انتقدت الدكتورة منى مينا، وكيل نقابة الأطباء، مشروع قانون التأمين الصحى الجديد، مؤكدة أنه لم يحدد طبيعة عمل الهيئات الثلاث التى تقدم الخدمة، وأنه استهدف التحصيل الإجبارى، بما يجعله هادفاً للربح، كما سيفتح الباب ل«خصخصة المستشفيات الحكومية»، مطالبة البرلمان بألا يتعجل فى التصديق على مشروع القانون، إلا بعد التأكد من أنه اجتماعى شامل ينقل الخدمة الصحية للأمام ولا يعود بها للخلف. وأضافت «مينا»، فى حوارها ل«المصرى اليوم»، أن الاشتراكات الإجبارية جيدة، وتقوّى المنظومة، لكنه لا يجوز التحصيل من المواطنين لعمل تأمين صحى هادف للربح، بل يجب أن يكون نظاماً اجتماعياً غير هادف للربح مثله فى ذلك مثل الضرائب، ويضمن المصلحة العامة لكافة المواطنين، منوهة إلى أن الأطباء عنوان الممارسة الطبية فى البلاد المتقدمة ذات النظام الصحى المحترم، حيث يحصلون على حقوقهم كاملة أدبية ومادية، غير أنه فى مصر يدفعون ثمن مهنة «جار عليها الزمن».. وإلى نص الحوار: ■ نبدأ من مشروع قانون التأمين الصحى الذى اعترضت عليه نقابة الأطباء.. لماذا؟ - مشروع القانون يخل بمبدأ أساسى لأى قانون، وهو أن يوضح للمواطن حقوقه وواجباته، وبالتالى فإن هناك عدة أسباب جعلتنا نعترض على مشروع القانون تتمثل فى نقاط محددة: أولها أنه لم يحدد طبيعة عمل الهيئات الثلاث التى تقدم الخدمة، فضلاً عن أنه استهدف التحصيل الإجبارى بما يجعله هادفاً للربح، كما سيفتح الباب ل«خصخصة المستشفيات الحكومية»، أو يخرجها خارج نطاق الخدمة، نظراً لتدنى مستواها مقارنة ب«الخاصة»، بالإضافة إلى أنه لم يحدد حقوق الأطباء والعاملين بالصحة ولم تُجر له دراسة اكتوارية واضحة، وفى حال عدم تقديمها سيواجه المشروع تعثرا فى العام المقبل. ■ هل يشمل مشروع القانون غير المؤمن عليهم؟ - القانون يشمل جميع المواطنين بالدولة بمن فيهم الطلبة وأصحاب الأعمال الحرة والأرامل، وهذا الأمر من مكاسب القانون. ■ ما مشكلة التحصيل الإجبارى؟ - الاشتراكات الإجبارية جيدة وتقوّى المنظومة، لكن لا يجوز التحصيل من المواطنين لعمل تأمين صحى هادف للربح، بل يجب أن يكون نظاماً اجتماعياً غير هادف للربح مثله فى ذلك مثل الضرائب، ويضمن المصلحة العامة لكافة المواطنين، لكن من غير المقبول أن تُحصل الاشتراكات بشكل إجبارى هدفه الأول والأخير هو الربح. ■ قُلتِ إن المشروع يفتح باب الخصخصة.. هل ترفضون اشتراك القطاع الخاص فى دعم المشروع؟ - نحن لا نرفض عمل القطاع الخاص وتربحه، لكن بشرط أن يكون مشاركاً بدور تكميلى وليس أساسياً، أى أن يكون مساهماً فى رفع مستوى الخدمة، لأننا فى دولة فقيرة تسعى لعمل منظومة تأمين صحى، لكن القطاع الخاص سيقدم خدمة فندقية تحتاجها فئات معينة، وبالتالى فالمواطن سيذهب لها دون الحكومية، فى الوقت الذى يجب أن يكون الأساس قائماً على المستشفيات الحكومية، ومن ثم فإن بند شرط الجودة للتعاقد مع المستشفيات الموجودة بمشروع القانون سيرجح كفة المستشفيات الخاصة عن الحكومية بما قد يهددها ويخرجها من المنظومة بأكملها. ■ ما رأيك فى أوضاع المستشفيات الحالية وإمكانية تقبلها لمشروع القانون الجديد؟ - بعد وضع بند شرط الجودة للتعاقد مع المستشفى سيخرج المستشفيات الحكومية خارج الخدمة حيث يتم «إفقار» هذه المستشفيات وعدم الصرف عليها مع غياب الإدارة الحكيمة، وكافة المستشفيات الحكومية لا ترقى لمستوى الجودة المطلوب، وهذه مسؤولية وزارة الصحة المشرفة على تلك المستشفيات، ومسؤوليتها المباشرة أن تتصرف لحل تلك الأزمة، خاصة وأن نظام مكافحة العدوى بالمستشفيات سيئ وأوضاعها متردية، فالمستشفيات أصبحت مكاناً ل«إطلاق العدوى». ■ كم عدد المستشفيات الحكومية التى قد تدخل ضمن المشروع؟ - يوجد نحو 450 مستشفى حكوميا، وحوالى 4500 وحدة صحية، لكن لا نعلم أين ستذهب التى لا تنطبق عليها معايير الجودة، وهو ما لم ينص عليه القانون ونعتبره أزمة كبرى، لكن هذه المستشفيات بنيت بأموال الشعب، وأصبحت حقاً وميراثاً له ولا يجب أن تستخدم لتربح القطاع الخاص، لدينا المادة 46 من مشروع القانون التى تنص على أن مخصصات الصحة من خزانتها تؤول لهيئة التأمين الصحى فور دخولها المنظومة الجديدة، لكن أين ستذهب المستشفيات وأصولها وهو أمر لم يُجب القانون عليه، ومن هنا لدينا إشارة واضحة للخصخصة، هى أن النظام التنافسى سيجعل المستشفيات الخاصة تكتسح الحكومية، وثانياً أننا لا نعلم إلى أين ستذهب المستشفيات التى ستخرج من الجودة، وهل سيتم بيعها للقطاع الخاص أم ماذا. ■ ما موقف الأطباء داخل مشروع القانون؟ - القانون لم يذكر شيئاً عن الأطباء وإلى أين سيذهبون، باستثناء العاملين حالياً بالتأمين الصحى وبنفس مميزاتهم، بالرغم من أن مميزاتهم أقل كثيرا من زملائهم، أما باقى العاملين بالمستشفيات التابعة لأجهزة مختلفة لا يعلمون مصيرهم حتى الآن، وهذه فجوات شديدة لا يمكن أن يتم سدها بسهولة وبتصريحات شفوية. ■ أطباء التأمين أعلنوا غضبهم من سوء أوضاعهم.. ما موقفهم الحالى؟ - أطباء التأمين حالياً يحصلون على نصف مستحقات زملائهم فى وزارة الصحة، حديث التخرج يصل متوسط أجره فى الصحة 2000 جنيه، فيما يحصل زميله فى التأمين على 1000 جنيه، فضلاً عن أنه لم يتم ضمهم لقانون 14 لسنة 2014 المعروف – خطأً- بكادر المهن الطبية، لكن فى الحقيقة هو قانون لتنظيم أحوال العاملين بوزارة الصحة. ■ ما موقف المشروع حال تعرضه لتعثر مالى؟ - فى حال تعثر المشروع مالياً، يمكن ربطه بضرائب جديدة خاصة بالصحة، أو رفع الاشتراك مع التزامه بالنسبة العالمية المتمثلة فى 3:1 بين المنتفع وجهة العمل التابع لها. ■ نقابة الأطباء قدمت مقترحات حول هذا المشروع من قبل.. هل تم الأخذ بها؟ - بعض المقترحات التى قدمتها النقابة تم الأخذ بها مثل إعفاء أصحاب الأمراض المزمنة من المساهمات وإلغاء العقوبة على العاملين الذين يفشون أسرار المريض أو أسرار العمل، لكنه لم يأخذ بنقطة هامة وهى تعريف غير القادرين، حيث عرفهم القانون بأنهم الأسر التى تحددها وزارة التضامن، لكن النقابة طلبت تعريفهم بأنهم المواطنون الذين يقل دخلهم عن الحد الأدنى للأجور. ■ ماذا عن ميزانية التأمين الصحى حالياً؟ - ميزانية التأمين الصحى الأساسية تأتى من الاشتراكات التى يدفعها المنتفعون، حتى الضرائب التى فرضت على السجائر لصالح التأمين الصحى بقرار جمهورى بقانون صدر فى 21 فبراير 2015 لم تذهب بالفعل للتأمين الصحى ويبلغ إجمالى حصيلتها فى الموازنة الخاصة بالشركة الشرقية للدخان حوالى 8 مليارات جنيه، من إجمالى 48 مليار جنيه قيمة ميزانية الصحة، لكن الميزانية تذهب بالفعل لدعم أطفال المدارس والمرأة المعيلة وهو دعم بسيط يصل لحوالى مليار جنيه. ■ ننتقل للبلاغ الذى قدمته ضدك وزارة الصحة لأنك اتهمت أطباء بالرشوة والفساد.. ما حقيقة ذلك؟ - فى الحقيقة شىء مضحك، لكنه ضحك كالبكاء أن يتم اتهام أى عضو بالنقابة بأنه يهين الأطباء، والحقيقة أننا نهدف للدفاع عن حقوق الأطباء فى القرارات الخاصة بالتكليف، والموضوع وما فيه أن هناك إصراراً من قبل لجنة التكليف على تمرير قرارات تسمح بالنقل أو الندب من وحدات التكليف للمستشفيات المميزة للأطباء ذوى الحظوة تحت حجة حاجة العمل أو أى حجة أخرى، ولكن فترة التدريب يقضيها الطبيب فى وحدة الرعاية الأساسية من سنة لسنتين وبعدها ينتقل الأطباء لمستشفيات لبدء رحلة العمل، ولكن يتم نقل الأطباء ذوى العلاقات للمستشفيات المميزة بما يقف حائلا ضد حقوق زملائهم المتميزين، وهو ما عارضناه وقدمنا مكاتبات رسمية لوزارة الصحة فى شهرى إبريل وأغسطس 2015 غير العديد من اللقاءات التى عقدناها، إلا أننا وجدنا أن هناك إصراراً على فتح تلك الأبواب الخلفية، ما جعل الوزارة تتهمنى بإهانة زملاء أطباء. ■ من المسؤول عن فتح تلك الأبواب الخلفية؟ - المسؤولية جماعية وخاطبنا وزير الصحة، لكن الدكتور هشام عطا، رئيس لجنة التكليف، سعى للرد بمحاولة «إخراس الانتقادات» وقدم بلاغا ضدى، لكننا نرى أن هذه القضية هامة وأساسية لضمان تكافؤ الفرص وعدالة التوزيع. ■ اتهمت وزارة الصحة بأنها تسعى لتقنين الفساد فيما يخص التكليف.. لماذا؟ - بالفعل اتهمت الوزارة بذلك، لأن مرة بعد مرة ننتقد تصرفات تحيد عن الطريق المستقيم، ثم تُطرح قرارات جديدة تحيد عنه أيضاً، فمثلاً طالبنا بنظام تدريب موحد لجميع الأطباء، ولكن مرة بعد مرة الندب فى المستشفيات المميزة يفتح الباب للفئة المحظوظة، وهو سلوك يحيد عن الطريق المستقيم، ويمنع الأطباء المتميزين من أخذ مكانهم المتميز. ■ ما مشكلات المنظومة الصحية فى مصر من وجهة نظرك؟ - المنظومة الصحية جزء من مشروع قانون التأمين الصحى، ومن هنا فالخدمة الصحية تحتاج لإمكانيات وأصول وهيكل ومقدمى خدمة صحية، بالإضافة إلى أجر جيد وتفرغ للخدمة مع زيادة الكلفة، إلا أننا لدينا ميزانية ضيقة ولدينا من الفوضى ما يجعلنا نستفيد من نصفها فقط، وكذلك نظام تقديم الخدمة وكفاءتها يجعلنا فى حاجة لخدمة ذات جودة، خاصة وأن معدل الإنفاق على المنظومة ضيق ومهدد لصحة المواطنين، فى ظل عدم وجود تدريب جيد للأطباء. ■ ما الحلول؟ - الأعمدة الأساسية لإصلاح الخدمة تتمثل فى زيادة الإنفاق على الصحة وتوحيد نظام تأمين صحى شامل بشرط أن يكون حقيقياً، مع وجود رقابة من أصحاب المصلحة ومتلقى الخدمة وهم منظمات المجتمع المدنى والنقابات المهنية والعمالية المختلفة وضمان أجور جيدة وتدريب مهنى وعلمى جيد لفرق تقديم الخدمة والحفاظ على المستشفيات والوحدات الصحية وأصولها، وجميعها أمور أساسية. ■ واجه الأطباء اتهامات عديدة فى الفترة الأخيرة بالمسؤولية عن الأخطاء والوفيات والكوارث.. ما موقف النقابة من ذلك؟ - الأطباء عنوان الممارسة الطبية فى البلاد المتقدمة ذات النظام الصحى المحترم، حيث يحصلون على حقوقهم كاملة أدبية ومادية، لكن عندنا فى مصر يدفعون ثمن مهنة «جار عليها الزمن»، وبالتالى الانتقادات لا تكف عليهم، وأنا لا أدافع عن الأخطاء لأن أول خطوة نحو التقدم الاعتراف بالخطأ، ولكن الأطباء فى منظومة صحية متردية وضعيفة لن يستطيعوا ممارسة عملهم بشكل جيد، ولا يمكن أن نتوقع أداءً جيداً منهم. ■ ما الحلول الواجب اتباعها لمحاسبة الأطباء بشكل صحيح وسليم؟ - حتى نستطيع محاسبة الأطباء يجب وضع قواعد ضابطة للمنظومة بمعنى (clinic guide lines) أى قواعد علاجية إرشادية واضحة للطبيب، مع ضرورة إصدار قانون تحديد المسؤولية الطبية لأن لدينا خلطا بين 3 أمور، وهى: «نسبة المضاعفات التى تحدث لكل علاج، والخطأ البشرى، والإهمال»؛ فالمضاعفات لا يصدر عقوبة ضدها، والخطأ يدفع مقابله تعويض، أما الإهمال الذى يمثل استهانة بآلام المريض يستلزم عقوبة جنائية، ومشروع القانون صاغته نقابة الأطباء وستقدمه لمجلس النواب، وتقريره سيُحال للجنة فنية لدراسته، والمشروع به تمثيل لممثلى المجتمع المدنى حتى يكون هناك ضمان لعدم انحياز القرارات للأطباء. ■ ماذا عن أزمتكم مع الصحة بسبب الدراسات العليا للأطباء؟ - نصف الأطباء لا يجدون فرصة للدراسات العليا، وقدمنا مقترحات بهذه الأزمة، أولها أن كل ملتحق بفترة التكليف يكون ملتحقاً بزمالة طب الأسرة نظراً لأن عمله يكون مرتبطاً بطب الأسرة، على أن يزاوج بين الممارسة والدراسة، التى يكون جزء منها عبر الإنترنت وجزء منها تدريبا فى مستشفى عام، ويجب أن تكون معممة على الجميع وفقاً للقانون 14 لسنة 2014، والذى ينص على أن تتحمل وزارة الصحة تكلفة الدراسات العليا والتعليم الطبى للفريق الطبى، ولكن نص القانون لا تتم الاستجابة له على الإطلاق، ووزارة الصحة للأسف لا تنسق مع الجامعات، وهناك مشروع قانون جديد باسم المجلس القومى للمؤهلات الطبية، ووفقاً له تهدف الوزارة لإلغاء الزمالة المصرية، وفى تقديرى أن السبب هو عدم دفع الأطباء لرسوم الزمالة فى مقابل الزمالة بالخارج التى يدفعون لها مقابلا ماديا عاليا. ■ فى رأيك ما الحل لتلك الأزمة؟ - الحل يكمن فى توسع الزمالة لتشمل مستشفيات أكثر وبالتالى تحتاج لتطوير لتتمكن من ضمهم، ولكن هذا المشروع لم يقدم حلولاً لمشاكل ضعف فرص حديثى التخرج بقدر ما فرض أعباءً جديدة عليهم. ■ ما مشروعات القوانين التى تطلبونها من البرلمان؟ - نطلب من البرلمان ألا يتعجل فى التصديق على مشروع قانون التأمين الصحى إلا عند التأكد من أنه اجتماعى شامل ينقل الخدمة الصحية للأمام ولا يعود بها للخلف، بجانب مشروع قانون المسؤولية الطبية ومشروع قانون الكادر ويصحبه بالتبعية مشروع قانون الصندوق التكميلى للمعاش، كما نطلب تعديل قانون نقابة الأطباء وإصدار مشروع قانون المعامل.