ونحن نرى حجم الخراب والتدمير، وما آلت إليه الأمور في فلسطين يقود إلى مستقبل أكثر سوءًا وستكون آثاره تخريبية أشد بكثير مقارنة بما نعيشه الآن نحن كأمة عربية أو إسلامية، كما أن التفجيرات اليومية التى تجرى في سوريا، العراق، لبنان، اليمن، وحتى ليبيا، وبغض النظر عن مَن ينفذها أو يقف وراءها، وتحت أي شعار يرفعه منفذوها، فهى عمليًا تخريب وتدمير وإنهاك لقدرات الأمة وإمكاناتها في صراعات بينية، هى نماذج لا تقبل الخطأ لحروب أهلية تذكرنا بما كنا نقرأه ونعجب لحدوثه، مما تناقلته كتب التاريخ عن حرب داحس والغبراء، التى قياسًا بضحاياها قد لا تعادل حجم ضحايا قتال يومًا مما نراه فى أغلب بلدان الوطن العربى، اليوم، فهل حقا أن العقل العربى لم يتطور ومازال يحتفظ بنفس مكوناته وبناه التى كان عليها قبل أكثر من 1500 سنة، وكأنه لم يعش تلك التجربة الحضارية الكبرى زمن الدولتين الأموية والعباسية . ومهما حاول الإنسان أن ينظر بعين الأمل والموضوعية لا يمكن أن يغض الطرف عن دور القوى الخارجية فى دعم هذا الطرف أو ذاك ضد الآخر، إما مباشرة أو بالواسطة من خلال أنظمة عربية كانت محسوبة إلى وقت قريب جزء من قوى الثورة المضادة أو المعادية لحركة الثورة العربية التى كانت تتطلع لتحقيق الاستقلال والتخلص من التبعية وتحقيق التنمية . إن قوى الثورة المضادة هذه، بدأت تحقق انتصاراتها فى كل الأقطار العربية، الواحد بعد الآخر، حتى تلك التى أثارت الآمال فى النفوس بانتصار إرادة الجماهير، كما حصل فى تونس ومصر، لنكتشف أن النتائج تُختزل لصالح التوجهات التى تريد إعادة جر الأمة لعصور تفصلها عما وصل إليه العالم من تقدم وتطور وتثبتها عند تاريخ داحس والغبراء، لاغية بذلك حتى المنجزات المحدودة التى حققتها الدولة القطرية، كان يمكن أن يسكت الإنسان بانتظار ما ستؤول إليه النتائج النهائية، رغم أن ليس هناك بالأفق ما يؤشر إلى أن التغيرات التى أنجزه ما سماه الرئيس الأمريكى بالربيع العربى، ستكون أفضل مما كانت عليه الحال فى الأقطار التى عاشت هذا الربيع المجدب بكل ملامحه ونتائجه. إلا أن هذا الجدب بدأ يتحول لآفات وأمراض خطرة، وعواصف وأعاصير مدمرة، تقتلع ما بقى عالقاً فى الأرض لتحولها إلى صحراء قاحلة لاشك توحى باقتراب زوال الحياة أو انعدام شروطها، ففى سوريا وليبيا وحتى اليمن والعرق نجد أن التوجهات التقسيمية واضحة، والترويج للهويات الجزئية على حساب هويات قطرية، ما كانت ترضينا نحن القوميين العرب ونرى فيها معيقاً لتطور الأمة وتقدمها. إنها لمحنة، ما يزيد من بلائها هو غياب المشروع القومى، وغياب المثقف القومى العربى عن الساحة وانزواء حتى الأكثر تفاؤلا منهم، ما يعكس حالة عجز حقيقى عن المساهمة بدور للتصدى لما يجرى، وما يزيد المحنة بلاءً أن نجد بعضا من المحسوبين على التيار القومى يتحول إلى جزء من أدوات التخريب هذه وبخدمتها، إن مراجعة بسيطة لما تنشره المواقع المحسوبة على التيار، سنجد أن أغلب ما يطرح لا يتضمن تحليلاً أو مساهمة بمواجهة الأزمة التى تمر بها الأمة بل ترويجا لها ولأطروحاتها التقسيمية . تحت شعار "نقد الطائفية" نرى هذا الكاتب وحتى المفكر أو ذاك، ينتقد هذه الطائفة أو تلك بشكل يعكس توجهات طائفية حقيقية منحازة لطائفة أو دين على آخر، أو ترويجا لاستفزازات طائفية، متنكرًا لهويته السياسية كونه قوميًا معنيًا بالولاء للأمة كل الأمة دون طرف على حساب الآخر، كمن يصب الزيت على النار، ويتهم آخر هذه الجماعة بالخيانة دون أن يؤشر إلى أن الخيانة لا دين ولا مذهب لها، تتوزع على الخونة من كل الملل والأطراف والأديان، دون أن يكون للدين أو المذهب من دخل فى تشكيلها، ويلقى الآخر اللوم على هذه الدولة المجاورة أو تلك، وليس لأحد القول إنه مخطئ فى ملامته، لكنه يبدو وكأنه يغطى بذلك الأدوار الحقيقية الخبيثة للغرب والصهيونية الممتدة على مسافة ما يقارب القرن والنصف، ليقدم بذلك نموذجًا لخيانة الأمانة التى يجب أن يلتزم بها الكاتب الموضوعى، ناهيك عن كون هذا الكاتب يرفع الشعارات القومية ويدعو للالتزام بها وهو يقف بعيدًا عنها بمسافات كبيرة من خلال أطروحاته هذه. للأسف يمكن ملاحظة ذلك بوضوح أكثر عند بعض الكتاب العراقيين أكثر من غيرهم حتى مقارنة باللبنانيين باعتبار المجتمع اللبنانى يعيش نفس صورة التعددية الدينية والمذهبية. الكلام هنا عن الكتاب المحسوبين على التيار القومى، لا أولئك الذين حسموا أمرهم فى الوقوف فى الضد من التطلعات الوحدوية العربية، إن العراق الذى كانت أبصار العرب ترنو له باعتباره حامل مشعل الحركة القومية والأهداف القومية لأكثر من ثلاثة عقود، وبما عرف عنه من تميزه الفكرى والثقافى على أغلب الأقطار العربية، يحز بالنفس أن نرى أن مثقفيه القوميين أو اليساريين من يتحول بدراية أو دون دراية منه إلى داعية للطائفية وهو يتظاهر بلعنها. لا يمتلك الإنسان إلا أن يتوجه إلى جميع المثقفين والكتاب العرب إلى ضرورة الانتباه إلى أن المسئولية التاريخية الكبيرة، التى تترتب عليهم فى هذه المرحلة الخطرة من تاريخ الأمة وما تعيشها من محنة، لاشك تضل فى كل ملامحها أقسى وأشد أثرًا حتى من سقوط بغداد قديمًا على يد التتار، وحتى حديثا بفعل الهجمة التتارية الثانية بفعل الغزو الأمريكى والتى كانت على ما يبدو مقدمة وبوابة خبيثة للتمدد فى نشر الدمار والتخريب، وتنفيذ المشروع الصهيونى الذى عُرف باستراتيجيات إسرائيل للثمانينيات وتسعينيات القطر الماضى التى تحدد هدفها فى إعادة تقسيم الأقطار العربية لدويلات ومشايخ صغيرة ومتناحرة، حماية لأمن إسرائيل وتبديد أو إنهاء أهداف الثورة العربية التى طرحتها فى خمسينيات وحتى سبعينيات القرن الماضى التى تتركز على تحرير فلسطين وتحقيق الوحدة العربية، انطلاقا نحو إنجاز عملية التنمية المستقلة . وبمرارة أقول إن كفة النجاح تميل لصالح المشروع الصهيونى من خلال تراجع فكرة تحرير فلسطين والوحدة إلى زوايا منسية حتى عند المثقفين المحسوبين على التيار القومى العربى. على أساس هذه المعطيات أتقدم بمشروع اقتراح أضعه أمام إخوتى وأخواتى من المثقفين العرب، أتمنى أن يجد عندهم آذانا صاغية والنهوض ليأخذوا دورهم فى مواجهة المحنة والمساهمة بالعمل على تجاوزها ومواجهة المؤامرة الكبرى التى تتعرض لها أمتنا . الاقتراح : لكل هذا ونحن كمثقفين عرب معنيين بارتفاع مستوى الإحساس بالمسئولية أمام ما يجرى من أحداث وتآمر يهدف إلى تقسيم الأمة المقسمة بالأصل، ليس هناك من عصر أو مرحلة كانت بأسوأ منه، لاختبار صحة ما ندعيه من ولاء للأمة والتزام بالمبادئ والأهداف القومية. أطرح الاقتراح التالى: أن نعمل وبسرعة تتناسب مع سرعة تصاعد الأحداث للقاء فى مؤتمر أو اجتماع لحضور أكبر عدد ممكن من المثقفين من كتاب وصحفيين وخبراء ومفكرين قوميين يعقد فى أحد الدول العربية، ولمدة لا تقل عن ثلاثة أيام بما يسمح لمناقشة حالة الأمة ودورنا فى مواجهتها للوصول إلى برنامج أو خطة عمل يلتزم بها الجميع كأدوار قومية مطلوب من الجميع أداؤها. إن مؤتمرا كهذا سيوفر أيضا فرصة مباشرة للتعايش والتفاعل فى لقاءات شخصية مباشرة مما يعزز التفاعل والتفهم المباشر . وأرجو السماح لى لعرض بعض من عناصر الأرضية التى يستند لها المؤتمر كرءوس نقاط خاضعة للتغير والتطوير من قبل كل الراغبين فى المشاركة. 1 - تشكيل لجنة من الأخوة المثقفين المستعدين لتحمل هذه المسئولية من خلال التواصل بالنت أو التليفون أو الفيس بوك، تتولى عمليات التنسيق لإعداد برنامج المؤتمر، وماهية المحاور الأساسية التى سيناقشها، مع لجنة تنفيذية تتولى الدعوات التى ستوجه لمن لا تصله أو لم يطلع على هذا النشاط وتنظيم إجراءات الاستقبال والإجراءات المطلوبة للسفر والإقامة . 2 - تحديد برنامج عمل يتضمن العناصر الأساسية المطلوب مناقشتها وتدارسها وأن تتمحور فى معناها العام على دور المثقف العربى فى الأزمة الحالية التى تمر بها أمتنا العربية. وأن تكون بعيدة عن أى أفكار أو أطروحات مسبقة، ملزمة لأى من المجتمعين قبل انعقاد المؤتمر، مع التركيز على أن من حق أى مثقف عربى المشاركة فى المؤتمر أو الاجتماع بدون شروط حول خلفياته أو انتماءاته لأى من التنظيمات القومية أو كونه مستقلا، شرط ألا يكون هناك من الشبهات حول ولائه وانتمائه للخط القومى. ويظل الإنسان محكوما بالأمنيات لأن يكون المؤتمر خطوة باتجاه وحدة القوى القومية ولو بشكل جبهوى يحفظ للجميع حق الاحتفاظ ببناه التنظيمية مع وحدة العمل والتوجه. 3 - أن يتحمل أى من المشاركين كلفة مشاركته، من تذاكر سفر وإقامة، للتخلص من أى تدخل من الأنظمة العربية أو أى جمعية، إلا إذا تبرعت منظمة ما أو مؤسسة حكومية أو أهلية دون فرض شروط مسبقة على المؤتمرين، وأن يُعلن عن مصدر التبرع، الذى سيستخدم فى دعم وتحمل كلف المشاركة لمن لا يمتلك الإمكانية من المثقفين على المشاركة على حسابه الخاص، وحسب حجم التبرع المقدم. 4 - من خلال إقامتى وانتمائى للمملكة المغربية، وحسب معرفتى واطلاعى على حجم الحرية الفكرية التى تتمتع بها المملكة، أقترح عقد المؤتمر على أراضى القطر المغربى، وأقترح بالضبط مدينة خريبكة، لما أعرفه عن أهل مدينتى من كرم ورحابة ما أتوقع معه أن يتبرع الكثير منهم فى المساهمة بإقامة بعض الضيوف ممن لا تحتمل ميزانياتهم الإقامة على حسابهم الخاص فى فنادق المدينة التى يمكن أن نحصل على تخفيضات من فنادقها أيضا. [email protected] ياسمين الحاج – المغرب --