حتى تكون بإذن الله تعالى ثمارا ناضجة حلوة المذاق.
3. يجب تنويع مظاهر وأشكال الثورة وعدم الاكتفاء بالبقاء في ميدان التحرير فقط، كما يجب إنهاك النظام بوسائل الاحتجاج المختلفة؛ حتى لا يهدأ أو يستريح أو يتعايش مع هذا الوضع، مراهنة منه على انطفاء جذوة المظاهرات وخفوت زخم المسيرات بمرور الوقت.
4. ينبغي اللجوء فورا لقرارات حازمة تقصم ظهر النظام وتجبره على الرحيل، مثل الدعوة للعصيان المدني والإضراب الشامل في كل القطاعات والمجالات، فأي نظام مهما كان قويا ومتشعبا في المجتمع لن يصمد طويلا أمام عصيان مدني قوي وفاعل.
5. لأن مصر جزء من المجتمع الدولي ينبغي شرح مطالب الثورة لكافة وسائل الإعلام العربية والعالمية، وإرسال رسائل الطمأنة محليا وإقليميا وعالميا، والتأكيد على أنها ثورة سلمية هدفها الأساسي تحقيق الحرية والعدالة والمساواة وتوفير الحياة الكريمة للمصريين جميعا.
6. الانتباه لمحاولات النظام الالتفاف على الثورة وعلى مطالبها المحددة، وقطع الطريق عليه باستحداث طرق مفاجئة ومبتكرة للاحتجاج والتظاهر المليوني!! وتعريته وكشف وحشيته أمام العالم وفضح سحقه وقتله للعزَّل والأبرياء.
7. وقف كل أشكال الحوار العبثي مع النظام المتهاوي الذي فقد شرعيته، لأنه يناور ويراهن على كسب الوقت فقط، ولا يطرح أية أمور جوهرية جادة، ولا يتخذ أية إصلاحات جذرية.
8. الحذر الشديد من الوقيعة بين الجيش والشعب، أو استدراج الجيش للتصادم مع الشعب والوقوع في أخطاء لا يغفرها له التاريخ في هذا الخصوص.
9. الحذر الشديد من الأطراف الخارجية التي لا يهمها سوى مصالحها، وطبعا يجب طمأنة المجتمع الدولي وكسبه إلى جانب ثورة الشعب المصري، لكن في نفس الوقت يتم التعامل بذكاء شديد وحيطة كبيرة في هذه الجزئية الحساسة!!
10. توحيد الجهود، ورص الصفوف وجمع الكلمة وراء قيادة موحدة للثورة تتحدث باسمها وتعبر عن مطالبها.
وأخيرا نردد مع أمير الشعراء قوله:
زمان الفرد يا فرعون ولي ودالت دولة المتجبرينا
وأصبحت الرعاة بكل أرض علي حكم الرعية نازلينا
"وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" [يوسف : 21].
* كاتب إسلامي مصري.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.