محافظ الجيزة يهنئ قداسة البابا تواضروس الثاني بعيد القيامة المجيد    وزير الكهرباء: توسيع نطاق التعاون مع روسيا في مجالات الطاقة النووية    محليا وعالميا.. استقرار حذر لأسعار الذهب وسط ترقب بيانات التضخم الأمريكية وتطورات الشرق الأوسط    محافظ البحيرة: رفع الإشغالات بشارع ناصر بأبو حمص لتحقيق الإنضباط    محافظ جنوب سيناء يشهد انطلاق موسم حصاد القمح بطور سيناء    الحفني: مصر تتحول إلى مركز إقليمي للطيران منخفض الانبعاثات    ردًا على غارات بيروت.. حزب الله يعلن قصف قاعدة بحرية في جنوب إسرائيل    بعثة الزمالك تؤدي صلاة الجمعة بفندق الإقامة    إنهاء التعاقد بالتراضي.. الاتحاد السكندري يعلن رحيل تامر مصطفى عن تدريب زعيم الثغر    إصابة 7 أشخاص في تصادم ميكروباص وملاكي بالغربية    خلال 24 ساعة.. تحرير 955 مخالفة لعدم ارتداء الخوذة    تشغيل العناية المركزة للأطفال بمستشفى أبوتشت المركزي    الأرصاد: ارتفاع الحرارة السبت وشبورة وأتربة بالقاهرة 27 درجة    إحباط ترويج 4 أطنان رنجة يشتبه في عدم صلاحيتها بالغربية    إصابة 3 أشخاص باختناق في حريق مطعم بسيدي جابر    إصابة 10 أشخاص في انقلاب ميكروباص بطريق القاهرة – الفيوم الصحراوي    «رجال طائرة الأهلي» يواجه الزمالك في نهائي كأس مصر    مبابي وفينيسيوس على رأس قائمة ريال مدريد لمواجهة جيرونا في الليجا    محافظ البحر الأحمر ووزير الشباب يتابعان مستوى الخدمات بالمدينة الشبابية بالغردقة    محافظ سوهاج يفتتح مسجد الشيخ جمعة بمركز جهينة    التحالف الروسي الإيراني.. لماذا تبقى إيران شيء لا يمكن الاستغناء عنه لبوتين؟    تحالف دولي بقيادة بريطانيا لتأمين الملاحة في مضيق هرمز.    مصر وفخ نتنياهو    "التضامن" تحذر: «دائرة الثقة العمياء» وراء 80% من الاعتداءات على الأطفال    وزير الأوقاف ومحافظ بنى سويف يؤديان صلاة الجمعة احتفالا بالعيد القومي للمحافظة (صور)    «سلاح آلي بلاستيك».. الأمن يكشف ملابسات فيديو استعراضي بالدقهلية    في ذكرى ميلاد عمر الشريف.. حكاية مسلسله الوحيد وفيلمه مع عادل إمام وتجربتين مع خالد النبوي    عمرو الليثي: شم النسيم مصدر إلهام للفن المصري وارتبطت به الأغاني فرحا بالربيع    محافظ أسيوط: ختام الليلة الكبيرة بالنخيلة يؤكد نجاح مسرح المواجهة في نشر الوعي    سلوت يتحدث عن دعم الملاك والجمهور والإصابات وطموح الفريق بالفترة المقبلة    «الصحة» تعلن 12 إنجازآ نوعيآ في خدمات الصحة النفسية وعلاج الإدمان خلال 3 شهور    عرفة الهواري: تكلفة زراعة القوقعة تتخطى حاجز المليون جنيه    تنوع حضاري وديني.. سر تحول «الفرما» في محطة مسار العائلة المقدسة    القاهرة تحتضن بطولة العالم للرماية للناشئين وسط مشاركة دولية كبيرة    هرمز أولا!    مصرع طفلة سقطت في ماكينة عجن داخل مخبز بالمنيا    استعدادات قصوى بالإسماعيلية.. "الرعاية الصحية" ترفع درجة الطوارئ لتأمين احتفالات الربيع والقيامة    نشاط الرئيس الأسبوعي.. قرارات جمهورية وتكليفات قوية للحكومة ورسائل مهمة لرؤساء أمريكا وإسبانيا    معاريف: إسرائيل تضغط للحصول على مهلة أمريكية لضرب لبنان بقوة قبل التهدئة    وزيرة التنمية المحلية تتابع مع مجموعة المانع القابضة مستجدات إنشاء مصنع لإنتاج الوقود الحيوى    العبودية بين المراسم والجوهر    محافظ الإسكندرية يدعم مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير ويشيد بإدارته    هانيا الحمامي تلتقي نور الشربيني في نهائي مصري خالص ببطولة الجونة الدولية للإسكواش    الصدق مع الله.. اللحظة التي تغير حياتك من الضياع إلى النور    جامعة بنها تبدأ في إنشاء وحدات للجيم الخارجي داخل الحرم الجامعي    موعد صلاة الجمعة في المنيا اليوم 10 أبريل 2026    وزيرا التخطيط والصناعة يبحثان تسريع ترفيق المناطق الصناعية    سعر الدولار اليوم الجمعة 10 أبريل 2026 في البنوك المصرية    حمادة هلال: نجاح أغنية محمد نبينا ألهمني فكرة تقديم مسلسل يحمل اسم المداح    إسرائيل تقصف مواقع تابعة لحزب الله في لبنان    رفع كفاءة أطباء وتمريض الأسنان بالمنوفية.. صور    أستاذ بجامعة الأزهر: لا يوجد حديث نبوي يتعارض مع آية قرآنية    CNN: ترامب يضغط للحصول على التزام من الناتو لتأمين مضيق هرمز خلال أيام    باسكال مشعلانى: لازم المجتمع الدولى يتدخل.. إسرائيل بتضرب الطلاب وهما فى المدارس    شروط القبول ببرنامج "هندسة الطاقة" بهندسة المطرية    رئيس لجنة تحكيم البوكر العربية: رواية سعيد خطيبى تترك انطباعا مريرا    ختام مسابقة الأزهري الصغير في الإسكندرية وسط إشادة بتشجيع المواهب الناشئة    النوم عن صلاة الفجر: هل تجوز قضاؤها بعد شروق الشمس؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المسيحيون في مصر بين التاريخ والمستقبل .. د . زكريا سليمان بيومي
نشر في المصريون يوم 18 - 11 - 2005

تناول العدد السابع من مجلة " حوار العرب " مناقشة محور من أهم المحاور الفكرية التي تتصل بحياة الشعوب العربية في الماضي والحاضر والمستقبل عن الدور الهام للمسيحيين العرب ومدي إسهامهم في البناء الثقافي الإسلامي العربي وأمل الاستمرار المنشود في تغذية هذا الدور . ولاشك أن هذا المحور الذي شارك في كتابته بعض الكتاب المسيحيين يعد أقل تحفظا من كتابات سابقة لهم ولغيرهم حيث طرحوا فيه ومن خلاله أبرز قضايا الاتصال والانفصال عن رؤية بعض أتباع التيار الإسلامي لهذا الدور ببعده الثقافي والتاريخي . ولعل من أبرز الجوانب التي تم إلقاء الضوء عليها هو المعايشة الآمنة والمنصهرة للمسلمين والمسيحيين في الجزيرة العربية والمشاركة الإيجابية في صنع الحضارة الإسلامية العربية اللسان والتي كانت ترجمة لتلاقي أغلب التعاليم الدينية بين المسيحية والإسلام وبخاصة أبعاد التسامح وحرية الاعتقاد , وحققت بالبعد الديني والثقافي انصهارا لا يدعو إلي مجاراة الذين يجهدون أنفسهم في إيجاد دلائل علي تسامح الإسلام مع الآخر ويحاولون ترجمته من خلال هذا الانصهار المسيحي الإسلامي ذلك لأن المسيحيين في المنطقة العربية كانوا ومازالوا جزءا من الكيان الحضاري الإسلامي وليسوا الآخر لأنهم بحق من أبرز صانعي هذا الكيان . ولا يعاني المؤرخون كثيرا في الاستشهاد التاريخي علي أبعاد التلاقي في التسامح والمعايشة بين المسلمين والمسيحيين منذ لجوء النبي صلي الله عليه وسلم وزوجته خد يجة لورقة بن نوفل الراهب المسيحي في اللحظات الأولي للوحي برسالة الإسلام , ثم مساندة ملك الحبشة للمهاجرين المسلمين , ونص الدستور الأول للمسلمين في المدينة المنورة علي التآخي لكل أصحاب الديانات بأنهم جميعا أمة واحدة لهم حقوق المواطنة المتساوية. وكانت اتفاقية النبي صلي الله عليه وسلم مع مسيحيي نجران شاهدة علي قدر التلاقي بين المسلمين والمسيحيين والذي كان ترجمة لما ورد في القرآن الكريم . ثم كان دخول الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه القدس واقتسامه الكنيسة لتكون دارا للعبادة بين الإسلام والمسيحية وبتوافق يخلو من ضغط الغالب وتعبيرا عن بعد وحدة التوجه والتكامل لا الانقسام وحين دخل المسلمون مصر كانت نصرة أقباطها بسبب اضطهاد حكامهم المسيحيين الرومان لهم من بين أسباب انتصار عمرو بن العاص فاقتصرت المعارك العسكرية الرئيسية علي معركة حصن بابليون بين المسلمين والرومان , ثم نعمت قوات المسلمين في مصر بنصرة الأقباط وتأييدهم . وكان إقبال بعض الأقباط علي الإسلام إقبالا تدريجيا وليس مفروضا وهو ما يدل عليه علو نسبة الجزية علي نسبة الزكاة في خراج مصر لمدة طويلة في عصر الولاة . كما كانت نصرة عمر بن الخطاب للقبطي المصري _ وهي قصة مشهورة في كتب التاريخ _ الذي اعتدي ابن عمرو بن العاص والي مصر علي ابنه , فحين شد هذا القبطي الرحال إلي المدينة المنورة لم يكن يعرف عمر بن الخطاب وإنما استطاع أن يتعرف علي القانون الذي يحكم به عمر , وعاد هذا القبطي برسوخ لما تصوره عن هذا القانون ومن يحكم به حيث أعطاه عمر عصا ليضرب بها ابن الأكرمين – ابن عمرو بن العاص – وبرسالة من عمر إلي واليه مازالت ذائعة إلي يومنا هذا , متي استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا . واحتوت الدراسات التي وردت في العدد السابع من " حوار العرب " علي ما يؤكد قرب خلفاء بني أمية من المسيحيين واتخاذهم دورهم ومعابدهم للراحة والتقارب . كما أشارت إلي الدور البارز الذي أداه المسيحيون في العصر العباسي في ترجمة التراث اليوناني والروماني , وكذلك في دورهم الحضاري في شتي العلوم كالطب والكيمياء والصيدلة والجغرافيا وغيرها من العلوم التي تعد المكون الأساسي للحضارة الإسلامية العربية . ويحفظ لنا التاريخ استمرار هذا البعد من الانصهار الإسلامي المسيحي طوال العصر العثماني , فمنذ فتح القسطنطينية احتفظ القساوسة والرهبان المسيحيون بنفس حقوقهم ومكانتهم التي كانت لهم في العصر البيزنطي وبشكل أكثر تحررا لدرجة دعت بعضهم لاعتناق الإسلام . وبعد التوسع العثماني في أوربا ظل العثمانيون يحكمون هذا الجزء قرابة خمسة قرون ولم يتحول إلي الإسلام سوي ما يقل عن 10 في المائة من مجموع السكان , ووجد المسلمون في مناطق جغرافية بعيدة عن الموطن الأصلي للعثمانيين في الأناضول كالبوسنة والهرسك وكوسوفو وألبانيا وغيرها وهو ما يؤكد الالتزام بحرية الاعتقاد الناتج عن التسامح الديني . وقد أشارت دراسة أكاديمية لباحثة مصرية مسيحية عن العلاقة بين الأغلبية والأقلية إلي التزام المنهج الإسلامي , وكذلك حقبة تاريخية من تاريخ المسلمين , أي نظرية وتطبيقا , بالتسامح مع الأقليات وبخاصة المسيحية . والحقيقة أن الحديث عن أقلية وأغلبية منهج غير موضوعي في بعض جوانبه وبخاصة عن علاقة المسلمين والمسيحيين ذلك لأن الرصيد الحضاري المشترك وقدر التلاقي أو الانصهار المترجم للمودة التي ركز عليها القرآن الكريم لا يوحي بهذه التجزئة . وحتى لو نظرنا نظرة موضوعية إلي الرصيد الحضاري الإسلامي فهو لم يبن من فراغ أو بدأ من الصفر بل أخذ عن الحضارات السابقة في المنطقة العربية أو خارجها , وكان للمسيحيين دور بارز في وجود وصياغة ونقل ودعم هذا الجهد الحضاري , وهو إبداع يدل علي قدر الحرية والتسامح المسيحي ثم الإسلامي . كما أن تفسير البعض لانزواء الأقليات في المنطقة العربية في مواطن جغرافية بعيدة عن العواصم السياسية علي أنه من فعل بعض الساسة المسلمين الذين خرجوا عن الالتزام بالمنهج الإسلامي , فهو تفسير يحتاج إلي توضيح فمثل هؤلاء الساسة قد طالت سوءاتهم المسلمين قبل غيرهم وبخاصة المسيحيين . كما أن تركز نسبة كبيرة من مسيحيي الشام في جبال لبنان وقرب السواحل يعود إلي أسباب أخري خاصة بهم حيث شهد دورهم تنقلات وهجرات من جنوب الجزيرة العربية إلي شمالها قبل الإسلام , كما استقطب الفرنجة الكثير منهم إلي السواحل إبان الحروب الصليبية ليقوموا بدور الترانزيت الاقتصادي والثقافي فأسهموا من موقعهم في إثراء الحياة الاقتصادية والثقافية . أما في مصر فالمسلمون والمسيحيون نموذج لنسيج منصهر في كل فترات التاريخ , فجاهدوا سويا دون تمييز ضد المحتل الأجنبي منذ الحروب الصليبية , واشتركوا في بعض ثورات الريف ضد بعض الولاة العثمانيين تعبيرا عن وحدة العوامل التي تدفعهم وتجمعهم . وحين جاءت الحملة الفرنسية علي مصر في نهاية القرن الثامن عشر حاول الفرنسيون إثارة البعد الديني لإحداث الفرقة بينهم , واستقطب الفرنسيون مجموعة ضئيلة من المسيحيين بزعامة المعلم يعقوب كانت قد ضاقت بظلم العثمانيين والمماليك , لكن هذه المحاولة لم تفلح حيث عادت اللحمة بينهم وخرج المعلم يعقوب مع الفرنسيين كتعبير عن رفض المسيحيين والمسلمين للمعتدين ومن سار في ركابهم . وشارك العديد من المسيحيين في المناصب السياسية في مصر طوال القرن التاسع عشر سواء قبل الاحتلال البريطاني أم بعده دون أن يثير ذلك حساسية المسلمين , وشاركوا في كل مراحل ثورة عرابي , كما شاركوا في الأحزاب السياسية المناهضة للاحتلال وحتى المرتبطة بدولة الخلافة الإسلامية كالحزب الوطني الذي أسسه مصطفي كامل . وحين اغتيل بطرس غالي في مطلع القرن العشرين علي يد شاب مسلم لم يكن هناك بعد ديني وراء الحادث كما تؤكد كتب التاريخ ولكن كان لأسباب سياسية تتصل بمعاونتة لسلطات الاحتلال في قضية السودان واشتراكه في عضوية المحكمة التي حكمت بالإعدام علي شهداء دنشواي . ولم تفلح محاولة الاحتلال في إثارة فتنة بين المسلمين والمسيحيين مما دعا أحد الكتاب الإنجليز إلي القول بأنه يصعب التمييز بين المسيحي والمسلم في مصر حتى في دور العبادة . ولم يقلل من وصف ثورة الشعب المصري سنة 1919 م بأنها ثورة إسلامية بحكم أغلبية شعاراتها أو أسبابها أن شارك أعضاء بارزون من المسيحيين المصريين من بينهم رجال الكنيسة حيث كان اشتراكهم في الثورة من هذا البعد الإسلامي , الذي أكدوه هم , تعبيرا عن وحدة التلاقي للدفاع عن الرصيد الحضاري الذي حفظ للجميع حقوقهم وحريتهم ومصالحهم . وشهدت فترة ما بين الحربين العالميتين في مصر اشتراكا فاعلا للعديد من السياسيين المسيحيين من أمثال الزعيم مكرم عبيد الذي أسس حزبا سياسيا بعد انفصاله عن حزب الوفد شارك فيه معه وخلفه الكثير من الكوادر السياسية المسلمة اعترافا بصواب دوره السياسي دون حساسية أو تمييز , واستطاع البعض من السياسيين المسيحيين أن يحقق نجاحا في الانتخابات البرلمانية في دوائر لم يكن أغلبها من المسيحيين . علي أن ذلك لم يكن من نتاج محاولات التحول إلي العلمانية الوطنية بقدر ما كان تعبيرا عن وحدة الترابط الممتدة جذورها في التاريخ المصري . ولم تكن يقظة التيار المسيحي في شكله الديني والسياسي في سبعينات القرن العشرين رد فعل لنشاط التيار السياسي الإسلامي في المقام الأول كما يري البعض لكنه يرجع إلي عوامل تحيط بالمسيحيين أنفسهم وبالمناخ السياسي العام في مصر. ففي أعقاب تولي الضباط العسكريين الحكم في مصر 1952 م لحق الضرر ببعض المسيحيين من جراء قرارات الإصلاح الزراعي وتأميم رؤوس الأموال , وتبعه تقلص نفوذهم السياسي إلي حد كبير حيث خلا الميدان من عناصر مسيحية كنتيجة لعدم وجود أي من عناصرهم في حركة الضباط , وارتباط الضباط في بداية دورهم بجماعة الإخوان المسلمين التي استخدموها كظهير شعبي يدعم وجودهم في البداية . ونتيجة لهذه العوامل وغيرها سارعت مجموعة من الشباب المسيحي لتكوين جمعية الأمة القبطية في 11 سبتمبر 1952 م قبل أقل من شهرين علي تولي الضباط للحكم وقبل حدوث قرارات التأميم والإصلاح , وركزت الجمعية علي دعوة الأقباط لدراسة اللغة القبطية بدلا من العربية , والدعوة للتعامل بالتاريخ القبطي , والمطالبة بإنشاء محطة إذاعة لهم , وجريدة خاصة بهم . وحين أبدت قيادة الكنيسة تحفظا تجاه توجهات هذه الجمعية وطالبتهم بالتريث والحذر قام خمسة من أتباع هذه الجمعية باختطاف البطريرك الأنبا يوساب الثاني وأجبروه علي التنازل في يوليو 1954 م واتخذوا شعارات موازية لشعارات جماعة الإخوان المسلمين . ولم يخفف من توجههم سوي الصدام بين الضباط والإخوان , ثم نزوع النظام إلي تبني رؤية قومية بعيدا عن التصور الإسلامي للحكم . ومع أن هذه التغيرات قد أسهمت في إيجاد هوة في النسيج التاريخي بين المسلمين والمسيحيين إلا أن النظام السياسي هو الذي أسهم في إيجادها واتساعها وليست جماعة الإخوان كما يحاول مفسروا النظام التلويح به , فالجماعة قامت منذ نهاية عشرينات القرن وشاركت في المعترك السياسي منذ بداية الثلاثينات ولم تثر حفيظة الكوادر أو المؤسسات المسيحية . وحتى في اضطرارها للخروج المؤقت عن تيار الاعتدال الذي يميز حركتها بعد تولي الضباط للحكم كان الضباط هم المسؤولون عن هذا الخروج . أما عن موقف الضباط من الكوادر السياسية المسيحية وعدم إفساح المجال لها للمشاركة فذلك مرده إلي اعتماد الضباط علي مساندة جماعة الإخوان في البداية ثم اسئثارهم بكافة السلطات بعد ذلك , إلي جانب عدم وجود خبرة سياسية لديهم , قد أسهم في توتر السياسيين المسيحيين الذي ازداد بفعل مواقف التأميم والمصادرة للأراضي والأموال دون دراسة واعية للخطوات و للآثار المترتبة علي ذلك . وأسهم التوجه السياسي إلي الشرق الاشتراكي في الحقبة الناصرية وإلي الغرب الرأسمالي في الحقبة الساداتية التي مازالت ممتدة حتى الآن إلي تغير المعايير الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي كانت تشكل النسيج الأقوى بين المسيحيين والمسلمين , وأصبح البعض يلوح بورقة الدعم الخارجي علي حساب التوحد الوطني أحيانا , كما فتح ذلك الباب لبعض القوي الخارجية لتحاول استغلال هذا البعد لتحقق مصالح لها علي حساب التوحد الوطني أحيانا أخري . كما أن غياب قدر كبير من العدل الاجتماعي لم تفلح التجارب السياسية في تحقيقه خلال النصف الثاني من القرن العشرين , إلي جانب مساعي الهيمنة الأمريكية علي الشرق الإسلامي واستخدامها للبعد الديني قد فرض في رأي البعض ضرورة العودة للمطروح الإسلامي المتشدد الذي أصبح في رأي هذا البعض يمثل الملاذ الأخير لرد هذا الغزو العدواني الهمجي من جهة ولتحقيق قدر أكبر من العدل الاجتماعي من جهة أخري . ولم يجد المسيحيون من بد أمام هذه
الرؤى سوي التشدد والتلويح بالتأييد الأجنبي , وهي أمور قد أسهمت وقد تسهم في تمزق نسبي وموقوت للنسيج الوطني إن لم يعد إطار الحوار الحر والمحبة والتلاقي علي طريق البناء الحضاري مرة أخري , فالنفوذ الأجنبي محكوم بحقبة زمنية محدودة طالت أم قصرت , والخاسر أو الرابح الوحيد هو مستقبل هذا الوطن الذي لن يفرط فيه المسيحي أو المسلم . وعلي الرغم من كل هذه الضغوط إلا أن وحدة النسيج الاجتماعي التاريخي بين المسلمين والمسيحيين مازال وسيظل متماسكا بحكم وحدة التراث الثقافي الحضاري والترابط الاجتماعي الذي صنعته قضايا المصير عبر كل الأزمات حتى حرب أكتوبر 1973 م التي امتزج فيها دم المسلم والمسيحي . وعلي صعيد آخر , ونتيجة لهذه العوامل المتشابكة , فإنه إذا كان بعض الكتاب والمؤرخين المسيحيين قد اتجهوا في كتاباتهم وتوجهاتهم الفكرية نحو البعد القومي العربي أو إطار وحدة وادي النيل بعيدا عن البعد الإسلامي فإن ذلك يعد أمرا طبيعيا أمام نعرات التشدد التي بدت في السنوات الماضية لبعض الكتاب المسلمين ونشاط التيار السلفي أو حتى بدونها , كما أنه تعبير عن حرية الفكر الذي يسهم في الثراء الثقافي والذي يستوجب حتى مع اختلافه دوام التلاقي والتحاور وحرية الفكر في إطار من الاحترام والتفاعل البناء بين رفقاء الوطن والمصير . ولعلي أشير إلي قضية شخصية لها دلالتها في هذا المجال وهي أني وإن كنت أحسب علي المؤرخين من أصحاب المنظور الإسلامي إلا أنني أدين في مراحل بحثي لتوجيه أحد أبرز المؤرخين المسيحيين في مصر علما وسلوكا وهو الأستاذ الدكتور يونان لبيب رزق الذي ظل يساندني رغم اختلاف اتجاهي معه حتى ترقيتي بتقريره لدرجة الأستاذ قبل ما يقرب من عقدين من الزمان , وساعدني في الإعداد لهذه الدرجة أخي الدكتور يواقيم مرقص الذي أدين له بفضل كبير . كما أن من يتعمق في تكوين شخصية البابا شنوده ويحاول الاقتراب منه , كما حاولت أنا منذ أن كان أسقفا للتعليم , يقف علي جوانب شخصية عالية الثقافة ببعدها الإسلامي المسيحي , ملمة بقواعد اللغة العربية والشعر العربي , حافظ للشعر وقارض له , إلي جانب دماثة الخلق وخفة الظل وسرعة البديهة . ولو أضفنا إلي ذلك مواقفه المعلنة حول رفض زيارة بيت المقدس إلا بعد عودتها للفلسطينيين , وحرصه الدائم علي تأكيد وحدة شعب مصر مسلمين ومسيحيين , لأدركنا أنه رمز لقوة التلاقي المسيحي المسلم الذي هو أقوي من الظواهر العارضة . ولعل ذلك يدعو إلي مشاركة الذين يدعون إلي فتح حوار حر وحضاري إسلامي مسيحي في كل العالم العربي لايحاول فيه كل طرف التركيز علي احتواء منهجه علي مدي قبول الآخر بل التعامل مع الموروث الحضاري الذي شاركوا سويا في صنعه في شكل حوار مع الذات الواحدة , ومع كون ذلك حقيقة فهي أيضا ضرورة تمليها وحدة المستقبل والمصير بكل أبعادها , تلك هي مسؤولية مسيحية إسلامية , بل وحتى يهودية تشارك فيها العناصر اليهودية التي مازالت تجد في انتمائها المصري أو العربي وثقافتها السلمية ما يدعوها للمشاركة في الركب الحضاري . كما أن الكنيسة المسيحية في مصر وعلي رأسها شخصية مثل البابا شنودة في ظرف تاريخي يجعلها قادرة علي إعادة توجيه العناصر المسيحية وحتى الإسلامية المهاجرة وتحويله إلي دعم قضايا أوطانها العربية لا مصر فقط , والاستفادة من قدراتها العلمية والمادية في هذا الطريق الذي يجمعهم مع أبناء وطنهم لتجديد صيغة تدفعهم نحو التحضر والرقي واستعادة الإطار الذي جمعهم وسيجمعهم لعهود طويلة . وأن تكون مصر هي موطن مؤتمراتهم وطرح مطالبهم وأن تمثل بهمومها أصل همومهم بدلا من عقد مؤتمرات في أمريكا أو غيرها تهز صورة بلادنا وتستعدي عليها الغير وتضيف سهما لأصحاب الأسهم المصوبة علينا وهي كلها ظروف مؤقتة . أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة المنصورة وكلية التربية بجدة سابقا

انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.