بعد اللحوم والأسماك…ارتفاع أسعار الدواجن يحرم المصريين من البروتين    محافظ الدقهلية: خطة شاملة لإخلاء كافة تجمعات القمامة من قطع الأراضى الفضاء    خبير: إعادة تشكيل أسواق الطاقة عالميًا وارتفاعات متوقعة في أسعار النفط    مسؤول إيراني: بدأنا بالفعل في خفض إنتاج النفط    اليونيفيل تقدم مساعدات لدعم نازحي برعشيت فى جنوب لبنان    الموريتاني دحان بيدا حكمًا لمباراة الزمالك واتحاد العاصمة في ذهاب نهائي الكونفدرالية    وفاة موظف بجامعة الوادي خلال مشاركته ببطولة الاتحاد العام للعاملين بالحكومة برأس البر    كاف يعلن موعد انطلاق وختام كأس الأمم الأفريقية 2027    ارتكبت 8 وقائع نصب إلكتروني، نيابة الأموال العامة: فحص هواتف وأجهزة عصابة "الطرود الوهمية"    إخماد حريق داخل فيلا فى التجمع دون إصابات    إصابة 5 أشخاص إثر حادث تصادم سيارتين بمحور 26 يوليو    أمطار ورياح.. "الأرصاد" تحذر من طقس الساعات المقبلة    رحيل أسطورة الرقص الشرقي في مصر.. وفاة سهير زكي بعد مسيرة حافلة    خبير طيران: الأزمة الإقليمية تضرب حركة القطاع وترفع أسعار التذاكر عالميًا    أحرقت بدل الرقص واعتزلت من أجل الحب، الوجه الآخر في حياة سهير زكي    وزير الصحة يستقبل بابا الروم الأرثوذكس لبحث إنشاء مستشفى بالإسكندرية    سلوت يوضح دور إيزاك في خطة ليفربول لتعويض رحيل صلاح    كورتوا يقترب من حراسة مرمى ريال مدريد بالكلاسيكو    الصحة توضح ضوابط سحب تراخيص الأطباء لحماية المرضى    وزير الخارجية يستقبل نظيره السوري غدًا    وزيرا خارجية الكويت وباكستان يبحثان التطورات الإقليمية    الإمارات تعلن رفع الإجراءات الاحترازية على حركة الطيران    دماء فى موكب زفاف بالشيخ زايد.. الأمن يضبط المتهمين بسحل موظف وإصابته    مقتل 6 أشخاص في حريق اندلع في صالون تدليك للقدمين بوسط الصين    نشرة الشروق الاقتصادية 2 مايو 2026: اكتشاف جديد للغاز في دلتا النيل وتوقعات بتراجع سعر الذهب عالميا    فوز طالب بهندسة القاهرة بالميدالية الذهبية والمركز الأول عالميا فى جائزة تشارلز ماين    المهن التمثيلية تتابع حريق لوكيشن "بيت بابا 2" وتطمئن على فريق العمل    في دورته الأربعين.. معرض تونس الدولي للكتاب يتوج المبدعين و"إندونيسيا" ضيف شرف    ننشر أبرز أنشطة وفعاليات جامعة أسيوط خلال أسبوع    مستشفيات سوهاج الجامعية تستقبل أكثر من 45 ألف مريض وتجري 17 ألف جراحة    زيارة مفاجئة لوكيل صحة أسيوط لمستشفى البداري المركزي    عالم بالأوقاف يوضح سر الصحابي الذي بشره الرسول بالجنة 3 مرات    وزارة السياحة تُهيب بالمواطنين عدم الانسياق وراء الإعلانات المضللة أو الكيانات غير الشرعية التي تروج لبرامج حج خارج الإطار الرسمي    زراعة الإسكندرية تحصد محصول القمح موسم 2025-2026 بزمان العامرية الزراعية    كيف قادت القوة والترف قوم ثمود إلى الهلاك؟ عالم أزهري يوضح    إسبانيا تطالب إسرائيل بالإفراج الفوري عن إسباني كان على متن أسطول الصمود    الأمن يكشف تفاصيل مشاجرة شاب في الشيخ زايد بعد فيديو متداول    كشف أثري في الإسكندرية يلقي الضوء على تطور الحياة الحضرية عبر العصور    كامل أبو علي يتفقد مشروع الاستاد الجديد للنادي المصري    إرشادات مهمة من «الداخلية» للحجاج أثناء أداء المناسك    مدير إدارة طور سيناء التعليمية ينفي رصد أي شكاوى في اليوم الأول لامتحانات النقل بالتعليم الفني    جماعة أصحاب اليمين الإرهابية تخضع للتحقيق.. لماذا تخشى بريطانيا من تورط إيران في الهجمات على اليهود؟    اليوم.. ختام الدورة 12 من مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    السر الكامن في فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين    ذكريات الهضبة في ليلة "الحكاية"، 15 صورة من حفل عمرو دياب بالجامعة الأمريكية    الإسكان: 10 مايو.. بدء تسليم قطع أراضٍ بنشاط ورش وأخرى سكنية بمدينة طيبة الجديدة    مصطفى الفقي: المشير طنطاوي كان مرشحًا لمنصب نائب الرئيس قبل عمر سليمان    وزارة الشباب والرياضة تطرح وظائف جديدة في 3 محافظات.. تخصصات متنوعة ورواتب تنافسية    رجال طائرة الأهلي يواجه البوليس الرواندي في نهائي بطولة إفريقيا للأندية    قافلة سرابيوم الطبية.. نموذج رائد لجامعة القناة في تعزيز الشراكة المجتمعية    تشكيل آرسنال المتوقع لمواجهة فولهام في البريميرليج    بتكلفة تجاوزت 8.5 مليار جنيه.. إصدار مليون قرار علاج على نفقة الدولة خلال 3 أشهر    حوار| رئيس اتحاد عمال الجيزة: إطلاق ملتقيات للتوظيف.. وخطة لخفض البطالة    رئيس الرعاية الصحية: تخليد أسماء شهداء الفريق الطبي على المنشآت الصحية    «الإفتاء» توضح حكم زيارة قبر الوالدين وقراءة القرآن لهما    سامي الشيخ يدبر مكيدة لعمرو يوسف في «الفرنساوي»    الأزهر للفتوي يوضح مكانة العمل في الإسلام    البابا تواضروس الثاني يفتتح لقاء الشباب: "نور وملح" بالنمسا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الدولة المدنية بين الليبرالية والمرجعية الإسلامية (1)
نشر في المصري اليوم يوم 07 - 05 - 2011


كتب د.عمرو احمدين
مما لا شك فيه أن هناك الكثير من الغموض الذي لا يزال يكتنف معني الدولة المدنية الحديثة و آلية تحقيقها علي الرغم من كل ما كتب و قيل و نشر في هذا الشأن في الآونة الأخيرة في ظل الحديث عما يجب أن يكون عليه شكل النظام السياسي في مصر بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير. و إذا أمعنا النظر جيداً في الأسباب الحقيقية وراء هذا الغموض، سنجد أنه لا ينبع بالأساس من غموض في تعريف الدولة المدنية بقدر ما ينبع إما من جهل المتحدثين عنه بحقيقة مفهومها و آليات تحقيقها و كيفية تطبيقها أو بسبب تعمدهم عدم الوضوح و الغموض و الضبابية أو إخفاءهم لنواياهم الحقيقية بإستخدام مفردات و ألفاظ في غير مكانها أو بممارسة نوع من المراوغة الكلامية في الحوار بغية تحقيق مصالح شخصية أو مكاسب حزبية سياسية و استمراء العامة من الناس للتصويت لهم في الإنتخابات التشريعية المقبلة. و لاستجلاء الأمر و استيضاحه، نقول أن هناك الآن تياران اساسيان فاعلان في المشهد السياسي المصري: التيار الإسلامي و التيار الليبرالي. أما التيار الإسلامي فأعني به هنا تيار الإسلام السياسي الذي يدعو صراحة في كل مناسبة إلي قيام الدولة المدنية بمرجعية إسلامية تستند إلي مباديء الشريعة الإسلامية كمظلة تشريعية ثابتة تدور في فلكها منظومة القيم والأعراف المجتمعية و تتحرك في اطارها جميع التشريعات و القوانين الوضعية التي تمر من خلال السلطة التشريعية المنتخبة في الدولة بحيث لا تصطدم بتلك المباديء أو تتعارض معها. أما التيار الليبرالي فأقصد به هنا جميع القوي و الأحزاب السياسية التي تصف نفسها بالليبرالية و أجمع معها في هذا السياق التيار اليساري و العلماني و أغلبية الأقباط مع علمي اليقيني بإختلاف المرجعية الفكرية و الأيدلوجية التي ينطلق كل تيار منها.
و في هذا المقال، سأحاول فك الإلتباس و استجلاء الأمر و بيان مكمن الخلاف و الإختلاف بين كل من التيارين السياسين، الليبرالي و الإسلامي، في تعريفهما للدولة المدنية في محاولة للخروج بتعريف الدولة المدنية من مرحلة العشوائية المصطلحية التي يمر بها الآن و الوصول به إلي نوع من الدقة التعريفية وذلك عن طريق فصل تعريفه الإصطلاحي عن الوظيفي و الذي قد يختلف من تيار سياسي إلي آخر. كما سألقي الضوء أيضاً علي معني المرجعية الإسلامية في الدولة المدنية و ما إذا كانا يتكاملان أو يتعارضان مع بعضهما البعض. و أخيراً سألقي الضوء علي ماهية النظام السياسي في الدولة الإسلامية مبيناً خصائصه التي يتميز بها و كيف يمكن أن يستوعب في ظل اطاره الحضاري الواسع كل المذاهب الفكرية و الأيديولوجيات الأخري.
تعريف المصطلحات
---------------------
و قبل الشروع في التعرف علي معني الدولة المدنية من منظور الأحزاب الليبرالية و الإسلامية، فإنه من الضروري أن نحرر أولاً مجموعة من المصطلحات السياسية الشائعة من توظيفها السياسي و هو الهدف من هذه الفقرة.
الدولة المدنية:
----------------
تقوم الدولة المدنية علي عدة ركائز رئيسية:
1) الشعب هو مصدر السلطات الثلاثة في الدولة (التشريعية و التنفيذية و القضائية) بمعني أنه يوكل من بين افراده من يحكمه و يقوم برعاية شئونه السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية و يمارس السيادة عليه. و تأتي هذه السيادة بأن يتنازل كل فرد في المجتمع - بكامل ارادته و برضا كامل - عن شيء من سيادته التي يمارسها علي نفسه لصالح كيان يسمي "الدولة أو المجتمع" لتمارس من خلال تلك السيادة "الممنوحة لها "مهامها في نظام الحكم و فرض القانون بالقوة الجبرية.
2) توزيع السلطات الثلاثة في الدولة بين مؤسسات و كيانات سياسية و اقتصادية و إجتماعية مستقلة و الفصل بينهم بما يضمن عدم احتكار الحاكم لها أو استغلال أي منها في تحقيق مصالح شخصية أو إشباع أهواءه و رغباته في الخلود علي كرسي الحكم إلي أن تفيض روحه إلي بارئها.
3) التداول السلمي للسلطة بحيث تنتقل من حاكم إلي آخر بعد فترة زمنية محددة.
4) التمثيل العادل لكل أفراد المجتمع و طوائفه المختلفة في مؤسسات تعبر عن آراءه و مشاكله و همومه و تحقق آماله و طموحاته.
5) إيجاد آلية يتمكن الشعب بواسطتها من مراقبة الحاكم و محاسبته حال خطأه و بل عزله عن منصبه إذا لزم الأمر.
و الدولة المدنية بهذا المعني هي علي النقيض من الدولة الدينية التي يحكم فيها رجال الدين بمقتضي الحق الآلهي بعيداً عن الإرادة الحرة للشعب الذي لا يمكنه في هذه الحالة أن يراقب حاكمه فيما يفعله أو أن يحاسبه إن أخطأ لما لديه من سلطة مطلقة.كما أنها أيضاً بهذا التعريف هي علي النقيض من الدولة العسكرية التي يحكم فيها رجال العسكر جميع المؤسسات و الكيانات في الدولة و تتركز جميع السلطات في أيديهم.
الديمقراطية:
-------------
الديمقراطية يمكن تعريفها بأنها مجرد الآلية أو الوسيلة التي توصل اليها العقل البشري الحديث ليتمكن بواسطتها التعرف علي ارادة المواطين في الدولة و اتاحة الفرصة الكاملة لهم أن يمارسوا حق الإختيار الحر لممثليهم في مؤسساتها و كياناتها المختلفة بنزاهة و شفافية كاملين. و ما الإنتخابات البرلمانية و الرئاسية إلا مجموعة من الترتيبات و التنظيمات التي تحقق الديمقراطية علي أرض الواقع. كما يمكن ايضا تعريف الديمقراطية بأنها قيد علي الحرية المطلقة للفرد، تكبح جماحها و تمنع تحولها إلي حالة من الفوضي المجتمعية. و بمعني ثالث، الديمقراطية هي حكم الأغلبية الذي يمنع الأقلية الحاكمة التي تملك رأس المال أو النفوذ أو السلطة من الإستبداد بالقرار الذي يخص الجماعة.
المواطنة:
----------
المواطنة هي مبدأ من مباديء إدارة الدولة والمجتمع و تعني المساواة الكاملة أمام القانون بين كل من يحمل نفس جنسية الدولة ممن يقيم علي أرض الوطن أو كان من المغتربين، في كل الحقوق والواجبات لاسيما الحقوق المدنية والسياسية و المواطنة بهذا المعني، تمنع التمييز بين المواطنين علي أساس اللون او الدين أو العرق أو النوع.
المرجعية:
-----------
لفظ المرجعية من الألفاظ التي تلتبس علي الكثير من الناس فهم دائماً ما يتساءلون عن مضمونها و محتواها. و بتبسيط لا يخل بالمعني، فإن المرجعية تعني المصدر الأساسي للتشريع في الدولة. و في هذا المجال، يمكن تصنيف المرجعية إلي صنفين أساسين: الاول المرجعية الدينية أو العقائدية و الثاني العلمانية أو الدنيوية أو اللادينية. و تنقسم العلمانية بدورها، بحسب تعريف الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله، إلي علمانية جزئية و أخري شاملة. فالعلمانية الجزئية، فهي كما يطلق عليه الدكتور المسيري، العلمانية الأخلاقية أو العلمانية الإنسانية و هي التي تؤمن بالقيم المطلقة كتلك الموجودة في الكتب السماوية أو المذاهب العقائدية. و من الجدير بالذكر في هذا السياق، أن هذا النوع من العلمانية هو السائد في معظم الدول العربية. أما العلمانية الشاملة فهي كما يعرفها الدكتور المسيري "هي رؤية شاملة للكون بكل مستوياته ومجالاته، لا تفصل الدين عن الدولة وعن بعض جوانب الحياة العامة وحسب، وإنما تفصل كل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية عن كل جوانب الحياة العامة في بادئ الأمر، ثم عن كل جوانب الحياة الخاصة في نهايته، إلى أن يتم نزع القداسة تماماً عن العالم، بحيث يتحول العالم (الإنسان والطبيعة) إلى مادة استعمالية." و هذا النوع من العلمانية هو السائد في معظم الدول الغربية و إن إختلف تطبيقه من دولة إلي أخري بإختلاف المرجعية الثقافية و منظومة القيم و الأعراف السائدة و التاريخ و الجغرافيا. و علي النقيض من المرجعية العلمانية، فإن المرجعية الدينية هي التي تستند في التشريع إلي مباديء دين أو معتقد معين فعلي سبيل المثال يسنتد التشريع في مصر إلي مباديء الشريعة الإسلامية كمظلة تشريعية ثابتة تدور في فلكها منظومة القيم والأعراف المجتمعية و تتحرك في اطارها جميع التشريعات و القوانين الوضعية التي تمر من خلال السلطة التشريعية المنتخبة في الدولة بحيث لا تصطدم بتلك المباديء أو تتعارض مع أصل من أصولها أو ثابت من ثوابتها. و في حقيقة الأمر، هذا التعريف للمرجعية الإسلامية يكاد يكون متطابقاً مع تعريف العلمانية الجزئية، فسنجد أنه في حالة مصر علي سبيل المثال، بينما تستمد الكثير من القوانين و التشريعات مشروعيتها من مباديء الشريعة الإسلامية ما زال هناك البعض منها مستوحا من القانون الفرنسي.
الليبرالية:
----------
قبل أن نعرف مصطلح الليبرالية يجب أن ننبه علي أمر هام. إنه نظراً لنشأة فلسفة الليبرالية تاريخياً في أوروبا في في ظل بيئة علمانية شمولية تجعل من الإنسان مركزاً للكون كما سبق و عرفناها فإن كل تعريفات الليبرالية المتاحة، تفترض عملها في إطار علماني صرف تكتسب معه مدلولها السلبي الذي يرتبط أساساً بالعلمانية. فأصبحت الليبرالية مقترنة أو مرادفة للعلمانية مع اختلافهما في محتوي كل منهما. فماذا تعني الليبرالية؟ سأستعير هنا تعريف الليبرالية كما جاء في موسوعة المذاهب الفكرية المعاصرة " هي مذهب فكري يركز على الحرية الفردية، ويرى وجوب احترام استقلال الأفراد، ويعتقد أن الوظيفة الأساسية للدولة هي حماية حريات المواطنين مثل حرية التفكير، والتعبير، والملكية الخاصة، والحرية الشخصية وغيرها. ولهذا يسعى هذا المذهب إلى وضع القيود على السلطة، وتقليل دورها، وإبعاد الحكومة عن السوق، وتوسيع الحريات المدنية. ويقوم هذا المذهب على أساس علماني يعظم الإنسان، ويرى أنه مستقل بذاته في إدراك احتياجاته. " و لكنه، و كما سيتضح لاحقاً في الجزء الثاني من هذا المقال أنه يمكن تطبيق مباديء الليبرالية كحرية التعبير و التفكير و غيرها في إطار اسلامي لا يسمح بتغول الفكر العلماني في المجتمع و يمنع تفشي مبادئه التي يدعو إليها. و بالتالي يمكن القول أن هناك نوعان من الليبرالية: ليبرالية علمانية أو أخلاقية تجعل من حرية الفرد قيمة مطلقة لها قدسية لا يمكن المساس بها أو الإقتراب منها و تعمل الدولة بجميع سلطاتها علي حمايتها و ليبرالية لاعلمانية أو سياسية تمنع إستبداد الأغلبية الحاكمة في الدولة بالاقليات الدينية أو العرقية فيها و الليبرالية بهذا المعني السياسي ليبرالية حميدة تتوافق و مباديء الشريعة الإسلامية .
الدولة المدنية في المنظور الليبرالي
-------------------------------------
و إذا بدأنا بتعريف التيار الليبرالي للدولة المدنية، نجد انه يقوم بالأساس علي ثلاثة مباديء أساسية: المواطنة و سيادة القانون و حقوق الإنسان. أما المواطنة فهي مساواة جميع المواطنين في الحقوق و الواجبات أمام القانون رغم الإختلاف الديني أو العرقي أو بسبب اللون أو الجنس أو غيره من مواطن الإختلاف بين مواطني الدولة الواحدة. فعملا بمدأ المواطنة، تنتفي الهوية الدينية لكل من المسلمين و المسيحيين و تصبح جنسية الدولة المصرية هي العامل المشترك الوحيد الذي تستمد منه المواطنة شرعيتها و التي مبقتضاها يتمتع المسلمون و المسيحيون بنفس الحقوق و الحريات و يلتزمون بأداء ذات الواجبات المنصوص عليها في الدستور. أما سيادة القانون فتعني أن يصبح القانون سلطة مطلقة يعلو سلطانه فوق كل صاحب نفوذ أو سطوة أو رأس مال بحيث لا يفرق بين غني و فقير، رجل أو إمرأة، مسلم أو مسيحي، طالما أنهم جميعاً يتمتعون بحقوق المواطنة. كما يعلي التيار الليبرالي من قيم حقوق الإنسان و يرفع من شأن كرامته و ينادي بسن قوانين و تشريعات تؤمنه ضد كل من يحاول المساس بانسانيته أو نزع آدميته و يدعو إلي تجريم كل من يقوم بأفعال من شأنها إمتهان كرامته. و الجدير بالذكر هنا أن أصحاب التيار الليبرالي لا يفصحون عن مرجعية الدولة التي يأملونها: هل يريدونها ليبرالية "علمانية شمولية" علي غرار النموذج الروسي، لا تفصل التشريع في الدولة عن الدين فحسب، بل هي علمنانية كارهة لجميع للأديان، طاردة له، يقتصر الدين فيها علي الحياة الخاصة للفرد و لا يحق له أي للفرد أن ينتقل بمظاهر تدينه من الحياة الخاصة إلي الحياة العامة و إلا يكون قد ارتكب جرما يعاقب عليه القانون. أم أن الليبراليون يريدونها دولةليبرالية "علمانية" علي غرار النموذح الأمريكي يسمح للفرد أن يمارس حرياته الدستورية بأن يخرج بمظاهر دينه، كارتداء المسلمات للحجاب أو النقاب أو ارتداء المسيحيين للصليب، من الحياة الخاصة إلي الحياة العامة لكن مع إقصاء الدين تماماً عن كل ما يتعلق بسلطان التشريع في الدولة و الإحتفاظ بمرجعيتها العلمانية في هذا الإطار؟
الدولة المدنية من منظور التيار الإسلامي
------------------------------------------
و إذا انتقلنا إلي تعريف التيار الإسلامي للدولة المدنية، تجده فضفاضاً بعض الشيء، لا يرتكز علي أسس ثابتة يمكن الإستناد إليها. فنجدهم تارة ينادون بالدولة المدنية التي يكون فيها الشعب هو مصدر السلطات، و هو من ينتخب حاكمه و ينصحه و يقومه و يعزله إن لزم الأمر ذلك بموجب العقد الدستوري التوافقي بينهم و بينه و تارة اخري يلمحون في بطن تصريحاتهم الصحفية أو الإعلامية برغبتهم في قيام الدولة الدينية التي يدعي فيها الحاكم ملكيته للتفويض الآلهي أو الإرادة الربانية للحكم و أنه هو وحده دون الناس من يملك حق التشريع في الدولة بمقتضي الصلاحيات الممنوحة له مباشرة من قبل الوحي السماوي. و في هذا السياق، يقول أصحاب التيار الإسلامي، أنهم يسعون وراء تأسيس دولة مدنية بمرجعية إسلامية للتشريع فيها. و لكنهم في حقيقة الأمر يقفون عند هذا الحد و لا يعطون تفاصيلاً كافية لرؤيتهم الشرعية في الكثير من القضايا الشائكة كتلك المتعلقة علي سبيل المثال لا الحصر، بتولي مرأة أو مسيحي رئاسة الجمهورية، بموقفم من البنوك التي يعتقد الكثيرون منهم أنها بنوك ربوية لا يمكن أن تظل عصب الإقتصاد و شريانه الرئيسي في ظل مرجعية إسلامية، بموقفم إزاء إقامة الحدود كقطع يد السارق و رجم الزاني و الزاني، رؤيتهم لمستقبل السياحة ف مصر، و غيرها من القضايا التي يحتاج فيها المجتمع المصري و هو مقبل علي عهد جديد في تاريخه سوف يتشكل فيه مستقبله و مستقبل ابنائه و أحفاده لسنوات طوال قادمة، إلي شفافية كاملة و مكاشفة و مصارحة لا مواربة و مراوغة و الإفصاح عن كل ما تخفيه الصدور أو تبطنه القلوب من نوايا و اغراض.
و بعد هذا العرض و بالنظر إلي كل من التعريف الإصطلاحي و الوظيفي للدولة المدنية علي التوازي، يتبين لنا أن الدولة المدنية من المنظور الليبرالي، هي دولة مدنية ليبرالية تقوم علي أساس المواطنة و لكنها بدون مرجعية واضحة بينما هي علي الناحية الأخري، من منظور الأحزاب الإسلامية، دولة مدنية بمرجعية إسلامية لم يتضح بعد ما إذا كانت تقوم علي أساس المواطنة الكاملة أو الليبرالية السياسية. و من ثم فإنه من الضروري بمكان، أن نستوضح معني المرجعية الإسلامية بصورة أكثر تفصيلاً و أعم نظرة تسمح لنا بأن نتعرف علي حقيقة مضمونها و ما تشتمل عليه من خصائص و ملامح للنظام السياسي الذي تقوم عليه و هو ما سنتطرق له في الجزء الثاني من هذا المقال إن شاء الله.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.