7 آلاف متضرر.. برلماني يتوجه بسؤال للحكومة بشأن تعيين أوائل خريجي الأزهر    خطوات التقديم على وظائف وزارة العمل في 11 محافظة    أسعار الذهب اليوم في مصر السبت 2 مايو 2026    انقطاع الكهرباء عن قرى ببيلا في كفر الشيخ اليوم 5 ساعات    وزيرة التنمية المحلية: مقترح تنموي متكامل لتطوير مدينة رشيد وتحويلها لوجهة سياحية وتراثية متميزة    بشرة خير.. "البترول" تعلن كشفًا جديدًا للغاز في دلتا النيل يضيف 50 مليون قدم3 يوميًا    "الداخلية" تواصل فعاليات مبادرة "كلنا واحد" لتوفير السلع بأسعار مخفضة    ترامب: بعد الانتهاء من المهمة في إيران سنتوجه إلى كوبا    رغم الهدنة جنوب لبنان تحت التصعيد.. دمار واسع وتحركات لإعادة رسم المنطقة العازلة    رئيس الوزراء البريطاني: حظر المسيرات المؤيدة للفلسطينيين مُبرر أحيانا    وزير الخارجية يبحث مع نظيره المالي جهود مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل    وزير الخارجية يؤكد تضامن مصر مع مالي ويجدد إدانة الهجمات الإرهابية    جدول ترتيب الدوري.. الزمالك يحتفظ بالصدارة رغم الخسارة من الأهلي بثلاثية    علي محمود لاعب إنبي: الدوري لسه فى الملعب..واللعب للأهلى شرف كبير    اللواء أحمد هشام يكشف للفجر تفاصيل الحالة المرورية صباح اليوم السبت    دماء على الأسفلت.. مصرع وإصابة 13 شخصًا فى حادث انقلاب ميكروباص بالطريق الصحراوى بالمنيا    شاب يشعل النيران في شقة شقيقته لخلافات مالية بينهما في بولاق الدكرور    اليوم.. طقس شديد الحرارة نهارا وأمطار متفاوتة الشدة ونشاط رياح    الداخلية تضبط صانعة محتوى بالإسكندرية لنشرها فيديوهات تتضمن ألفاظ خادشة للحياء.. تفاصيل    تحريات أمن الجيزة تكشف ملابسات العثور على طفلة أمام مسجد فى أوسيم    أنوشكا وعبير منير يشيدان بعرض «أداجيو.. اللحن الأخير» على مسرح الغد    نجوم الشباب "فرسان الرهان الجدد" بتكريمات المهرجانات.. عصام عمر بالإسكندرية ومالك بالكاثوليكي    محمد رشدى، صوت البسطاء الذي صنع مجد الغناء الشعبي    دعما للمبادرات الرئاسية.. استفادة 2680 مواطن من قافلة القومى للبحوث بالشرقية    مستشفى قفط التخصصي بقنا ينقذ يد مريضة من فقدان الحركة بجراحة عاجلة ودقيقة    مواعيد مبارايات اليوم السبت 2 مايو 2026 والقنوات الناقلة    وزيرة التنمية المحلية والبيئة تتابع تأثير العوامل الجوية على جودة الهواء اليوم السبت    مصرع وإصابة 45 شخصًا إثر انقلاب سيارة سياحية في المكسيك    حقيقة رفع الضريبة على موبايلات الأيفون في مصر| الاتصالات تكشف    موعد مباراة أرسنال وفولهام في الدوري الإنجليزي والقناة الناقلة    اليوم، أولى جلسات نظر طعن "التعليم المفتوح" على تعديلات لائحة تنظيم الجامعات    بمناسبة عيد العمال، وزارة العدل تسلط الضوء على قانون العمل الجديد لتعزيز العدالة وحماية الحقوق    مليارات الدولارات، البنتاجون يكشف خسائر طهران جراء الحصار الأمريكي على المواني الإيرانية    سامي الشيخ يدبر مكيدة لعمرو يوسف في «الفرنساوي»    رئيس جامعة دمنهور: القضاء على الأمية ليس مجرد مشروع قومي بل واجب وطني    وسط أفراح الفوز بالقمة.. الأهلي يتأهل لنهائي بطولة أفريقيا للكرة الطائرة    محافظ كفر الشيخ يهنئ أبطال المشروع القومي للمصارعة ببطولة أفريقيا    محاضرة دولية تكشف تحديات جودة التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي    ماذا يريد شيخ الأزهر؟    سيمون تستحضر "زيزينيا": رحلة في ذاكرة دراما لا تُنسى    رحلة إلى المجهول تتحول إلى ذهب سينمائي.. "Project Hail Mary" يكتسح شباك التذاكر عالميًا    ميادة الحناوي تعود بليلة من الزمن الجميل في موازين... طرب أصيل يوقظ الحنين    الأزهر للفتوي يوضح مكانة العمل في الإسلام    فيديو| الداخلية تكشف ملابسات قيام شخص بالطرق على السيارات ب«حديدة»    البابا تواضروس الثاني يفتتح لقاء الشباب: "نور وملح" بالنمسا    نجاح إصلاح فتق سري لطفلة 4 سنوات بمستشفى طلخا المركزي وخروجها بحالة مستقرة    منتخب المصارعة للرجال يتوج ب10 ميداليات في البطولة الأفريقية    بثينة مصطفى ل معكم: ما قدمته حياة كريمة لغزة يدعو للفخر    جرح غائر وغرز، طبيب الأهلي يكشف تفاصيل إصابة تريزيجيه أمام الزمالك    مصطفى الفقي: المشير طنطاوي عُرض عليه منصب نائب الرئيس قبل عمر سليمان    تصاعد التوترات بين أمريكا وأوروبا.. الناتو يتحرك نحو الاستقلال الدفاعي    الالتزام البيئي باتحاد الصناعات يوضح أحدث تطورات التحول إلى الطاقة المتجددة    استشاري غدد صماء: "نظام الطيبات" فتنة طبية تفتقر للبحث العلمي وتؤدي للوفاة    عمرو أديب: أقرب الناس لي حصلوا على علاج كيماوي بسبب السرطان    أحمد التايب خلال تكريم حفظة القرآن بكوم بكار: القدوة الحسنة ركيزة أساسية في تربية النشء    هل يجوز توزيع الأملاك بالتساوي بين الأبناء؟.. أمين الفتوى يجيب    فاضل 25 يوم.. موعد عيد الأضحى المبارك 2026 فلكيا    منير أديب يكتب: ردود فعل الإخوان على وفاة مختار نوح بين الأيديولوجيا والتحولات الأخلاقية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نظرة تحليلية علي معني المرجعية الإسلامية (2)
نشر في المصري اليوم يوم 08 - 05 - 2011

في هذا الجزء من الدراسة، نعرض لمعني الدولة المدنية بمرجعية إسلامية بشيء من التفصيل إنطلاقاً مما يعرف بعلم السياسة الشرعية. فالكثير من الناس لا زال يعتقد أن الدولة المدنية لابد لها من مرجعية علمانية و أنها لا يمكن أن تقوم علي مرجعية إسلامية بمعني أن هناك علاقة تلازمية بين الدولة المدنية الديمقراطية كما سبق تعريفهما و المرجعية العلمانية فأينما وجدت الأولي، أصبح لزاماً أن توجد الثانية. و في حقيقة الأمر، هذا حق يراد به باطل فمن يدعي أنه لا يستقيم أن نتكلم عن دولة مدنية بمرجعية إسلامية مخطئ إما عن جهل بمعاني المفردات و المصطلحات السياسية و مضمونها و كيفية تطبيقها أو عن قصد لا يهدف من وراءه إلا لتشويه صورة الإسلام بصفة عامة و التيارات الاسلامية بصفة خاصة. أو أنه يهدف إلي تحويل مرجعية النظام السياسي في مصر إلي علمانية "شمولية" تفصل فصلاً كاملاً بين التشريع و مباديء الشريعة الإسلامية بحيث يصبح معتمداً بصورة أساسية علي الإجتهاد العقلي و القوانين الوضعية التي لا تلتزم بل و تصطدم بالضرورة بتلك المباديء و الأصول و الثوابت. و كما سيتبين لاحقا، فإن الدولة الإسلامية دولة مدنية، شورية تستخدم الديمقراطية كآلية عصرية حديثة تحقق بها مباديء البيعة و الشوري الملزمة في الشريعة الإسلامية)، ليبرالية (تقوم علي أساس المواطنة و المساواة)، بمرجعية إسلامية للتشريع. و هذه الأخيرة هي ما سنحاول استيضاح معناها في هذه الفقرة. أبدأ هذه الفقرة باقتباسين من كتابين للإمام لإبن القيم و الشيخ راشد الغنوشي - ثم أعلق علي مضمون ما جاء بهما.
قال ابن قيم الجوزية -رحمه الله- في كتابه الطرق الحكمية في السياسة الشرعية أن "السياسة الشرعية مدارها العدل، ولو لم ينص عليه وحي، ذلك أن الله أرسل رسله، وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، فإذا ما ظهرت أمارات الحق، وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثَمّ شرع الله ودينه" وعرّف السياسة بأنها "ما كان –فعلاً- يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول، ولا نزل به الوحي، فأي طريق استخرج بها العدل فهي من الدين."
و أهم ما جاء في كتاب إبن القيم يوضح معني المرجعية الإسلامية و يجليه، هو الحوار القصير الذي دار بين إبن عقيل و شافعي بشأن معني السياسة الشرعية و نصه ما يلي. " وقال ابن عقيل في الفنون جرى في جواز العمل في السلطنة بالسياسة الشرعية أنه هو الجزم ، ولا يخلو من القول به امام ، فقال الشافعي لا سياسة إلا ما وافق الشرع ، فقال ابن عقيل السياسة ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد ، وإن لم يضعه الرسول ولا نزل به وحي ، فإن أردت بقولك إلا ما وافق الشرع أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح ، وإن أردت لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فغلط ، وتغليطللصحابة ، فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والتمثيل ما لا يجحده عالم بالسنن ، ولو لم يكن إلا تحريق المصاحف فإنه كان رأياً اعتمدوا فيه على مصلحة الأمة وتحريق علي رضي الله عنه الزنادقة في الأخاديد ... ونفي عمر بن الخطاب رضى الله عنه لنصر بن حجاج."
و يتبين لنا أيضاً مما سبق عرضه انه لا يوجد خلافاً جذرياً بين الأحزاب الليبرالية "اللاعلمانية" و بين الأحزاب السياسية بمرجعية إسلامية و لا يوجد ما يمنع أن تمارس الأحزاب الليبرالية العمل السياسي في ظل دستور يجعل من الشريعة الإسلامية مصدراً أساسياً للتشريع إذ إن الشريعة الإسلامية بمقاصدها الخمسة حفظ العقل والدين والنفس والمال والنسب و إنطلاقاً من تعريف معني السياسة للإمام إبن القيم بأنها ما يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول عليه الصلاة و السلام، ولا نزل به الوحي، و ما قاله إبن عقيل في كتابه "الفنون" أن " إلا ما وافق الشرع" تعني بالأساس عدم "مخالفة" ما جاء به الشرع من أحكام و عدم التقيد فقط بما جاء في الكتاب و السنة مع امكانية الإضافة إلي تلك الأحكام من المذاهب الفكرية و الأيديولوجيات الاخري ما يقيم العدل في الناس و يتحقق معه مصلحة الأمة بحيث تكون أقرب إلي الصلاح منها إلي الفساد، يمكنها أي الشريعة الإسلامية أن تسع في ظل اطارها الحضاري و مرونة و تعدد رقعة المذاهب و الآراء الفقهية فيها، التيار الليبرالي "اللاعلماني" و غيره من التيارات السياسية التي لا تنطلق من أرضية علمانية شمولية تهدف بالأساس إلي الفصل الكامل للتشريعات السماوية عن كل ما يتعلق بإدارة شؤون الدولة والناس و الحياة.
الحرية من المنظور الإسلامي
----------------------------
قال الشيخ راشد الغنوشي في كتابه "الحريات العامة في الدولة الإسلامية" في باب الإطار العام لحقوق الإنسان في الإسلام ما يلي: " تدور مقاصد الشريعة على حفظ العقل والدين والنفس والمال والنسب وما يحفظها وينشئها ويدرء الاختلال عنها هو: 1- حرية المعتقد وآثارها: قال تعالى: (لا إكراه في الدين)، وهي آية تمثل قاعدة كبرى من قواعد الإسلام كما أجمع المفسرون، ويقول الشيخ محمد رشاد -رحمه الله- "ومن أجل ضمان عدم الإكراه أوجب الإسلام على المسلمين التمكن من القوة للقيام في وجه من يحاول فتنتهم عن دينهم، وأمر المسلمين أن يعتمدوا في دعوة حقوقهم أسلوب الحكمة والموعظة الحسنة". 2- حرية الذات وحق التكريم الإلهي للذات البشرية.
قال صلى الله عليه وسلم: "ما من شيء أكرم على الله يوم القيامة من ابن آدم، قيل: يا رسول الله، ولا الملائكة؟ قال: ولا الملائكة". (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق) فيترتب على تكريم الإنسان حفظ حياته من الاعتداء من طرفه أو من طرف غيره، (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً) (من قتل نفساً بغير حق أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً). وصان الإسلام الحياة الخاصة للإنسان فمنع سوء الظن به أو التجسس عليه، وجعل لمسكنه حرمة عظيمة (فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم)، وصان عرض الإنسان؛ فسن عقوبة القذف لمن ينال من أعراض الناس ونهى عن تتبع عوراتهم واغتيابهم."
و يمكننا أن نستخلص من هذا الإقتباس، أن ثمة مساحة لا بأس بها من الإتفاق بين مباديء الليبرالية و بين المرجعية الإسلامية فمبدأ حرية التعبير الذي تنادي به الليبرالية هو ليس حق مكفول فحسب، بل هو أصل من أصول الشريعة الاسلامية و مبدأ من مبادئها الثابتة التي لا تتغير فتضمن الشريعة الإسلامية لكل من يحمل جنسية الدولة - بغض النظر عن الدين أو الجنس أو العرق أو اللون - حرية المعتقد و حرية التعبير الملتزم بمنظومة الأعراف المجتمعية الصالحة و القواعد الأخلاقية المتفق عليها كما أنها تحض علي مقارعة الحجة بالحجة و الرأي بالرأي الأخر حتي و إن بدت تلك الحجة أو ذلك الرأي فاسداً أو داعياً إلي كفر أو محرضاً إلي قيمة تنافي ما جاء به الله و رسوله، لأن الضرر المترتب علي تكبيل الأراء و تكميم الأفواه يقوق بكثير الفائدة التي تعود علي الإسلام حال منعها ولعل أوضح آية في كتاب الله تشير إلي حرية التعبيرهي قول الله تعالى: "قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين". و كذلك قول الله تعالي لنبيه محمد صلي الله عليه و سلم " قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ". أما المواطنة، بمعني المساواة رغم الاختلاف، فثمة أدلة كثيرة من القراءن و السنة و حياة النبي صلي الله عليه و سلم، كما تحقق الشريعة الإسلامية شريطة تطبيقها بفهم صحيح و عقل متفتح و إدراك بواقع الحياة و المام بأحوال الناس و ظروف معيشتهم و مقتضيات العصر و متطلباته العدالة الإجتماعية و الإقتصادية و غيرها من المباديء التي يدعو إليها أنصار الفكر الليبرالي. أما حقوق الإنسان الذي يعد من الأسس التي يعلو شأنها كثيراً في الفكر الليبرالي، فبنظرة سريعة إلي النقطة الثانية في الإقتباس السابق، يتبين لنا بما لا يضع مجالاً للشك، أن الإنسان في الشريعة الإسلامية يحظي عند خالقه بأعلي مراتب الكرامة و التكريم و يتمتع بكل الحقوق و الحريات التي تحفظ له حياته العامه و الخاصة و تصون له كرامته و آدميته و تحرم الإعتداء عليها و لا أجد خير دليل علي تكريم الله عز و جل لبني آدم من قول الله سبحانه و تعالي في محكم آياته في سورة الإسراء" وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا".
وقد يكون من الضروري في هذا المقام و نحن نتحدث عن الليبرالية أن نتعرض سريعاً للتصور الإسلامي للحرية و الذي يختلف تماماً عن نظيره في التصور العلماني. فبينما تقف الحرية في التصور العلماني عند منظورها الفطري، فيما الأصل هو الإباحة فقد خلق الله الإنسان قادراً علي الإختيار و إتخاذ القرار والتمييز بين الخير و الشر، تتعدي الحرية في التصور الإسلامي المنظور الفطري إلي المنظور التشريعي، فيما الأصل هو "التكيف" مع تكاليف الله للإنسان، والإمتثال طوعاً لا كرها، لأوامره والإبتعاد عن نواهيه. ومن هذا المنطلق "التكيفي" تأتي المسؤولية والمحاسبة الملازمين لمفهوم الحرية في الإسلام. و إذا توقفت الحرية عند المنظور الفطري دون النظر إلي المنظور التشريعي المقيد لها، فحتماً ستتحول الحرية إلي فوضي أخلاقية تنهارمعها منظومة القيم والأعراف في المجتمع، و تصبح مصلحة الفرد قيمة مطلقة لها قدسية لا يمكن المساس بها أو الإقتراب منها تعلو فوق المصلحة العامة للمجتمع وتقاليده مما قد يؤدي إلي تفكك في نسيجه الأخلاقي و تحلل مجموعة قيمه بفعل الإنفلات الجامح للحرية الفردية ويصير الفرد حينئذ عبداً لشهواته ورغباته غير قادرا علي السيطرة عليها أو كبح جماحها و لقد قال الله تعالي في هذا المعني في سورة الجاثية " أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ". و هذا النموذح من الحرية هو الشائع في الكثير من المجتمعات الغربية فيما يعرف "بالليبرالية العلمانية".
النظام السياسي في الدولة الإسلامية: هل يلزم اقامة نظام الخلافة؟
---------------------------------------------------------------
لن أجد في هذا المجال أجمل مما جاء به الدكتور عبدالمعطي بيومي، عميد كلية أصول الدين الأسبق، وعضو مجمع البحوث الإسلامية في كتابه "الإسلام والدولة المدنية"، لشرح ماهية النظام السياسي في الدولة الإسلامية. يقول الدكتور عبد المعطي في ذلك الأمر ما نصه: "لم يضع الإسلام شكلا محددا للنظام السياسي، لكنه وضع له أربع ركائز أساسية يقوم عليهم النظام الأساسي في الإسلام تبدأ بالمساواة تليها الحرية، ثم العدالة، ثم الشوري، وهذه ركائز الإسلام إذا طبقت يكون الحكم إسلاميا سواء كان جمهوريا او ملكيا، وإذا أغفلت ركيزة أو اثنتين وحتي لو أقمت نظام خلافة وأسميت نفسك أمير المؤمنين، لا يصبح نظاما إسلاميا، أما اذا عملت بها فهذا نظام إسلامي سواء جمهوري أو ملكي، فالشريعة الإسلامية في غاية المرونة، وقابلة للتطبيق ما لم تبح ما حرم بنص. وإذا كان دعاة الدولة المدنية وكثير من التيارات الإسلامية يرتكنون الي مبدأ الحاكمية وفقا لاجتهاد فقهي في قول الله تعالي: "إن الحكم إلا لله" فان الدكتور عبدالمعطي بيومي يري أن القول بانه لا حكم إلا لله فهو يعني الامتداد بهدايات الشريعة الإسلامية، وان نضع لأنفسنا النظام الذي يحقق المساواة والحرية والعدالة والشوري، لذلك فان حكومات الغرب ليست مسلمة، لكنها حكومات إسلامية، وهذا ما قاله الشيخ محمد عبده فهناك المساواة والشوري والعدالة وحقوق الانسان والحريات، ما يقول عنه الإسلام وهم غير مسلمين."
ملامح الدولة المدنية في الدولة الإسلامية
---------------------------------------
يقول الدكتور عبد المعطي بيومي أيضاً في هذالشأن " أن الدولة المدنية الأولي التي نشأت علي يد الرسول صلي الله عليه وسلم حددت نقاطا مهمة، أو محددات هي أن الأمة مصدر السلطات، فلم يتول حاكم في تاريخ الإسلام الحكم بناء علي حق الهي مطلق، وإنما كان الخلفاء يستمدون سلطتهم من البيعة العامة التي يبايع فيها الناس الخليفة المرشح إضافة للفصل بين ما هو ديني ودنيوي، والفصل بين السلطات حيث كان الرسول صلي الله عليه وسلم حكما بين الجميع، لكنه لم يتفرد بالسلطة، وكانت له هيئة تشريعية معروفة من كبار الصحابة في أنشطة الحياة المختلفة، وكان عليه الصلاة والسلام يوسع من مجموعة مستشاريه بحسب الأحوال والأنشطة. وكانت لهذه الدولة المدنية علي عهد الرسول ملامح محددة منها أن الشريعة هي الإطار العام، وبداخلها منطقة للنصوص القطعية، وهي خاصة بالعبادات ثم جزء أكبر خاص بالأمور الدنيوية، تحكمها قواعد عامة، ونصوص عامة، والنص العام ميزته أنك تفهم شيئا، وأنا أفهم شيئا آخر، واللفظة القرآنية لها دلالة ظنية مفتوحة الدلالة، وحينما يقول عز وجل: "وشاورهم في الأمر" فهذا يعني أن أي صورة من صور الشوري يعمل بها، كالبرلمان، أو مجلس الشيوخ، أو مجلس نواب، أو زعماء قبائل."
و يتفق ما قاله الدكتور بيومي في الدولة المدنية مع ركائز الدولة المدنية الخمسة التي سبق تعريفها في الجزء الأول من هذا المقال مما لا يدع مجالاً للشك أن الدولة الإسلامية دولة مدنية شورية يحل لها أن تستخدم الديمقراطية كآلية حديثة لتحقيق الهدف الشرعي من مبدأ البعية و الشوري الملزمة، ليبرالية تقوم علي أساس المواطنة و حرية التعبيروالإختيار بمرجعية إسلامية للتشريع تقضي بألا يصطدم قانون أو تشريع بنص قطعي الثبوت أو بأصل من أصول الشريعة الإسلامية.
وقبل أن اختم هذا المقال، فإني لي بعض الرسائل و الرجاوات التي أود أن أوجهها الي كل من أنصار التيارين، الإسلامي و الليبرالي:
1) أرجو من كل من ينادي بالدولة المدنية أن يفصح بشفافية كاملة و بكل صراحة و وضوح لا يحتملان أي تأويل أو يكتنفهما أي غموض عن رغبته فيما يخص مرجعية التشريع في الدولة. فهل يريدها مرجعية إسلامية بقدر من العلمانية الجزئية التي تعمل في إطار مباديء الشريعة الإسلامية بحيت لا تتمكن السلطة التشريعية من سن أو تمرير قوانين أو تشريعات تتعارض أو تصطدم مع ثوابتها أو كلياتها؟ أم أنه يرغب في أن يجعل الاطار المرجعي للتشريع علماني شمولي وضعي ينفصل إنفصالاً كاملاً عن الوحي الآلهي و لا يوجد لمباديء الشريعة الإسلامية أي إعتبار أو مكانة فيه بحيث أنه لا يصبح لزاماً علي السلطة التشريعية أن تتقيد عند سن تشريعات أو قوانين جديدة بأي أصل من أصولها و كلية من كلياتها؟
2) أرجو من بعض أنصار التيار العلماني أن يكفوا عن إستخدام الدولة الدينية كفزاعة يرهبون بها الناس من الإسلام و شريعته فإن الدولة الاسلامية علي مدار تاريخها, مع فساد بعض حكامها و استبدادهم، أبداً لم تعرف الدولة الدينية التي يدعي فيها الحاكم ملكيته للتفويض الآلهي أو الإرادة الربانية للحكم و أنه هو وحده دون الناس من يملك حق التشريع في الدولة بمقتضي الصلاحيات الممنوحة له مباشرة من قبل الوحي السماوي. فهذا التخويف هو الهزل بعينه و الخداع ذاته فلم يحدث مطلقاً في تاريخ الدولة الإسلامية أن حكم أي من خلفاءها أو سلاطينها بمقتضي الحق الآلهي أو الإرادة الربانية. فأنتم بهذا التخويف، لا فرق بينكم و بين النظام السابق الذي ظل طوال سنوات حكمه يستخدم التيارات الإسلامية كفزاعة يبرر بها قمع حريات أصحابها و تكبيل أفواههم و التنكيل بهم. فإذا كنتم قد اعطيتم لأنفسكم الحق في أن تتشككون في نوايا أصحاب التيارات الاسلامية لإقامة الدولة المدنية، فسمحوا لهم بدورهم أن يتشككوا في نواياكم التي قد تهدف إلي تحويل النظام اليسياسي في مصر إلي علمانية شمولية تؤصل لقيم للإنحلال الاخلاقي و تدعو إلي التحرر من كل القيود و الضوابط و العادات المجتمعية و استبدالها بأخري تحض علي تفشي الرذيلة و ذيوع الفاحشة و الإعلاء من قيمة الحرية المطلقة علي حساب أعراف المجتمع و عاداته و تطمس الهوية الإسلامية لمصر بفصل مرجعية التشريع فيها فصلاً تاماً عن مباديء الشريعة الإسلامية بحيث يصير معتمداً بصفة أساسية علي الإجتهاد البشري في وضع جميع التشريعات و القوانين.
3) أرجو من بعض أنصار التيار الليبرالي خلع عباءة الليبرالية و الكف عن التستر ورائها و إستخدامها كغطاء سياسي مقبول نسبياً عن العلمانية التي يرفضها قطاع واسع من الشعب المصري لما تحمله العلمانية من مدلول سلبي، و إن كان مبالغاً فيه، في أذهان الكثيرين يستحضر فور ذكره معان ترتبط إرتباطاً عضويا بالإنحلال الخلقي و التفسخ المجتمعي و انحسار كل مظاهر الدين و التدين في نطاق ضيق يكاد لا يتعدي الحياة الخاصة للفرد في بيته أو في دور العبادة.
4) أدعو أنصار و أصحاب التيار الإسلامي أن يفصحوا لنا عن ماهية مرجعيتهم الإسلامية في التحليل و التحريم. هل ستتبعون مذهب فقهي واحد بعينه بحيث يصبح هو المصدر الأوحد للتشريع في الدولة؟ أم انكم ستأخذون من المذاهب الفقهية المتعددة ما يتفق مع رؤيتكم الخاصة فيما هو حلال و ما هو حرام؟ أم أن لديكم تصور فقهي خاص بكم يعالج جميع المسائل المتعلقة بنظام الحكم في الدولة و يقدم حلولاً عملية قابلة للتنفيذ لما يعاني منه المواطنين من مشاكل إجتماعية و إقتصادية تمس مباشرة حياتهم اليومية؟ هناك الكثير من التساؤلات التي يجب عليكم أن تجيبوا عليها بكل شفافية و دون مراوغة أو مواربة فإنه لم يعد كافياً البتة التشبث بلفظ المرجعية الإسلامية بدون التفصيل في معناها و آثار تطبيقها علي حياة الناس. فأنتم بغموض اجابتكم و ضبابيتها، تفتحون الباب للمتشككين في نواياكم و المتربصين بكم لإستغلال ذلك الغموض و تلك الضبابية في تخويف الناس من الإسلام و شريعته السمحة مما قد يعرض صورته لضرر بالغ دون قصد منكم.
5) أرجو أيضاً من أنصار التيار الإسلامي أن يكفوا عن تصريحاتهم الصحفية و الإعلامية التي تحمل معان يمكن تأويلها بطريقة تعزز من مخاوف الناس من إمكانية أن تتحول مصر حال وصولهم إلي سدة الحكم فيها، إلي دولة دينية بكل ما تحملها من معان تقذف الرعب في قلوبهم. فما الفائدة من تلك التصريحات المطاطية التي لا تعود عليكم إلا بمزيد من التشكيك في صدق نواياكم و صحة ما تدعونه من رغبتكم في أن تكون مصر دولة مدنية لا دينية, لاسيما و أنتم في أشد الحاجة إلي بناء جسور من الثقة بينكم و بين الناس بعد عقود ظلت خلالها تلك الجسور هشة و ضعيفة لا تسمح إلا لأصوات الترهيب و التخفويف أن تعبر فوقها؟ فلماذا الإصرار علي اضاعة هذه الفرصة العظيمة بعد أن جاءتكم علي طبق من ذهب بدلاً من العمل علي إكتساب قلوب الناس و ثقتهم في مشروعكم السياسي؟ أتفعلون ذلك من قبيل الموائمة السياسية أم أنه لغرض آخر في نفس يعقوب؟
و أخيرا اقول لكم جميعا: فليغلب كل فريق منكم مصلحة الوطن فوق كل مصلحة و ليضعع مستقبلها نصب أعينه و ليعلن عن رغباته و يكشف عن نواياه فهذا وقت المكاشفة و المصارحة لا المراوغة و المواربة و لتتذكروا أنه إذا كان الله قد حملكم أمانة، فأدوها إلي أهلها، إلي أهل مصر، فمصر كلها أمانة في أعناقكم و بين أيديكم فلا تضيعوها.
كتب د. عمرو احمدين


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.