اليوم، فصل جديد في دعوى إلغاء قرار منع النساء من السفر إلى السعودية دون تصريح    مظاهرات حاشدة في ألمانيا تطالب باستقالة المستشار ميرتس    واشنطن تحذر مواطنيها في بريطانيا بعد رفع مستوى التهديد الإرهابي    حياة كريمة.. المبادرة الرئاسية تستهدف تغيير تفكير وسلوك المواطن المصرى    ترامب: أعدنا سفنًا إيرانية إلى الأماكن التي جاءت منها في مضيق هرمز    بيطارد بركات، سجل مميز ل حسين الشحات في تاريخ مواجهات القمة أمام الزمالك    القضاء يحبط خطة إدارة ترامب لترحيل آلاف اليمنيين من أمريكا    اليوم، أولى جلسات نظر طعن "التعليم المفتوح" على تعديلات لائحة تنظيم الجامعات    "طاير يا هوى"| محمد رشدي صوت مصري أصيل ورمز الأغنية الشعبية    محافظة سوهاج ترد على عدم إنشاء كوبري بديل للكوبري المنهار في قرية العتامنة    محمد عبد الجليل يكتب: "فيزتك" فضيت ورصيدك اتبخر! هذه حكاية 6 شياطين نهبوا أموالك من البنوك تحت ستار "السياحة"    مقتل 12 شخصًا بغارات إسرائيلية جنوب لبنان رغم الهدنة    البنتاجون: الولايات المتحدة تعتزم سحب 5 آلاف جندي من ألمانيا    كبيرة الديمقراطيين في الشيوخ الأمريكي: إعلان ترامب انتهاء الحرب "لا يعكس الواقع"    واشنطن توافق على مبيعات عسكرية للإمارات بقيمة 147.6 مليون دولار    بمناسبة عيد العمال، وزارة العدل تسلط الضوء على قانون العمل الجديد لتعزيز العدالة وحماية الحقوق    سامي الشيخ يدبر مكيدة لعمرو يوسف في «الفرنساوي»    في ظهور مميز، عمرو دياب يغني مع نجله عبد الله وابنته كنزي بحفله بالجامعة الأمريكية (فيديو)    صلاح: كنت أركض أكثر من زملائي في منتخب مصر خلال كأس أمم أفريقيا    وسط أفراح الفوز بالقمة.. الأهلي يتأهل لنهائي بطولة أفريقيا للكرة الطائرة    البابا تواضروس الثاني يفتتح لقاء الشباب: "نور وملح" بالنمسا    ميناء دمياط يعزز الأمن الغذائي ويربط مصر بأوروبا والخليج    محافظ كفر الشيخ يهنئ أبطال المشروع القومي للمصارعة ببطولة أفريقيا    كرة طائرة - الأهلي يتفوق على بتروجت ويتأهل لنهائي إفريقيا    تفاصيل | وفاة شخص وإصابة 13 آخرين في حادث البهنسا بصحراوي المنيا    القبض على عاطل ظهر في فيديو مشاجرة بالسلاح الأبيض بالقاهرة    خناقة الديليفري وعمال المطعم.. معركة بين 11 شخصا بسبب الحساب    دفع ثمن شهامته.. اعتداء صادم على مسن الهرم والداخلية تضبط المتهم    جامعة الدلتا تتألق في «Dare To Achieve» وتؤكد دعمها لابتكارات الطلاب    محاضرة دولية تكشف تحديات جودة التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي    ماذا يريد شيخ الأزهر؟    سيمون تستحضر "زيزينيا": رحلة في ذاكرة دراما لا تُنسى    رحلة إلى المجهول تتحول إلى ذهب سينمائي.. "Project Hail Mary" يكتسح شباك التذاكر عالميًا    ميادة الحناوي تعود بليلة من الزمن الجميل في موازين... طرب أصيل يوقظ الحنين    الأزهر للفتوي يوضح مكانة العمل في الإسلام    نجاح إصلاح فتق سري لطفلة 4 سنوات بمستشفى طلخا المركزي وخروجها بحالة مستقرة    نصف فدان.. السيطرة على حريق نشب داخل زراعات القصب بقنا    جرح غائر وغرز، طبيب الأهلي يكشف تفاصيل إصابة تريزيجيه أمام الزمالك    رئيس هيئة تنشيط السياحة يلتقي مع ممثلي شركات إنتاج محتوى السياحة الروحانية    وزيرة التنمية المحلية والبيئة تتابع تأثير العوامل الجوية على جودة الهواء غداً السبت    منتخب المصارعة للرجال يتوج ب10 ميداليات في البطولة الأفريقية    ليدز يونايتد يسحق بيرنلي بثلاثية في الدوري الإنجليزي    زيادة تقابلها زيادة، مصدر ب"تنظيم الاتصالات" يحسم جدل ارتفاع ضريبة الآيفون في مصر    بثينة مصطفى ل معكم: ما قدمته حياة كريمة لغزة يدعو للفخر    شرطي ينقذ الموقف.. تفاصيل حادث تصادم في الإسكندرية    صفحات مزيفة.. سقوط تشكيل عصابي دولي للنصب على راغبي زيارة الأماكن السياحية    الالتزام البيئي باتحاد الصناعات يوضح أحدث تطورات التحول إلى الطاقة المتجددة    مصطفى الفقي: المشير طنطاوي عُرض عليه منصب نائب الرئيس قبل عمر سليمان    "15 مايو التخصصي"تنجح في إنقاذ شاب من اختناق حاد بالمريء    استشاري غدد صماء: "نظام الطيبات" فتنة طبية تفتقر للبحث العلمي وتؤدي للوفاة    عمرو أديب: أقرب الناس لي حصلوا على علاج كيماوي بسبب السرطان    القومي للبحوث يطلق قافلة طبية كبرى بالشرقية تستهدف 2680 مواطنا    أحمد التايب خلال تكريم حفظة القرآن بكوم بكار: القدوة الحسنة ركيزة أساسية في تربية النشء    أخبار الفن اليوم الجمعة.. أزمة بنقابة التشكيليين بسبب تفاوت الرواتب والمعاشات.. تكريم يسرا اللوزي وريهام عبد الغفور في ختام المهرجان الكاثوليكي    ترامب يعتزم توسيع الحصار البحري على إيران وإغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة    هل يجوز توزيع الأملاك بالتساوي بين الأبناء؟.. أمين الفتوى يجيب    فاضل 25 يوم.. موعد عيد الأضحى المبارك 2026 فلكيا    منير أديب يكتب: ردود فعل الإخوان على وفاة مختار نوح بين الأيديولوجيا والتحولات الأخلاقية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عن المرشح الرئاسى الشبح
نشر في المصري اليوم يوم 31 - 07 - 2010

من تابع الصحف خلال الأيام الماضية ربما قد لاحظ شيئاً غريباً جدا: هناك حملات تعبوية دعائية نزلت فعلا إلى الشارع المصرى ترقبا للانتخابات الرئاسية المقبلة، وذلك فى غياب مرشح رسمى لخوض معركة الانتخابات! هناك إعلانات نزلت تأييدا لجمال مبارك وأخرى تؤيد البرادعى، وكلاهما نفى نيته لخوض الانتخابات فى ظل الظروف الحالية.. فى أى ظروف طبيعية، تكون حملات الدعاية الانتخابية مبنية على تعريف الناس ببرنامج المرشح المعنى، أو الهجوم على برنامج المرشح المنافس، أما ال«مرشح» الشبح فلا يمكن أن يكون له، من حيث التعريف، برنامج انتخابى، فكل شىء يدور فى ساحة فى عالم سيريالى مفترض. هذا هو وضع مصر السياسى الحالى.
أوضاع لافتة للنظر فعلا، تبدو غريبة فى الوهلة الأولى، لكن عند التدقيق يتضح أنها تناسب إطاراً اجتماعياً أعم، يعبر عن عالم خيالى مواز تختلط خلاله الحقيقة بالصورة، والجوهر بالمنظر، عالم خال من المعايير والنظم التى يمكن أن تساعد فى الفصل بين الحقيقى والمزيف.. فالاهتمام بالمنظر قبل الجوهر قد توغل فى كل المجالات تقريبا، حتى صارت القدرة على الإيهام هى المهارة الأساسية المؤهلة للصعود والنجاح.
وطغيان المنظر على الجوهر، الذى يصل حتى مستوى النصب العلنى فى أحيان كثيرة، متفش كالداء المستوطن فى مصر.. من أول الظاهرة المعروفة، التى دونت بما فيه الكفاية، والمتعلقة بمظاهر التدين الشكلى، وحتى مجالات أخرى ربما لم تحصل على القدر الكافى من الاهتمام.. ففى مصر اليوم هناك أيضا «علماء منظر»، ولا أعنى هنا علماء دين بل علماء فيزياء وكيمياء يكاد يكون إنتاجهم العلمى منعدما تماما أو ليس له أى قيمة ابتكارية تذكر، لكنهم مع ذلك يصبحون نجوم «سوبرستارز» فى مجتمع فقد خطابه العام- حتى الأكاديمى منه- القدرة على التمييز بين الجد وال«هجص»، بين الجوهر والمنظر.. ونفس هذه الملاحظة يمكن إبداؤها فى مجال الفنون أيضا، التى صارت خلاله الفقاعات الإعلامية، وصورة الفنان المبنية فى كثير من الأحيان على شعارات سياسية واهية، أهم من جوهر الفن نفسه، أو حتى إمكانية المبدع إتقان استخدام لغة الفن الذى يعمل فيه فى سبيل التعبير الدقيق الجاد، ناهيك عن الابتكار والعمق.
وفى مجال الاقتصاد أيضا، رغم وجود رجال أعمال يعملون جديا فى مجالات منتجة، مثل قطاع الصناعة، نجد أن الكثير من الآخرين يجيدون صناعة بيع الوهم.. وهؤلاء يشكلون قطاعاً اقتصادياً مهولاً تديره مجموعة من السماسرة وبائعى الأحلام، بائعى المنظر والصورة، السراب الذى تشتريه نخب متعطشة ومدمنة ال«برستيج» المنظرى وصور المدنية وال«شياكة» الزائفة، والتى تتشبث بها كالغريق الذى يتمسك بالقشة، فى غياب أى معنى أو مغزى جوهرى لحياتهم.
وجود مثل هذه الظواهر لا يشكل شيئاً قاتلاً للنهضة بالضرورة.. فهذه فى النهاية مسألة عرض وطلب، ومن الواضح أن هناك طلباً لوجود بعض بائعى الأحلام فى كل مجتمع حديث، لكن الخطر هو أن يسيطر ذلك على قيم واخلاقيات المجتمع.. فالمعضلة الأساسية التى نتحدث عنها هنا ليست بالدرجة الأولى مشكلة سياسية أو علمية أو ثقافية أو اقتصادية، بل هى مشكلة أخلاقية؛ ذلك لأنها تعبر عن تنصل من المسؤولية.. فعندما يُستبدل الجوهر بالمنظر، يستبدل الإنسان المسؤولية والتأمل والعمل الجاد بالبديل الصورى، وأيضا التفكير المستقل بما هو مقبول ومحترم، ويستبدل قوة المنطق بمنطق القوة.
ففى غياب المصداقية والمعايير العقلانية، تتفشى تداعيات الضعف الإنسانى.. فإذا كان من الممكن أن ينظر المجتمع لأى شخص كما لو أنه عالم فذ دون أن يكون قد أنتج شيئاً، فأغلب الناس، حتى الموهوبون منهم، يكتفون بذلك فى النهاية، كذلك، فإنه إذا كان من الممكن أن تصبح مثقفا أو فنانا كبيرا من خلال الشعارات، فهذا أسهل بكثير من عملية الابتكار الفكرى، المرهقة ذهنيا- وحتى نفسيا وجسديا فى بعض الأحيان- لأقصى الحدود.
وإذا كان من الممكن أن تصبح محترما نتيجة لقوتك الاقتصادية والاجتماعية، حتى لو لم تضف شيئا يذكر للتطور الاجماعى أو الاقتصادى، ف«ليه وجع الدماغ».. وبنفس المنطق الكئيب يمكن، فى النهاية، أن تصبح مرشحا للرئاسة دون أن يكون لديك برنامج سياسى، جاد ومحدد.
عندما يكون هذا هو الوضع القائم والمقبول فى كل المجالات، فليس من العجيب فى النهاية أن تولد تلك المنظومة، لتأهل المرشح السياسى الوهمى- الفاقد للبرنامج الانتخابي- للرئاسة. فلم لا؟ بل، على العكس، فعدم وجود برنامج معين يعفيه من مسؤولية أخلاقية ومهنية هائلة، هو فى غنا عنها.. تلك المسؤولية التى تخلت عنها معظم النخب فى مصر، فلماذا نطالب المرشح السياسى بها؟
فى ظل هذا الوضع، يصعب تصور أى منظومة لانتقال السلطة إلا عن طريق نمط صورى زائف.. ومن يبيع هذه الصورة الآن يعرف ذلك، ويراهن على أن الشعب المصرى، الذى تعود على قبول الشعار والمظهر وتجاهل الجوهر، فى ظل تمثيليات زائفة لمست كل المجالات وجوده عبر العقود، سيتقبّل أى صورة تفرض عليه فى النهاية.. فالمنظر طغى على الجوهر، والصورة الناتجة تبدو مريبة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.