لفت نظرى فى حملات التظاهر لأجل غزة أن بعض أعضاء الحزب الوطنى فى لحظة حماس، طبعوا علم مصر مقلوبا فى واحدة من محافظات الدلتا ووزعوه على المتظاهرين، ورغم الامتعاض الشعبى من هذا السلوك، إلا أننى لا أستغرب ما حدث، فالعلم المصرى لا يشبهنا. فى الاحتفالات الدولية تبرز كل دولة بألوانها ورموزها، فعلم البرازيل أصفر وأخضر، وعلم الأرجنتين أزرق، وعلم إسرائيل عليه نجمة داوود، إلا نحن فلا علمنا ولا رموزنا تشبهنا فى شيء، لا نعرفها نحن ولا يتعرف عليها غيرنا. العلم المصرى لا يشبه أى شيء مصرى. أحمر وأسود وأبيض. مرة بصقر فى الوسط ومرات بنسر، وأخرى بنجمة أو نجمتين أو ثلاث، ترى ما هى علاقة هذه الألوان بمصر؟ لا الأحمر لوننا ولا الأسود، وليس لدينا صقور أو نسور، اللهم إلا وجه حورس. حورس ذلك الوجه المرسوم على طائرات مصر للطيران، رمز لا تخطئه العين، فى أى المطارات كنت ستعرف أن هذه الطائرة مصرية، رمز يربطه العالم كله بمصر، لكنه ليس لون علمنا. حورس يميز الطائرة ولا يميز العلم. مصر مليئة بالرموز التى تميزها عن غيرها من البلدان، ولو طلبت من طفل فى الابتدائية أن يرسم رموزا تعبر عن مصر لرسم شريطا أزرق محاطا بالأخضر على جانبيه ومن ثم بالأصفر، الأزرق كعلامة لمجرى النيل الذى يخترق مصر من أعلاها إلى أسفلها، وعلى ضفتيه شريطا خضرة، ثم الصحراء من بعد بلونها الأصفر. أما لو طلبت الشيء ذاته ممن هم فى الإعدادية أو الثانوية، لربما رسموا الأهرامات الثلاثة، أو معبداً فرعونياً.. رموز كثيرة من وحى جغرافية المكان أو تاريخه تأتى طواعية على ذهن الطفل أو الشاب، ولكن الأحمر والأسود والنسر بالتأكيد ليست من بينها. قلت هذا الرأى صراحة فى جلسة غداء، كان قد دعانى إليها واحد من سفراء مصر فى واشنطن يومها، وكان يحضرها رجل قدم على أنه، لا أذكر بالضبط، إما ضابط مخابرات سابقاً أو مازال فى الخدمة. يومها قال الرجل وباستنكار شديد لما طرحته، إن هذا العلم هو الذى حاربنا تحته فى حرب أكتوبر، وسيظل هذا العلم خالدا كخلود النصر. لم أكن أعرف أننى قد دخلت فى المحظور بطرح سؤال بريء كلون العلم. بالطبع فى الجلسات الحكومية، لا صوت يعلو فوق صوت الحكومة، ولا صوت يعلو فوق صوت رجال الأمن، ما عليك إلا أن تقول «تمام يافندم». كانت حجته سخيفة، ولكن قوة السلطة هى التى تعطيه قوة المنطق وتخرس الآخرين. تمسكت برأيى، وما كان من السفير يومها ومعه الضابط إلا أن نظرا إلىّ وكأننى خنت الوطن لمجرد التفكير فى هذا الأمر. كانت نظراتهما أشبه بنظرات حمار وقف فى مفرق طرق، ولمن لا يعرف عالم الزراعة، فتلك هى نظرات الحيرة والورطة. أعلام مصر تغيرت مرات عدة، من أعلام الدولة العثمانية التى كان يسود فيها اللون الأحمر وبداخله هلال واحد أو هلالان أو ثلاثة أهلة حسب الفترات المختلفة، إلى علم أسرة محمد على بلونه الأخضر الإسلامى وفى وسطه هلالان، إلى علم أنور السادات بصقر قريش، إلى علم اتحاد الجمهورية العربية، إلى علم 1984 الباقى معنا حتى الآن. بصراحة لا أرى أى علاقة بين مصر، وبين ألوان كل هذه الأعلام. وأعتقد أن هذا حقى. العلم يجب أن يرمز إلى شيء يدل ولأول لحظة على البلد الذى يرفع هذا العلم، أما أن تكون الألوان تجريدية ومبهمة، فهذا عبث. أذكر أيام الصبا أنهم كانوا يقولون لنا إن السواد فى علمنا هو رمز العهد البائد، وان البياض فيه هو رمز العهد الجديد، أما الأحمر فهو لون دم الشهداء. ألا ينطبق هذا على كل بلدان الدنيا وثوراتها، التى كان بها عهد بائد وعهد جديد وحروب ومعارك وشهداء، فما خصوصية مصر هنا؟ بالطبع فى المجتمعات الديكتاتورية، ومجتمعنا بلا شك واحد منها، لا يمكن لك أن تجرؤ وتتساءل عن أى شيء أو أن تشكك فى أى شيء. وعندما أقول الديكتاتورية لا أعنى الحكومات فقط، الديكتاتورية عندنا تغولت وأصبحت ظاهرة اجتماعية. لم تعد الحكومات فى حاجة إلى أن تصبح ديكتاتورية، لأنها نجحت فى أن تجعل كلا منا ديكتاتورا صغيرا يصادر رأى زميله وجاره نيابة عن الحكومة. قمة نجاح النظام الديكتاتورى فى قدرته على خلق مجتمع يشبه النظام، بدل أن يكون النظام هو الذى يشبه المجتمع. المهم فى هذا كله، هو أننى أقول إن ألوان علمنا لا تعبر عن مصر المكان والمكانة، فمصر الممتدة فى الزمان والراسخة فى المكان، تستحق علما يرمز لها اليوم وغدا وحتى نهاية الزمان. علم ما إن يره المصرى أو الأمريكى أو الفرنسى حتى يعرف وللوهلة الأولى أنه علم مصر، كما هو الحال مع طائرات مصر للطيران المميزة برأس حورس. نريد علما (يشبهنا) من الشبه، لا علما (يشبهنا) من الشبهة.