البرلمان الأوروبي: سنواصل الضغط على إيران    الدوري الفرنسي، موناكو يتقدم على نانت 3-1 في الشوط الأول    سبورتنج يهزم الزمالك فى انطلاق سوبر سيدات الطائرة    كما كشف في الجول - أهلي طرابلس يتعاقد مع إسحاق يعقوب    فتاة واقعة بنها أمام النيابة: "لم أختطف وهربت لأني رفضت الارتباط بشخص لا أريده"    بالتزامن مع عيد الحب، عرض فيلم "مرتفعات ويذرينج" في 33 دار عرض بمصر    علا الشافعى ل معكم: هنشوف مصر بكل طبقاتها فى دراما 2026    وزير الصحة يتلقى تقريرًا بإنجاز 33 زيارة ميدانية ل58 مستشفى و62 وحدة صحية ب12 محافظة    ترامب يعتزم زيارة فنزويلا    وزير الخارجية العراقي: الأزمة الإيرانية لم تعد نووية فقط.. وخطر حرب إقليمية يلوح في الأفق    نائب أمين الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين: لسنا رديفا لحركة حماس    محافظ قنا يلتقي أهالي دندرة لبحث آليات تحويلها إلى وجهة عالمية للسياحة الريفية والبيئية    أسعار الذهب تواصل الصعود ومكاسب الجرام تصل ل 130 جنيهًا    احذرى من تقديم البسكويت لطفلك قبل إتمام عامه الأول    مدير أوقاف الإسماعيلية يفتتح مسجد صبري الكبير.. رسالة دعوية جديدة من القصاصين    رئيس قطاع التجارة الداخلية السابق: مفيش "فرارجي" في مصر معاه ترخيص    الحلقة ال27 من برنامج دولة التلاوة بمشاركة كبار القراء.. بث مباشر    محمود بسيونى يكتب: حكومة البدائل والحلول    هال سيتي ضد تشيلسي.. إستيفاو يتصدر تشكيل البلوز في كأس الاتحاد الإنجليزي    أستاذ تغذية يوضح السن المناسب لصيام الأطفال: البلوغ المعيار الديني والتشاور الطبي ضرورة    إيقاف ثنائي الأهلي وتغريم المصري.. عقوبات المباريات المؤجلة من الجولتين 12 و 14 بالدوري    خبراء: تحقيق نمو اقتصادى مستدام يتطلب قاعدة صناعية تحويلية قوية    جامعة الدلتا التكنولوجية تحقق إنجازًا عالميًا في الأمن السيبراني    مشاركة متميزة لجامعة قناة السويس في مسابقة الطالبة المثالية    عضو الشيوخ: تكليف الرئيس باستكمال المجالس المحلية يستكمل مثلث التنمية    د. آمال عثمان تكتب: صراع الرواية والتاريخ من «صحاب الأرض» إلى «فلسطين 36»    بعد زيارة رسمية إلى ليبيا ..الفريق أحمد خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة يعود إلى أرض الوطن    منتخب ألعاب القوى البارالمبى يحصد 5 ميداليات متنوعة فى بطولة فزاع بالإمارات    الأهلي يفوز على طلائع الجيش في دوري كرة اليد    تأثير الإفراط في الحلويات على السكري.. نصائح مهمة لخبراء الصحة    وزير الخارجية يجدد التزام مصر بدعم استرداد التراث الإفريقي خلال حلقة نقاشية لليونسكو والمفوضية الأفريقي    شريهان أبو الحسن تحذر: كبت المشاعر السلبية ضريبة يدفعها الجسد من صحته    موعد بداية شهر رمضان.. الأربعاء أم الخميس؟.. الحسابات الفلكية تحسم الجدل    زوج ينهي حياة زوجته بالمحلة الكبرى    طلب إحاطة لإلغاء إضافة العربي والتاريخ لمجموع طلاب المدارس الدولية    جميل مزهر ل سمير عمر: محاولات إسرائيل لنزع سلاح المقاومة لم تؤتِ ثمارها    حقيقة الهجوم على قطعة أرض والتعدي على سيدة وابنتها بالإسكندرية    ميرز بمؤتمر ميونيخ للأمن: النظام العالمي القائم على القواعد لم يعد موجودا    استشارة طبية.. الحياة بلا خضراوات    عبدالعليم داود: التشكيك فى انتخابات حزب الوفد يسئ للمشهد السياسي    القبض على المتهم بقتل شاب لخلافات مالية فى الجيزة    وزير الأوقاف ومحافظ المنوفية يفتتحان مسجدا قباء والعمري الكبير بقويسنا البلد    تلف 4 سيارات ملاكي إثر سقوط تندة حديد بسبب سوء الأحوال الجوية بالعاشر من رمضان    عاجل- إسرائيل تتهيأ لسيناريو هجوم أمريكي على إيران مع توقع إطلاق رشقات صاروخية مكثفة    الداخلية تمنح نزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل زيارتين استثنائيتين احتفالا بشهر رمضان    مستوطنون إسرائيليون يجرفون أراض يملكها فلسطينيون.. واختناقات خلال مواجهات    طارق يحيى: الزمالك سيتوج بلقب الدوري هذا الموسم    أذكار مساء الجمعة.. كلمات من نور تحفظ القلب وتغمر النفس بالسكينة والطمأنينة    بعد إجبار شاب على ارتداء «بدلة رقص» .. ماذا يقول الإسلام عن ترويع الناس وإهانتهم؟    وزارة النقل تعلن مواعيد تشغيل الأتوبيس الترددي خلال شهر رمضان لتيسير تنقل المواطنين    الغرفة التجارية ببورسعيد: تراجع التضخم واستقرار الصرف يمنحان المركزي مساحة لبدء دورة تيسير نقدي    في احتفالية مهيبة بجامعة القاهرة.. تخريج الدفعة ال192 بطب قصر العيني    ننشر أسماء ضحايا ومصابي حادث ميكروباص الطريق الصحراوي الشرقي جنوب ملوي بالمنيا    استعدادات مكثفة في مساجد المنيا لصلاه الجمعه الأخيرة من شهر شعبان    عبدالفضيل: كامويش يفتقد للشراسة الهجومية    أخبار فاتتك وأنت نايم| الأهلي يستعيد «عاشور».. وجيش الاحتلال يستهدف عنصر من حزب الله    صلاة الجمعة: حكمها وآدابها وسننها وفضلها    مشاجرة على الهواء بين ضيوف "خط أحمر" بسبب الخيانة الزوجية.. فيديو    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المستقبل للإسلام
نشر في المصريون يوم 21 - 05 - 2010

إن الصراع بين المدنية الغربية المادية ذات البنية الملحدة وبين حضارة الإسلام ذات البنية الإيمانية لابد أن ينتهي بالنصر للإيمان الحق وإذا كان مقدرًا في علم الله أن يبقى للبشرية بعض الوجود فلا وجود إلا بالروح والضمير والعقل والمادة معًا، وبما أن المدنية الأوروبية والأمريكية قد مزقت هذا النسيج المتكامل واكتفت بالعقل والمادة فإنها لم تعد قادرة على الاستمرار في القيادة مهما كانت كثافة السحب التي تحجب الحقائق.
وفى رأى إقبال أن الحضارة الغربية قد أدت دورها وشاخت وهرمت وأينعت كالفاكهة وحان قطافها، وأن العالم القديم الذي حوله مقامرو الغرب إلى حانة للفساد ستنتهي قريبًا، وأن الإنسانية سوف تتمخض عن عالم جديد.
ويعتقد (محمد إقبال) أن هذا العالم الجديد لا يحسن تصميمه إلا من بنى للإنسانية البيت الحرام في مكة مركز الأرض.
نعم لما كانت أوربا لم تتأسس على الفضيلة والهدى بل على الهوس والهوى وعلى الحسد والتحكم تغلبت سيئات هذه المدنية على حسناتها إلى الآن وأصبحت كشجرة منخورة بديدان المنظمات الثورية الإرهابية، وهذا دليل قوي على قرب انهيارها، وسبب مهم لحاجه العالم إلى المدنية.
فآسيا الإسلامية التي ستكون طليعة المنتصرين عن قريب، وهذا هو الاستشراف الأول، وهناك استشراف ورؤية مستقبلة أخرى يلتقي فيها إقبال والنورسي.
ففي كل يوم تصفع حقائق الإسلام المادية -بأمر الله- صفعات قوية من الذلة والخيانة ونكث العهود ... تحقيقًا لقوانين القرآن التي لا تتخلف، قال تعالى: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم"، وقال تعالى: "ألم تر إلى الذين تولوا قومًا غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعملون أعد الله لهم عذبًا شديدًا إنهم ساء ما كانوا يعملون".
لقد ملك المسلمين مؤهلات النصر والتقوى والسيادة لأن الحقيقة الإسلامية هي أستاذ جميع الكمالات ولديها ما يجعل البشرية في حاجة إلى أستاذيتها الحقيقية وإلى القائد الحقيقي للمدنية الصحيحة وأستاذية الإسلام.
إن الإرادة ليست شيئًا قابعًا في داخل النفس بل هي إذا كانت إرادة صادقة جازمة يرتبط بها وقوع الفعل ... قال الإمام أحمد بن تيمية في جواب سؤال عن الهم والعزم والإرادة: "الإرادة الجازمة هي التي يجب وقوع الفعل معها إذا كانت القدرة حاصلة، فإنه متى وجدت الإرادة الجازمة يجب وقوع الفعل معها التي إذا كانت القدرة حاصلة، فإنه متى وجدت الإرادة الجازمة مع القدرة التامة وجب وجود الفعل لكمال وجود المقتضى السالم عن المعارض المقاوم. ومتى وجدت الإرادة والقدرة التامة ولم يقع الفعل،لم تكن الإرادة جازمة".
إن الذي يتتبع الآيات القرآنية يكتشف أن القرآن قد كشف لنا السنن والقوانين العلمية في مجالات العلم المختلفة.
ومعروف أن هذه السنن والنواميس هي التي تمنح الإنسان (المعادلات) التي يستطيع بها أن يدخل إلى صميم هذا التركيب المعجز، ومن ثم العمل من أجل اعتماد تلك السنن والنواميس ضمانًا لمستقبل إسلامي يقود البشرية قدمًا صوب الأحسن والأرقى.
إنني أبصر الآن بعض معالم المستقبل من موقعي وأرى في ظل ما أفقهه من سنن الله الاجتماعية أن أكبر التحديات التي تواجه أمتنا هو الصراع بين الحكام والمحكومين وأنا بالطبع أرفض إزالة هذا الصراع على أساس التنازل عن الإسلام عقيدة وشريعة وحضارة كما يريد عدد كبير من المستغربين في العالم الإسلامي وعلى ساس التنازل عن لغة القرآن وتحويلنا إلى مسخ لغوي مشوه من الإنجليزية والفرنسية.
إن مثل هذا الصلح صلح مشؤوم تهون الحياة في سبيل مقاومته... والموت أشرف منه ألف مرة، فالإسلام لا يقبل هذه التنازلات مع أن المستقبل له.
ويؤمن النظر الإسلامي للتاريخ بدور (القيادة) والبطولة (الأقلية المبدعة) إذ ليس في الإمكان أن يكون كل الناس (عمر بن الخطاب) أو (صلاح الدين الأيوبي) وفى الوقت نفسه لن تستطيع الجموع أن تسير في طريقها الصحيح إلا بالقيادة الواعية المفكرة المبدعة، وهل يمكن أن يكون تاريخنا متألقًا وعظيمًا دون نجومه المعروفة من أمثال (أبي بكر) و(عمر) و(عثمان) و(علي) و(خالد) و(سعد بن أبي وقاص) و(أبى عبيدة) و(القعقاع) و(عمرو بن العاص) وعشرات غيرهم وإذا وسد الأمر إلى غير أهله من الرعاع والغوغاء، فالمصير هو التردي والهزيمة كما أن الأقلية المبدعة ليست أقلية انعزالية مستعلية، بل هي من الأمة وللأمة، وقد صنعتها الأمة على عينها وبعرقها، وعليها بالتالي مسئولية تجاهها... ومسئولية أمام الله الذي سيحاسبها على دورها الذي هيأها له، ووفر لها وسائلها.
والعرب (مادة الإسلام) وهم ملائكته وأروع أجناسه وأنقاها إذا حملوا رايته بإخلاص، لكنهم أحط الأجناس الإسلامية عندما يخونون هذا الدين، ويتنكرون له، فهم إما ملائكة بالإسلام، وإما جنس منحط غرائزي بغير الإسلام، ولا طريق له في التاريخ إلا هذا أو ذاك.
بل لقد استطاع الإسلام أن يزيل العرب من الحكم عندما سيطرت عليهم مفاهيم العصبية القبلية بدلا من مفهوم المساواة الإسلامي، وإن كان الإسلام أحدث حركة استعراب ضخمة لمختلف المناطق التي وصل إليها حملة الإسلام، ولئن كان الإسلام لا يلزم أحدًا باعتناقه فقد تعربت جماعات كثيرة دون أن تصبح مسلمة وساهمت بدور واضح في مجال الفكر العربي الإسلامي جانبًا إلى جانب مع المسلمين.
ولم ينتشر الإسلام بذاته... بل انتشر بسواعد مخلصة، وقلوب نقية وعقول زكية، وهمم عالية، فالتاريخ الإسلامي صنعه رجال فاعلون، ولم يصنعه سكونيون هامدون خرافيون، وقد عانى صانعو هذا التاريخ مثلما يعاني كل البشر، وزلزلوا زلزالاً شديدًا، وصبروا على ما امتحنوا به، وكانت العاقبة -بعد الابتلاء والاختبار- للمتقين.
وحضارة الإسلام حضارة دعوة حملها التجار والعبّاد والزهاد وليس العنف سبيل الإسلام إلا عندما توصد كل الأبواب.
وفي عهد (عمر بن عبد العزيز) الذي لا يزيد على عامين إلا قليلاً دخل في الله أضعاف الذين دخلوا بالمعارك في عشرات السنين.
ولدورة التاريخ الإسلامي منظومة خاصة لا علاقة لها بالمنظومات الأوروبية، ولا يجوز أن تقاس عليها... فبينما كان التاريخ الأوروبي يمر بأسوأ فتراته بعد ضياع حضارتيه (اليونانية والرومانية) كان التاريخ الإسلامي يبدو في أفق الإنسانية وكأنه شمس متألقة يوشك ضوؤه أن يعم الكون كله.
إن الفترة الواقعة بين سنتي (1-132ه) وهو تاريخ سقوط بني أمية أو حسب رأي بعضهم من السنة (1-114ه) وهو تاريخ هزيمة المسلمين في موقعة (بلاط الشهداء) (تور بواتيه) تعتبر عصر الفتح الإسلامي الحضاري الذي امتد إلى أكبر مدى إشعاعي في تاريخ الإسلام، فمن حدود (الصين) إلى أعماق بلاد الغال (فرنسا) ارتفع مؤذن الإسلام بشعاره الخالد (الله أكبر) وارثًا للتراث الحضاري الروماني ومقدمًا نموذجًا حضاريًّا لم تعرفه البشرية من قبل أكبر خصائصه أنه يمزج بين العلم والدين والوحي والعقل في نسيج واحد متكامل غير متنافر...
في هذا التاريخ نفسه (622-732م) كان (قاموس أوروبا) لا يعرف ما يسمى بالفكر أو العقل أو البحث العلمي بعد أن قضت الكنيسة على كل ومضات العقل السابقة وجعلتها (هرطقة) يرمى مرتكبها بالزندقة ويستحق القتل... وصادرت العقل البشرى لحساب الوحي المغلوط...
وأن الفترة الواقعة بين سنتي (132-489ه) وهو التاريخ الذي يفصل بين سقوط (طليطلة) في (الأندلس)... هذه الفترة على ما بها من تفكك سياسي نسبي وظهور عدد من الدويلات المستقلة عن دولة الخلافة العباسية (الأدارسة) في المغرب الأقصى، والرستميين في المغرب الأوسط، والمدراريين في (سلجماسة) و(الطاهريين) في (خراسان) و(الطولونيين) في (مصر) والأمويين في الأندلس، ثم حركة الانشقاق الفكري والروحي والسياسي المتمثلة في (الفاطميين) في (المغرب) و(مصر)... هذه الفترة مع هذه السلبيات كانت فترة ازدهار فكري وحضاري، وتنوع في الإيقاعات، ونشر للعربية والإسلام بالعقل والحكمة والإخلاص، وظهور لمدارس الفكر الإسلامي.
وبينما كانت مكتبة (الحكم المستنصر بن عبد الرحمن الثالث) (350-366ه) تضم نحو (أربعمائة ألف مجلد) كانت أكبر مكتبة في أوروبا تضم (192) كتابًا... وبينما كان المسلم يتوضأ خمس مرات ويغتسل كل أسبوع عبادة لربه، كان (الأوروبي الناسك) يتباهى بأن جسده لم يمسه الماء منذ عدد من السنين. هكذا كنا... وهكذا كانت أوروبا لخمسة قرون، بل لعشرة قرون في الحقيقة، فكيف تكون دورتنا الحضارية خاضعة للدورة الأوروبية، ولهذا كان بدهيًّا أن يؤمن الفكر الإسلامي المعاصر بأن دورة حضارته (منظومة خاصة) تتناقض مع الدورة الأوروبية في عصرها الوسيط الذي امتد من القرن السادس وحتى القرن السادس عشر للميلاد.
وبإيجاز ... تلك بعض مرئيات الاتجاه الإسلامي المعاصر نحو التاريخ، وهي بعض البذور في طريق تكوين تفسير إسلامي أصيل للتاريخ والحضارة.
الحصاد والتقويم (تطور في الرؤية والتنظير)
في البداية وقبل مرحلة التنظيم للمعضلة الحضارية بمنهجية علمية تستفيد من تطور فلسفة التاريخ في العالم. كانت الدراسات تتجه مباشرة للإجابة على التساؤلات الخاصة بسر تخلف الأمة الإسلامية وتقدم أوروبا.
وحتى كتاب الأستاذ (أنور الجندي) الذي أصدر طبعته الأولى سنة (1388ه- 1968م) تحت عنوان: (الإسلام وحركة التاريخ- رؤية جديدة في فلسفة تاريخ الإسلام) حتى هذا الكتاب الذي يعتبر متأخرًا في صدوره، ومع أن مؤلف الكريم جال بنا عبر تاريخنا الإسلامي جولة طيبة إلا أنه قد اتجه إلى هذا الطريق المباشر عن (عوامل التأخر ودوافع التقدم) دون أن يقدم الإطار التفسيري التاريخي لهذه العوامل وتلك الدوافع على النحو الذي نراه -مثلاً- عند (مالك بن نبي أو عماد الدين خليل أو محمد جلال كشك أو محمد محمود سفر).
وقد كان المجاهدان الكبيران (عبد الرحمن الكواكبي) و(شكيب أرسلان) أسبق في الوقوف عند هذه النقطة، وقد قدمنا فيها عددًا من المقترحات والآراء التي تلتقي بنسبة كبيرة مع ما قدمه الأستاذ الجندي.
فقد رأى (الكواكبي) أن عوامل ضعف المسلمين هي جهلهم ولاسيما الأمراء منهم، وظهور الحكومات المستبدة، وحرمان الشعوب من الحرية، وتعطيل شريعة الله، وإهمال الدين، وانحلال رابطته، وتشويهه بواسطة العلماء المدلسين والمؤولين، والاقتصار على العلوم الدينية وإهمال العلوم الطبيعية والرياضية، وتكبر الأمراء وميلهم إلى المنافقين وعلماء السوء.
أما العلامة (شكيب أرسلان) فقد رأى أن أهم عوامل تأخير المسلمين هي ترك المسلمين عزائم القرآن التي قام بها سلفهم، وإعراض علماء المسلمين عن العلوم الطبيعية، وفقدهم أعظم قوة مادية، والاكتفاء من الدين بالرسوم الظاهرة واللهو بالقشور عن اللباب، واليأس من رحمة الله، وفقدان الثقة في النفس، واستخزاء المسلمين أمام الأوروبيين وفقد أكثرهم عزة الإسلام القومية، ومواطأة المسلمين الأوروبيين على إخوانهم، وخدمتهم إياهم، وفقد روح التضحية التي سادت بها الأمم الأوروبية، وعدم اقتداء المسلمين الأوروبيين في تأليف الجمعيات والشركات، وفساد الأخلاق عامة، وأخلاق الأمراء خاصة، وفساد العلماء الذين هم القوة المراقبة للحكومات، وتفوق الأوروبيين في العدة، وطمعهم في مجاورتهم لجميع بلاد الإسلام، وثباتهم وصبرهم، وسيرهم على خطط مرسومة يتبعونها منذ مئات السنين، ويخيم الجهل على الفقهاء، وكثرة الكلام عن الآخرة، مع أن الإسلام دين دنيا وآخرة، والدعايات الاستعمارية التبشيرية.
بيد أن تطور العقل المسلم في التنظير للمعضلة الحضارية قد مكّنه من تقديم تصور لعملية التطور الحضاري بطريقة منهجية وشمولية.. فليس الأمر في البناء الحضاري مجرد تقديم اقتراحات أو علاج بعض الأمراض... فالقضية تتصل بالكيان الحضاري كله وبروحه الهامدة، وبإرادته الخامدة... وعلاج الروح عمل معقد يحتاج إلى توجيه فكري ونفسي وجمالي، وإلى إعادة ارتباط المسلم بالسنن الكونية من خلال عقيدة حضارية قادرة ... حتى يعرف المسلم موقعه في الكون، ورسالته نحو الإنسانية.
وفي هذا الإطار كان لمالك بن نبي -على المستوى التنظيري- فضل كبير، وكان للمجاهدين من أمثال (حسن البنا) وتلاميذه وعلى رأسهم (الشيخ محمد الغزالي) و(الشهيد سيد قطب)، و(الدكتور يوسف القرضاوي) وغيرهم من أمثال العلامة (أبي الأعلى المودوي)، و(العلامة أبي الحسن الندوي) وتلامذتهما.. والإمام (عبد الحميد بن باديس) و(جمعية العلماء) وغيرهم -على المستوى التطبيقي- فضل كبير أيضًا.
المسألة التي تخبطت فيها الآراء الحديثة منذ بدايات (الدارونية) الأولى بين القائلين بالخلق المباشر المستقل والقائلين بنظرية التطور الطبيعي.
فالقرآن عبر استعمالاته للبعد الزمني يبين لنا أن الروح الإلهية متجلية في أصل الإبداع لكن لا يبين لنا (سر الروح) ولا المدى الزمني الذي استغرقته عملية إبداع الكون بالنسبة لوعينا البشري بالزمن، وهو وعيٌ محدودٌ جدًّا في عصرنا، فكيف بالعصور السابقة؟!
لكن الجلي من الآيات القرآنية أن فعل الله كان مباشرًا، وأن هذا الفعل يُسَخَّرُ لتحقيق حكمة الله الدافعة في التاريخ بقوتين: قوة الطبيعة المادية المنظورة وقوة الروح غير المنظورة، وهذه الأخيرة هي الفرق الجوهري بين التفسير الإسلامي للتاريخ والتفسيرات الوضعية... إنها (البعد الغيبي).
ومما نستخلص من معطيات المسيرة القرآنية في أطوار (الواقعة التاريخية) أن للإنسان دورًا أساسًا في هذه الواقعة. وهذا الدور هو ما نسميه (بالحرية الإنسانية) التي هي في مداها البعيد جزء من إرادة الله في خلق الأفعال والأحداث.
ولاشك أن ظهور النبي وانتصاره في الجزيرة العربية، والتقدم اللامع الذي حققه خلفاؤه من بعده والذي سيطر بعد وفاته بأقل من قرن على غالبية العالم المعروف، ما عدا جزءًا من أوروبا التي كانت في حالة سبات، وجزءًا آخر من الصين الصاعد نحو قمتها، لا يمكن فهمه دون الاعتراف بالمكانة الأولية للرسالة الإسلامية المميزة الدالة على أن المستقبل للإسلام.
ولم يدّع النبي محمد أنه أنشأ دينًا جديدًا، لكنه قاد الناس حسب تعاليم الله إلى أن يتذكروا من جديد الإيمان الأولي إيمان إبراهيم. لقد شذّب النبي في بادئ الأمر الخرافات الدخيلة والطقوس الفارغة من أي حياة.
إن الله هو أكبر من أكبر الملوك، وله وحده يتوجب الاحترام المطلق والإجلال، هنا يتأسس مبدأ الحق الذي يجيز التصرف لكل إنسان في مقاومة كل ظلم، ومعارضة كل سلطة.
الإسلام حامل الأمل
والإسلام برفضه فصل الثنائية المزعومة بين السياسة والإيمان، وبرفضه التفريق بين علاقة السياسة بالدين (والتي هي علاقة بين بعدين من أبعاد الإنسان المسلم)، وبين العلاقات بين الكنيسة والدولة (والتي هي علاقة بين مؤسستين تاريخيتين) وبربطه الدائم للتسامي بالأمة، يمكنه مساعدتنا على إنعاش المسيحية ذاتها وتجاوز أزمة تفكك النسيج الاجتماعي.
وأخيرًا يمكن للإسلام بربطه كل شيء بالله، أو بنظرته القائمة على ارتباط كل شيء بالله، أي نظرته إلى كل ملكية أو سلطة أو معرفة أو محاكمة عقلية نظرة سلبية، انطلاقًا من ربطها بالغائية الكبرى التي تسمو على كل شيء في هذا الوجود.
وعلى هذا يمكن للإسلام أن يكون خميرة تحرر ونضال ضد كل أشكال التسلط والعبودية المفروضة على الإنسان بحجة أطروحات مزيفة تبعده عن أصالته ومركزه.
الإسلام هو السبيل إلى الخلاص
في كتابه عن الإسلام والقرن الواحد والعشرين يتحدث رجاء جارودي فيرى أن الإسلام يملك اليوم إمكانيات انتشاره بأكثر مما كان في أوج عظمته؛ فهو يستطيع أمام هذا الإفلاس المستعصي للنموذج الأمريكي أن يعيد الأمل إلى عالم مهدد في بقائه بهذا الفشل المزدوج.
إن الإيمان والسلوك شيء واحد خلافًا للمسيحية واليهودية؛ فالإيمان هو الباطن، والسلوك هو المظهر الخارجي، ولا وجود لأحدهما دون الآخر.
إن الأمة الإسلامية هي أمة ذات مبدأ عالمي، ومعروف ليس بالجنس أو الأرض أو اللغة أو الثقافة، ولكن بهدفها الوحيد وهو تحقيق إرادة الله على الأرض، فهي أمة الإيمان.
والقرآن الذي يقرأ بأعين جديدة يبدو هكذا في عظمته الحقيقية باعتباره الوحي الخاتم.
ففي الإسلام تتلخص كل الرسالات معلنة السمو، سمو الإنسان أمام كل ضرورات الطبيعة، وسمو الله أمام كل الأفكار، وكل ألوان الحب، وكل المشاريع، وكل سلوكيات البشر.
ولابد على التأكيد أن التقنية لا توفر لنا أبدًا إلا الوسائل، ونحن الآن نواجه خطر الموت من جراء كثرة الوسائل وغياب الغايات... لقد عرف الإسلام ذو الغايات والمعنى وهو المنزل من عند الله مردوده العقائدي.
وكما كتب محمد إقبال أن الإيمان الذي لا يعد في أبهى مظاهره عقائدية ولا كهنوتية ولا شعائرية هو وحده القادر على إعداد الإنسان لتحمل المسئولية أكثر مما تفرض عليه العلوم والتقنيات الحديثة.
وما هو إلا أن يصل الإنسان إلى نظرة جديدة عن أصله ومستقبله حتى يستطيع أن ينتصر على مجتمع تطحنه منافسة لا إنسانية، وعلى حضارة فقدت وحدتها الروحية.
*أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية
رئيس تحرير مجلة التبيان


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.