اليوم، صلاة الجنازة على والدة إبراهيم سعيد بمسجد السيدة نفيسة    أسعار الذهب اليوم السبت 2 مايو في مصر.. عيار 21 بكام النهارده؟    جيش الاحتلال يتهم "حزب الله" بخرق وقف النار وينذر سكان 9 قرى جنوب لبنان للإخلاء    حرارة ورياح وأمطار|بيان هام من الأرصاد بشأن حالة الطقس اليوم السبت 2-5-2026    اليوم وغدا، قطع المياه عن مناطق بسيدي سالم في كفر الشيخ لمدة 12 ساعة    في طريق عودتنا من إيران، تصريح مثير من ترامب عن موعد الهجوم على كوبا    اليوم، فصل جديد في دعوى إلغاء قرار منع النساء من السفر إلى السعودية دون تصريح    واشنطن تحذر مواطنيها في بريطانيا بعد رفع مستوى التهديد الإرهابي    بيطارد بركات، سجل مميز ل حسين الشحات في تاريخ مواجهات القمة أمام الزمالك    اليوم، أولى جلسات نظر طعن "التعليم المفتوح" على تعديلات لائحة تنظيم الجامعات    الحصار الأمريكي يكبد إيران خسائر ب4.8 مليار دولار    القضاء يحبط خطة إدارة ترامب لترحيل آلاف اليمنيين من أمريكا    "طاير يا هوى"| محمد رشدي صوت مصري أصيل ورمز الأغنية الشعبية    سامي الشيخ يدبر مكيدة لعمرو يوسف في «الفرنساوي»    بمناسبة عيد العمال، وزارة العدل تسلط الضوء على قانون العمل الجديد لتعزيز العدالة وحماية الحقوق    محافظة سوهاج ترد على عدم إنشاء كوبري بديل للكوبري المنهار في قرية العتامنة    في ظهور مميز، عمرو دياب يغني مع نجله عبد الله وابنته كنزي بحفله بالجامعة الأمريكية (فيديو)    صلاح: كنت أركض أكثر من زملائي في منتخب مصر خلال كأس أمم أفريقيا    وسط أفراح الفوز بالقمة.. الأهلي يتأهل لنهائي بطولة أفريقيا للكرة الطائرة    محافظ كفر الشيخ يهنئ أبطال المشروع القومي للمصارعة ببطولة أفريقيا    محاضرة دولية تكشف تحديات جودة التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي    تفاصيل | وفاة شخص وإصابة 13 آخرين في حادث البهنسا بصحراوي المنيا    القبض على عاطل ظهر في فيديو مشاجرة بالسلاح الأبيض بالقاهرة    خناقة الديليفري وعمال المطعم.. معركة بين 11 شخصا بسبب الحساب    دفع ثمن شهامته.. اعتداء صادم على مسن الهرم والداخلية تضبط المتهم    البابا تواضروس الثاني يفتتح لقاء الشباب: "نور وملح" بالنمسا    ميناء دمياط يعزز الأمن الغذائي ويربط مصر بأوروبا والخليج    جامعة الدلتا تتألق في «Dare To Achieve» وتؤكد دعمها لابتكارات الطلاب    ماذا يريد شيخ الأزهر؟    سيمون تستحضر "زيزينيا": رحلة في ذاكرة دراما لا تُنسى    رحلة إلى المجهول تتحول إلى ذهب سينمائي.. "Project Hail Mary" يكتسح شباك التذاكر عالميًا    ميادة الحناوي تعود بليلة من الزمن الجميل في موازين... طرب أصيل يوقظ الحنين    الأزهر للفتوي يوضح مكانة العمل في الإسلام    نجاح إصلاح فتق سري لطفلة 4 سنوات بمستشفى طلخا المركزي وخروجها بحالة مستقرة    نصف فدان.. السيطرة على حريق نشب داخل زراعات القصب بقنا    ليدز يونايتد يسحق بيرنلي بثلاثية في الدوري الإنجليزي    طبيب الأهلى يوضح إصابة تريزيجيه فى القمة 132    رئيس هيئة تنشيط السياحة يلتقي مع ممثلي شركات إنتاج محتوى السياحة الروحانية    وزيرة التنمية المحلية والبيئة تتابع تأثير العوامل الجوية على جودة الهواء غداً السبت    البنتاجون: أمريكا تقرر سحب 5000 جندي من ألمانيا    البيت الأبيض يبلغ الكونغرس بأنه يعتبر العملية ضد إيران منتهية    منتخب المصارعة للرجال يتوج ب10 ميداليات في البطولة الأفريقية    بثينة مصطفى ل معكم: ما قدمته حياة كريمة لغزة يدعو للفخر    شرطي ينقذ الموقف.. تفاصيل حادث تصادم في الإسكندرية    صفحات مزيفة.. سقوط تشكيل عصابي دولي للنصب على راغبي زيارة الأماكن السياحية    الالتزام البيئي باتحاد الصناعات يوضح أحدث تطورات التحول إلى الطاقة المتجددة    موعد إعلان قائمة منتخب الناشئين لبطولة أمم أفريقيا تحت 17 سنة    مصطفى الفقي: المشير طنطاوي عُرض عليه منصب نائب الرئيس قبل عمر سليمان    تصاعد التوترات بين أمريكا وأوروبا.. الناتو يتحرك نحو الاستقلال الدفاعي    "15 مايو التخصصي"تنجح في إنقاذ شاب من اختناق حاد بالمريء    استشاري غدد صماء: "نظام الطيبات" فتنة طبية تفتقر للبحث العلمي وتؤدي للوفاة    عمرو أديب: أقرب الناس لي حصلوا على علاج كيماوي بسبب السرطان    القومي للبحوث يطلق قافلة طبية كبرى بالشرقية تستهدف 2680 مواطنا    أحمد التايب خلال تكريم حفظة القرآن بكوم بكار: القدوة الحسنة ركيزة أساسية في تربية النشء    ترامب يعتزم توسيع الحصار البحري على إيران وإغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة    هل يجوز توزيع الأملاك بالتساوي بين الأبناء؟.. أمين الفتوى يجيب    فاضل 25 يوم.. موعد عيد الأضحى المبارك 2026 فلكيا    منير أديب يكتب: ردود فعل الإخوان على وفاة مختار نوح بين الأيديولوجيا والتحولات الأخلاقية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بلد شهادات صحيح: جمهورية «ورقستان».. مصر المحروسة سابقاً

«بلد شهادات صحيح» لم يكن الفنان عادل إمام وهو يطلق أحد أشهر «إفيهاته» يتصور أن دولة «الورق» سوف تظل على حالها بعد 50 عاما من «النكتة» المسرحية. أطلق الفنان «الإفيه» وضحك الجمهور وصفق البعض وانصرف كل إلى حال سبيله.
فى «وسط الزحمة» تفتح «المصرى اليوم» ملف جمهورية الورق الرسمى، وتكشف تفاصيل جديدة عن «الورق المضروب» و«الأوراق المستحيلة» تلك التى تجعل المصريين يقفون فى طابور غالبا ما ينتهى بكلمة «فوت علينا بكره».
 فى هذا الملف تستكشف «المصرى اليوم» كواليس «الضرب» وقسمة أمهات وأطفال وجدوا أنفسهم فجأة ضحايا لقوانين محفوظة فى «ثلاجة» الحكومة. يرصد هذا الملف دفتر أحوال المصريين فى الطريق إلى الورق الرسمى، يعيش معهم حالات «النصب» و«الفهلوة» ويتتبع نظرية «الشاى» و«الإكرامية» ليرسم خريطة تفصيلية لجمهورية ورقستان العربية التى كانت يوما ما «مصر المحروسة».
على باب مشيرة خطاب: أطفال فى انتظار «التأشيرة»
اعترف قانون الطفل الصادر عام 1996 وتعديلاته الأخيرة لعام 2008 بالطفل مجهول الهوية، وقام المجلس القومى للأمومة والطفولة بالمساهمة فى إصدار أول شهادة ميلاد تحمل اسم الأم الحقيقى ولا تحمل اسم الأب الحقيقى، حيث كان القانون قبل التعديل يعطى الحق للأب أو شخص من «العصب» بإصدار شهادة ميلاد الطفل مع اشتراط وجود عقد زواج رسمى.
كان الحل الوحيد فيما قبل القانون هو تحرير شهادة ميلاد «لقيط» للطفل تحمل اسمى أم وأب مقترحين حتى إذا كانت الأم موجودة. كان وجود القانون الجديد حلا لإحدى مشاكل أطفال الشوارع، ولأن الحكومة تنبهت بعد سنوات طويلة لمشكلة آلاف الأطفال الذين يعيشون دون شهادة ميلاد، ولأن القانون صدر بالفعل، خاضت «المصرى اليوم» رحلة للبحث عن «القانون التائه» فى أروقة المجلس القومى للأمومة والطفولة ومكاتب الصحة.
قررنا أن نخوض رحلة استخراج شهادة ميلاد باسم الأم فقط بصحبة دعاء عباس، المحامية بمشروع حماية الأطفال المعرضين للخطر، قالت دعاء إن لديها بالفعل فتاة صغيرة لم تتعد الخامسة عشرة من عمرها تعرضت لحادثة اغتصاب نتجت عنها طفلة بلا شهادة ميلاد.
الطفلة الآن فى شهرها السادس، وأمها فى دوامة البحث عن «المغتصب» وإصدار شهادة ميلاد. بدأت رحلتنا لاستخراج شهادة ميلاد باسم الأم من مكاتب الصحة، بدأنا من مكتب صحة مدينة العمال بإمبابة، حيث قابلنا مسؤول القيد هناك، أخبرناه بأن لدينا حالة لطفلة خارج مؤسسة الزواج وتحتاج شهادة ميلاد باسم الأم الحقيقى طبقا لقانون الطفل الجديد.
نظر إلينا الموظف قائلاً: «القانون ده هناك تلاقى حد راكنه فى درج فى مجلس الشعب، المجلس لسه ما قالش كلمته»، صمت الموظف قليلاً ثم أضاف: «ثم دى قوانين غربية يطبقوها فى أمريكا لكن هنا مافيش الكلام الفاضى ده.. ولو جاتلى أم عاوزة تعمل شهادة ميلاد باسمها حتى لو متجوزة رسمى هاقولها يحنن.. هاتى الأب أو حد من العصب.. القانون كده وأنا بطبق القانون».
لم ينف الموظف وجود «حالات خاصة بنسجل فيها العيل بأمر النيابة، لكن حتى لما ده بيحصل بيكتبوا جملة (يسجل حسب التعليمات) والتعليمات دى بتحددها وزارة الصحة بالقانون رقم 12 لسنة 1996 اللى متعلق على الحيطة، أما القانون الجديد فلسه بدرى أوى عليه».
ومن مكتب صحة مدينة العمال لمكتب صحة البوهى بالجيزة، الذى بدا مسؤول القيد به متعجباً بشدة من إصدار شهادة تحمل اسم الأم الحقيقية «إحنا منعرفش حاجة عن القانون ده، كل اللى أعرفه إن فيه ناس اقترحته وناس عارضته ولسه عليه مشاكل، بس المجلس ما قالش آه أو لأ، فالقانون اللى بتقولوا عنه ده (فشنك)، ولما بييجى عندنا أطفال غير شرعيين بنعمل لهم شهادات لقطاء، عملنا ده قريب مع حالات من مؤسسة العجوزة للفتيات، لأنها حاجة لوجه الله،
وكان المجلس القومى للأمومة والطفولة محولهم علينا فعملنا لهم شهادات ميلاد لقطاء اسم الأم فيها بتقترحه الصحة - رغم وجود الأم الحقيقية - واسم الأب بتقترحه النيابة، وبخلاف شهادات ميلاد اللقطاء لازم الأب بنفسه أو حد من العصب ويكون معاه قسيمة الزواج الرسمية هو اللى يطلع شهادة الميلاد، وده وفقا للقانون 12 لسنة 96، المادة رقم 15 اللى متعلقة فى كل مكاتب الصحة وحتى الجواز العرفى مش معترف بيه».
لم يختلف الحال فى مكتب صحة الجيزة ثان عن مثيله فى البوهى وإمبابة، الاختلاف الوحيد أن مسؤول القيد بدا مقدرا لأزمة الطفلة «أنا عارف إن دى كارثة، وسمعت إن فيه ناس حاولت تقترح قانون يصدر شهادات الميلاد باسم الأم وصفتها..
لكن لسه مافيش أى حاجة اتطبقت والقانون اتحفظ فى أدراج المكاتب، لأنه بيناسب أكتر المجتمعات الغربية، المشكلة بقى عندنا مش فى أطفال الشوارع وضحايا الاغتصاب بس، المشكلة كمان فى المتجوزين عرفى وده حصل قدامى، كان فيه حد متجوز رسمى بس معداش وقت بعد تاريخ قسيمة الجواز غير 6 شهور، وطبعا معرفناش نعمل له شهادة ميلاد لأن مدة الحمل المفترضة معديتش، فلو القانون ده موجود هيحل أزمات ناس كتير،
وأنا أتمنى يكون موجود! لكن مقدرش أخالف التعليمات اللى عندى، والتعليمات اللى عندى بتقول إنى أطبق قانون الطفل لسنة 96، حتى قانون 2008 مجلناش اللائحة التنفيذية بتاعته عشان نطبقه، واللى أعرفه إن المادة بتاعت إن الأم ممكن تطلع شهادة الميلاد لابنها مش من مواد القانون أصلا!».
وفى مكتب صحة الدقى.. عندما أخبرنا الموظف بحاجتنا لشهادة ميلاد الطفلة نظر إلى الورق وصمت طويلا ثم نطق بكلمة واحدة «معندناش»، وحين سألناه عن توضيح قال: «القانون لسه ما اتطبقش.. ولا حد عارف عنه حاجة»، هنا تدخلت موظفة فى الموضوع: «يا فندم القانون تم إقراره فعلا وعملنا شهادة ميلاد لحالة جات هنا من فترة».
لم تخرج الموظفة عن السياق العام ماركة «معندناش» فبعد إضافتها المهمة أردفت ساخرة: «والله البلد اتقدمت.. بقينا بنعمل حاجات ماكنش حد يتخيل إننا نعملها».
تحكى الموظفة التى رفضت نشر اسمها: «فى الأول ماكنتش أعرف لا القانون ولا المادة الجديدة اللى بتقول إن الأم تقدر تطلع شهادة ميلاد لابنها، لكن الحالة جات ومعاها محامية، ولما رفضنا نعمل الشهادة، المحامية جابت من مصلحة الأحوال المدنية ورقة بتقول إن فيه قانون جديد بيقول ده وان القانون محل التطبيق، طبعا مقدرناش نتكلم وسننا الواد وعملنا الشهادة.. إنتوا بقى تروحوا الأحوال تجيبوا ورقة زى دى وترجعوا ومعاكم نموذج 26 ساقط قيد وبطاقة الأم وبلاغ من المستشفى اللى ولدت فيها».
أما فى مكتب صحة العجوزة فقد قابلتنا موظفة منتقبة لم ترفع عينيها عن الورق، انتظرت حتى شرحنا الحالة ثم قالت: «مجتليش حاجة بكده، لازم مديرية الصحة تبعت تعليمات بده عشان ننفذه، أنا سمعت عن الكلام ده بس، ومعرفش إذا كان صح ولا غلط».
غادرنا مكاتب الصحة وبدأ الشك يساورنا، هل هناك قانون أصلا يسمح للأم باستخراج شهادة ميلاد لطفلها؟ هل إقرار القانون فى المجلس «مسرحية» لم يشاهدها موظفو السجل المدنى؟ هل يعود أطفال الشوارع مرة أخرى للمربع رقم صفر فيما يخص الأوراق الرسمية؟
حملنا الأسئلة كلها إلى المجلس القومى للأمومة والطفولة باعتبار أن المجلس قد صرح أكثر من مرة بمساعدته للكثيرات فى استخراج شهادات ميلاد لأطفالهن، على باب المجلس أخبرنا موظف الاستقبال أن السيدة سمية الألفى مسؤول العلاقات العامة بالمجلس هى الشخص الوحيد القادر على «حل المشكلة»..
فى الطريق إلى مكتب مسؤولة العلاقات العامة المخولة بحل المشاكل فوجئنا بموظف يخبرنا بأن مقابلة المسؤولة تحتاج لموعد مسبق، حاول الموظف الاتصال على هاتف مكتب سمية متوقعا عدم الرد، وهو ما كان بالفعل.
من دهاليز مكتب العلاقات العامة خرجت موظفة أخرى لتعيدنا إلى دوامة جديدة «المجلس بيحول الحالات اللى زى دى على جمعية حواء، وهناك بقى بيحاولوا يساعدوا، وفيه حل تانى ممكن يا تروحوا الجمعية يا تبعتوا الورق على الفاكس عندنا لحد ما مدام سمية تشوفه وتنظر فيه والمجلس يتصل بيكم يقول لكم تعملوا إيه»، وافقنا على حل الفاكس وارسلنا البيانات كاملة وانتظرنا أسبوعا دون رد، فلا الفاكس حل المشاكل ولا «السيدة المسؤولة» نظرت فى الأمر.
تحدثنا إلى المستشار خليل مصطفى، المستشار القانونى بالمجلس القومى للأمومة والطفولة، الذى أخبرنا بأن تعديل قانون الطفل لعام 2008 ينص بالفعل فى مادته الخامسة عشرة على حق الأم فى إصدار شهادة ميلاد لطفلها باعتبارها أحد الأشخاص المكلفين بالتبليغ عن الولادة شريطة إثبات العلاقة الزوجية على النحو الذى تبينه اللائحة التنفيذية، وهم ما لم يكن منصوصا عليه فى قانون الطفل قبل التعديل، والذى كان يشترط أن يكون حق التبليغ عن الولادة للأب فقط أو شخص من العصب.
وأضاف خليل أنه يعرف أن موظفى الصحة رغم إقرار القانون لا يطبقونه لأنهم «مش عارفين التطبيق إزاى لأن اللائحة لسه ما وصلتش المكاتب ومانقدرش نلومهم»، وعن إصدار اللائحة قال: «إن مشيرة خطاب وزيرة الأسرة والسكان، صرحت بأن اللائحة التنفيذية المفترض أنها قد انتهت.. بس ما اقدرش أعلن موعد إصدارها بصراحة».
انتهت الرحلة إلى النقطة رقم صفر، فالقانون خرج من المجلس إلى ثلاجة المجلس، واللائحة تنتظر مع أطفال وأمهات وضحايا حوادث الاغتصاب على باب الوزيرة فى انتظار الفرج.
محمد 7 سنوات دون شهادة ميلاد ومنى تبحث عن النسب منذ 4 أعوام
«أروح لمين» لم تكن تلك أغنية للسيدة أم كلثوم، لكنها حال مواطنة طحنتها الظروف وغاب عنها الزوج لتجد نفسها فى دوامة البحث عن لائحة تنفيذية لقانون الطفل الجديد. أم محمد زوجة وأم لأربعة أطفال، أما الأب فاعترف بأول طفلين، ومع المشاكل والضغوط قرر الهرب فجأة «سابنى أنا ومحمد ومنى من غير ورقة.. العيال أولاده وهو عارف بس الشيطان دخل بينا». ترك الأب بيته وتعلق 4 أطفال برقبة الأم.
لم تكن المشاكل فى حياة أم محمد اقتصادية فقط، فمع الظروف الطاحنة كان عليها أن تعيش جزءاً من دوامة «الحكومة». من مكتب صحة لمكتب محام، ومن جمعية أهلية لجمعية أخرى.. بحثت أم محمد عن حل لطفليها محمد ومنى «محمد عنده 7 سنين دلوقتى وعايش من غير شهادة ميلاد.. ومنى 4 سنين ومافيش ورقة واحدة تخصها فى مكتب الصحة ومش عارفة أعمل إيه.. قالوا فيه قانون جديد يخلينى أسجل العيلين دول باسمى وادينى قاعدة لما نشوف الحكومة هاتقول إيه..» وفى انتظار الحكومة كانت أم محمد ومنى تعيش أسوأ ظروف اقتصادية ممكنة، فى دولة يحكمها «الورق الرسمى» ووسط ظروف قاهرة تنتظر «ختم النسر» على شهادة ميلاد طفلين.
أم محمد لديها وثيقة زواج رسمية لكن قانون 1996 لا يعترف بحق الزوجة فى استخراج شهادة ميلاد لأطفالها، ورغم صدور قانون الطفل الجديد فى 2008 إلا أن أم محمد كان لها رأى فى القانون الجديد الذى ينتظر لائحة تنفيذية تعدها د. مشيرة خطاب وزير الأسرة والطفولة. «القانون مع الرجالة فى كل حاجة.
يعنى أبقى متجوزة وعلى ذمة راجل وعلى سنة الله ورسوله وعندى منه 4 عيال وما اقدرش اطلع لعيل حتة ورقة؟ فى شرع مين ده يا ناس».
طرقت أم محمد كل الأبواب، فلم تجد أى بارقة أمل «عملت نصبة شاى على ناصية شارعنا.. أمال أجيب أكل العيال دى منين.. بعد شوية المعايش بقت صعبة أوى والدنيا بقت نار ومافيش ورايا حد يسندنى ولا يسد جوع 4 عيال متعلقين فى رقبتى.. قعدت أفكر أعمل إيه بدل ما نموت من الجوع فقلت أخرج العيلين الكبار (15 و13 سنة) من التعليم اللى ما بقيتش قادرة على مصاريفه.. قلت يشتغلوا ويساعدونى أنا واخواتهم الصغيرين.. جبت لهم كرتونة مناديل يبيعوها فى إشارات المرور وقدام الجوامع وفى الشارع أهو نواية تسند الزير.. بقوا يطلعوا من الصبح معايا أنا أروح على النصبة وهما يروحوا على الشارع ونرجع بعد كدا البيت بكام جنيه يادوبك نعيش بيهم».
ابنا أم محمد الخارجان للشارع تعرفا على جمعية كاريتاس بالجيزة بصدفة غريبة جمعتهما مع أطفال الشوارع، هناك فى حوارى الجيزة الضيقة عرفت أطفال الشوارع قصة الأسرة ودلوا الطفلين على الجمعية.
ذهب الطفلان إلى «كاريتاس».. حكوا كل شىء.. الفقر ومشكلة الأوراق والخروج من التعليم. الجمعية ذهبت إلى الأم وأقنعتها بضرورة انتظام الطفلين فى المدرسة وتكفلت «كاريتاس» بالنفقات.. فيما بدا الحل الوحيد أمام أم محمد وطفليها الآخرين رفع دعوى ضد الوالد لعل القضاء يكون أسرع من قانون الطفل التائه فى كواليس وزارة الأسرة.
طفلة معاقة ذهنياً أصبحت أماً بعد حادث اغتصاب: مى تنتظر «فرج الحكومة»
رغم سنواتها الست عشرة خرجت إلى الشارع لتلعب مع «العيال».. فتاة معاقة ذهنيا فقدت الأب، ورعتها عيون الأم والخال من بعيد لبعيد. مى لم تكن تعرف من الدنيا سوى اللعب والبيت، طفلة بالمعنى الحرفى، جعلها المرض دون هموم، حتى عادت إلى المنزل مجهدة لا تقوى على الحركة والسبب «حمل» ناتج عن اغتصاب.
فى البيت لاحظت الأم آلام مى، ولم تمر سوى أيام حتى بدأت أعراض غريبة تظهر على الفتاة المعاقة ذهنيا، قىء ودوخة، وارتفاع فى درجة الحرارة « قلت نروح للدكتور مع إننا ما بنروحش إلا فى الشديد القوى هكذا قررت والدة مى أن تذهب للطبيب كى تطمئن على حالة الصغيرة التى أصبحت ترفض «اللعب مع العيال». فى العيادة كانت المفاجأة «مى حامل فى الخامس»، عبارة نطقها الطبيب زلزلت الأم الريفية.
تلقت الأم الخبر بصبر من تعودت على الكوارث، خاصة بعد رحيل «السند»، لن تلوم ابنتها لأنها تعرف جيدا أنها لا تدرك شيئا.. فالطفلة لا تدرك شيئا، ولا تفهم ما الذى حدث ولا من انتهك جسدها بهذا الشكل. لجأت الأم إلى أخيها تشركه فى كارثة ابنتها، «لو كان أبوها موجوداً كنت اترميت عليه.. لكن نعمل إيه الخال والد والحمل تقيل والبت عيانة وحامل والغلابة ماحدش بيسمعهم ومالهومش فى الدنيا غير بعض».
تجاوز الخال صدمته بسرعة وحرر محضرا بالواقعة التى قيدت ضد مجهول حيث لم تتعرف الفتاة ولا الشرطة على أى مشتبه فيه. لم يكن أمام الخال حل إلا رعاية الطفلة وأمها «ساعدنا.. ربنا يكفيه شر المرض.. مالناش غيره والعيلة الغلبانة دى عاوزة اللى يراعيها والحمل مصاريف.. إحنا مالنا ومال الغلب ده كله يارب».
عاشت مى فى بيئة خاصة، الأم حزينة تحاول أن تصمد، والخال «مافيش بيده حاجة يعملها» بعد المحضر سوى انتظار الفرج. وضعت مى طفلتها بهدوء فى بيت الأسرة، تعلمت الطفلة المعاقة كيف تحتضن ابنتها 4 أعوام، استبدلت الشارع و«العيال» واللعب بطفلة خرجت للحياة دون أب يحميها ولا أم سليمة ترعاها. كانت جدة الطفلة تقوم بدورين ، تحمى مى من نفسها، وترعى الطفلة التى أصبحت رغما عن الجميع جزءا من أسرة لا تريد من الدنيا سوى الستر.
4 أعوام كاملة لم يفكر أحد فى إصدار شهادة ميلاد لطفلة مى، فالأب أو أحد أقاربه المباشرين من «العصب» يحتكرون حق استخراج الشهادة، ولأن الأم لا تعرف أبا لطفلتها، ولأن قانون الطفل كان مجرد همسات فى أروقة مجلس الشعب كان على مى أن تحمل طفلتها دون أوراق رسمية طيلة 4 أعوام.
بالمصادفة عرف الخال بصدور قانون الطفل الجديد الذى يسمح للمرأة بتسجيل الطفل باسمها.
على الفور بحث عن الخط الساخن حتى وصل إلى الوحدة القانونية لشبكة الجمعيات المعنية برعاية الأطفال مجهولى النسب والتى ترعاها اليونيسيف.
فى الشبكة كانت حالة مى وطفلتها أمام محمد على، المحامى، عضو الوحدة القانونية، «لم يكن هناك أدنى أمل فى استخراج شهادة ميلاد لطفلة مى، كان أمامى حل قانونى وحيد وهو رفع دعوى نسب للطفلة، لكن ضد من أرفع الدعوى ومى لا تعرف من انتهكها بهذا الشكل رغم اعاقتها ويتمها؟!..
كان الحل أن نجلس وننتظر الفرج حتى صدر بالفعل قانون الطفل الجديد فى 2008 وتفاءلنا خيراً.. لكن الوضع لايزال ضبابيا، خاصة أن القانون بحاجة للائحة تنفيذية لتفعيله وهى اللائحة التى لم تصدر حتى الآن رغم أنه من المتعارف عليه أن تصدر اللائحة فى خلال 6 أشهر من صدور القانون».
الآن تجلس مى فى دارها تلعب مع طفلتها دون أن تعى أن مأساتها مع الأوراق الرسمية يمكن أن تنتهى لو أن يدا خفية فتحت درج الوزيرة وأخرجت اللائحة المجمدة إلى مسارها الطبيعى.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.