الأمين العام لمجلس التعاون يدين الهجوم الإرهابي على مطار أبها السعودي    نيكي يرتفع لكن المكاسب محدودة مع ترقب المستثمرين لقمة العشرين    أمير الكويت: الهجوم الإرهابي على مطار أبها انتهاك للأعراف الدولية وتهديد لاستقرار المنطقة    رمزي: حققنا هدفنا في ضربة البداية أمام زيمبابوي رغم صعوبة المباراة    فيديو| الأرصاد تحذر: موجة حارة حتى نهاية الأسبوع    بإطلالة رياضية ...منة فضالى تستعرض رشاقتها    فيلم Toy Story يتصدر ال بوكس أوفيس بايرادات تفوق ال100 مليون..فيديو    تطوير مزيج دوائي يكافح السبب الرئيسي للتقزم    ارتفاع معدلات استخدام الماريجوانا والحشيش بين المراهقين في أمريكا    ننشر أسعار الأسماك في سوق العبور اليوم 24 يونيو    الكان 2019 في مصر.. ماذا قالوا عن مباريات اليوم؟    رئيس الوزراء يلتقي كبار مسئولي «مرسيدس» و«بوش» في مستهل زيارته لألمانيا    «صندوق العشوائيات»: تطوير 150 وحدة سكنية خطرة بتكلفة 20 مليار جنيه..وإنهاء المشروع نهاية 2019    تقرير للكونجرس يشيد بتوجيهات الرئيس السيسي لتعزيز الحماية لضحايا الإتجار بالبشر    صح الإسناد وفسد المعنى.. حقيقة القول بوجود عوالم أخرى ورسول ك محمد.. فيديو    الأمين العام للأمم المتحدة يعرب عن قلقه إزاء الوضع في إثيوبيا    المالية : لا مساس برغيف الخبز.. أبرز أخبار صباح البلد.. فيديو    استاد السويس يتزين لاستقبال مباريات المجموعة الخامسة بكأس الأمم    خصم أسبوع.. مذكرة ضد 48 عضو هيئة تدريس الأزهر لتغيبهم عن الامتحانات    السيسي يؤكد ضرورة الالتزام بالجدول الزمني لتنفيذ المتحف الكبير وتشغيله طبقاً للمعايير العالمية    حملات مرورية لرصد متعاطى المواد المخدرة أعلى الطرق السريعة    «أحداث العدوة وتهرُّب بوسي».. أبرز محاكمات اليوم    بدء امتحان مادة التفسير لطلاب الثانوية الأزهرية القسم العلمى    السيارات الصغيرة في أوروبا مهددة بالإنقراض    «التموين» تنتهي اليوم من صرف السلع المدعمة ضمن مقررات يونيو    فنان مصري ل"ميريام فارس": فين فلوسي اللي عليكي؟    بالفيديو| أنغام في حفل جدة: "لخامس مرة.. وخمسة في عين الحسود".. وتركي يعلق    فوز ولد الغزواني بانتخابات الرئاسة في موريتانيا    زلزال يضرب مدينة روما بإيطاليا بقوّة 3.7 درجات    حدث في مثل هذا اليوم.. ولد الأسطورة ليونيل ميسي    فيديو| ملخص لمسات وأهداف جميع مباريات أمم أفريقيا أمس الأحد    هكذا تصرف محمد صلاح مع عمرو وردة بعد أزمة التحرش    صور| انتبه من منح بعض التطبيقات أذن الوصول لبياناتك الشخصية.. وهذه طريقة حذفها    خلال الاحتفال بتخريج دفعة من طلاب كلية الهندسة .. محافظ أسيوط يشيد بخريجي الجامعة المتميزين    منظمة الصحة العالمية ترحب بالدعم المقدم من اليابان لحماية صحة المصريين    التحالف العربي يكشف جنسيات جرحى "هجوم مطار أبها"    المصرية الفائزة بجائزة أفضل مغنية أوبرا من باريس: معلم وراء دخولي المجال    في عيد ميلاده 32.."سوبر كورة" يرصد بالصور أبرز 10 محطات فى حياة البرغوث    انتشال جثة طفلين من إحدى ترع دمياط    بالأرقام .. تعرف على عدد قرارات إزالة التعديات على أراضى الدولة التى نفذتها مديريات الأمن    رئيس جمهورية موريتانيا يحضر لمؤازرة منتخب بلاده في كأس الأمم الإفريقية    الجزائر ومريام فارس وهنا الزاهد.. أبرز ما بحث عنه المصريون الليلة    مقترح برلمانى بإنشاء مصنع لإنتاج أدوية منع الحمل لمواجهة «النقص الحاد» لها    وزارة الشباب والرياضة تطلق ملتقى الشباب الأفريقي الأول لروّاد الأعمال بأسوان    تباين آراء المحللين حول مواصلة تنفيذ برنامج الطروحات    هاني شاكر يكشف ما تم مع ميريام فارس بعد تصريحاتها المسيئة    فيديو| أديب عن فوز المعارضة أكرم أوغلو للمرة الثانية باسطنبول: أردوغان خد على قفاه تاني    فيديو| مرتضى منصور: المنظمات الحقوقية لديهم تحيز أعمى للإخوان وإسرائيل    فهد كمال مشرفا على وحدة تصميم وتطوير البرمجيات بجامعة بني سويف    أستكمال البنية التكنولوجية للمدارس المنشأة حديثًا بالفيوم    فيديو| "علاج الإدمان": نعمل لتوعية الجماهير من داخل المدرجات    الجزائر تكتفي بثنائية في كينيا بأمم أفريقيا    «بيت العائلة» يعقد ورشًا تدريبية للوعاظ والقساوسة حول تقوية الترابط الأسري    حظك اليوم الإثنين 24-6-2019 برج الثور على الصعيد المهني والعاطفي    آية في القرآن من 19 حرفا تغلق أبواب جهنم.. تعرف عليها    رد مفحم من رمضان عبدالمعز على الزاعمين بوجود أخطاء لغوية في القرآن| فيديو    رمضان عبدالمعز: هذه الآية تغلق أمامك أبواب النار | فيديو    حكم صلاة العيد فى المنزل    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





قبل أن ننسى فضيحة زهرة الخشخاش.. الصحافة الثقافية فشلت فى التعبير عما حدث فيما نجحت الصحف المستقلة والحزبية.. ومازلنا أسرى لأصحاب الثقة لا الخبرة
نشر في اليوم السابع يوم 12 - 12 - 2010

إشكالية الصراع الذى حدث حول قضية مثل فضيحة سرقة لوحة فان جوخ فى صيف هذا العام 2010، تقترب بنا من طبيعة الصراع فى الصحافة الثقافية، وقبل أن نتمهل عند طبيعة هذا الصراع بين النخبة الموالية والنخبة الواعية، لابد أن نتمهل عند الوسيلة التى حاولت فيها كل جهة الدفاع عن أفكارها ومواقفها، ونقصد التمهل عند الصحافة الثقافية، التى كانت محور الصراع.
وهو ما يعيد طرح السؤال: ما ملامح سرقة لوحة زهرة الخشخاش فى عالم الصحافة الثقافية؟
للإجابة عن السؤال، لابد من التوقف عند بعض هذه القضايا التى أثيرت فور اكتشاف السرقة:
أولاً، ملامح "الصحافة الثقافية":
الأحداث تشير إلى أنه أعلن عن سرقة اللوحة فى بدايات سبتمبر.. وتوالت ردود الأفعال لتكشف هذه العلاقة الملتبسة فى عالم الصحافة الثقافية فى عديد من الخطوط العامة.
تتباين أشكال تناول القضية، سواء فى الصحف الخاصة والحزبية أو الصحف القومية، بيد أن نبرة الغضب كانت أكثر وضوحاً فى الصحف الخاصة، بحثاً عن المسئول عن ضياع اللوحة كرمز للفضيحة.
فى الصحف الخاصة والحزبية يتم التركيز بعنف على درجات الإهمال التى تصل إلى درجة التخاذل والارتياب، ومن هنا، تناثرت على صفحات هذه الصحف ألفاظ: كالفضيحة واللوحات المسروقة والفضائح من كاميرات المراقبة وأجهزة الإنذار المعطلة منذ 6 سنوات، وعدم ترميم هذا المتحف أو ذاك المتحف منذ أربعة أشهر وتجديد الأجهزة عن عدم والاتهامات المتبادلة بين الوزير والعاملين معه، وعادت ترتفع دعوات غاضبة لما حدث من تحقيقات النيابة العامة المصرية فقد خفضت إدارة المتحف عدد العناصر الأمنية إلى عنصر أمنى واحد وفق ما ورد فى الوكالة، كما تكرر الإشارة إلى تعطل 30 كاميرا مراقبة من إجمالى 47 كاميرا موجودة فى المتحف، فضلاً عن الثقافة المصرى فاروق حسنى ب"الإهمال"، فضلاً عن عدم كفاءة تدابير الحماية والأمان لممتلكات العديد من المتاحف المصرية فى قطاعى الآثار والفنون التشكيلية والتى تصل قيمتها إلى مئات مليارات الدولارات، وما إلى ذلك.
رحنا نشهد تصاعد هذا الغضب مع إعلان تشكيل لجان وتجديد النيابة العامة وتقرر حبس رئيس قطاع الفنون التشكيلية محمد شعلان وخمسة من العاملين معه لمدة 15 يوما بتهمة الإهمال والإضرار بالممتلكات العامة، وفى حين بدا موقف وزير الثقافة ومعاونيه يلقى التهم على المسئول الأول عن المعرض، راح هذا المسئول- شعلان- يتهم وزير الثقافة المصرى فى مذكرة تقدم بها محاميه إلى النيابة "بالإهمال وانتهاج سياسة إدارية فاشلة أدت إلى وصول المتاحف إلى حالة متردية"، مؤكداً على أن "إهمال الوزير هو السبب المباشر فى سرقة لوحة زهرة الخشخاش"، وأكد شعلان فى مذكرته أن "تركيز الوزير على تشييد المتحف المصرى الكبير ومتحف الحضارات وحجز مئات الملايين من الجنيهات لضمان بقائه فى الوزارة إلى 20 عاماً مقبلة، كل هذا جاء على حساب المتاحف القائمة وحالة الإهمال التى تعيشها".
واتهم شعلان حسنى ب"تجاهل إعادة فتح وترميم متحف الجزيرة، الذى يضم أكثر من أربعة آلاف لوحة مهمة، وكذلك متحف حسين صبحى الذى يضم عددا مهما من اللوحات والأعمال العالمية التى بقيت مهدرة فى القبو تحت السلم معرضة للرطوبة والعوامل السيئة".
وتعالت رياح الاتهامات وصور الغضب إلى درجة بعيدة حتى أن معاون شعلان راح يلقى اتهاماته خاصة على وزير الثقافة، وحتى أن ردود الأفعال الغاضبة فى الصحف الحزبية ارتفعت إلى درجة أن بعض هذه الصحف تقدم "حيثيات إقالة فاروق حسنى"، حين يشير خالد السرجانى إلى أن الوزير "لا يحترم القانون الذى أقسم على احترامه أمام رئيس الجمهورية، ولعل تصريحه لإحدى الصحف مؤخراً، عندما قال: «القانون حاجة والخبرة حاجة تانية» وهو ما يعنى أنه لا يحترم القانون الذى تم تشريعه من أجل صالح المجتمع، وهذا القانون ينفذ فى جميع الوزارات لكنه جعل نفسه فوق القانون، وكل ذلك من أجل تبرير إبقائه على موظف فى الوزارة بالمخالفة للقانون، وهذا الموظف كل قيمته عند الوزير ليس فى خبرته الثقافية الواسعة، وإنما فى أنه كاتم أسراره ومدير مطبخ عملياته المتعددة التى تتمثل، سواء فى الهروب من أى مسئولية أو فى التنكيل بمن يريد أو مكافأة من يريد أيضا. وهنا توجد ازدواجية فى الأسباب التى تتطلب إقالة الوزير تتمثل فى أنه لم يحترم القانون الذى أقسم على احترامه والعمل به، وفى أنه لا يستطيع أن يجد فى الوزارة من يحل محل موظف وصل إلى سن المعاش منذ سبع سنوات.
كما ثانى حيثيات إقالة الوزير، "فتتمثل فى أنه لا يدرك ولا يعرف مهمات الوزير، فهو فى أكثر من موضع يؤكد أن مهمته تتمثل فى وضع السياسات، ولا يدرك أن الوزير مسئول عن كل ما يجرى فى وزارته، فهو بالطبع يضع السياسات لكنه من المفروض أن يشرف على تنفيذها، وهو مسئول أدبيا وسياسيا عن كل موظف لديه فلو حصل موظف صغير على رشوة مثلا، فإن الوزير أى وزير مسئول عن موظفيه، لكن «الوزير الفنان» يتصور أنه وضع فى الوزارة تكريما له أو للقيام بأعمال أخرى لعلية القوم الذين يسندونه على الرغم مما حدث فى وزارته من جرائم وسرقات، إلى غير ذلك من الحيثيات التى تتمثل فى إهداره للمال العام وفشل عبر أكثر من عقدين فى إبراز الصف الثانى، وما الى ذلك.
ورغم أن صوت بعض هذه الصحف بدا أكثر هدوء ، فقد كان يعلو من آن لآخر صور هذا الإهمال والغضب فى أصوات سعد هجرس وعلاء الأسوانى وصبرى حافظ وعبد المنعم رمضان ومختار نوح وسكينة فؤاد، وغيرهم من شتى التيارات.
وعلى الجانب الآخر تناولت الصحف القومية القضية من منظور أكثر هدوءا، سواء فى كتابات الكتاب أو عبر نشر محاضر التحقيق، وإن كان أكثر وعياً بالموقف.
وكان هذا الموقف ينطلق فى الأساس الأول من طبيعة الانتماء للسلطة ودرجة التعاون "الكيفى" مع أصحاب القرار كان رد الفعل الآن من جانب المثقف"العضوى"، الذى ينتمى بشكل رسمى بالدولة، ولكنه ينتمى لوعى المثقف لما يحدث حوله.
إن السمة التى كانت تبدو أكثر وضوحاً ووعياً هنا كان الغضب الهادى، هو التأمل فى الظاهرة، والوصول إلى درجات التعبير عبر الرمز الدال للوجه الآخر لظاهرة الإهمال والسرقة، فان د.عبد المنعم سعيد – الأهرام- راح يعيد صياغة رد فعله فى تأمل "الوجه الآخر لزهرة الخشخاشّ!!"- وهو عنوان ما كتب متمهلاً فى مسح غبار الموقف المفاجئ على هذا الوجه:
"مع كل التقدير لفداحة الخطب فى سرقة لوحة أزهار الخشخاش, فإن الخطب الأكبر هو السرقة الكبرى للروح الفنية لدى المصريين التى تمت من خلال عملية تجريف مستمرة للجمال والحس الرفيع على مدى العقود الماضية حتى إن عدد زوار المتحف يوم السرقة العظمى كان أحد عشر فردا كلهم من جنسيات أجنبية ولم يكن بينهم مصرى واحد".
كان الرجل مأخوذا بالدلالة الأبعد لسرقة لوحة فنية، لا يستهان بثمنها لكنه يقدر – أكثر – معنى الدلالة الأبعد لسرقة لوحة فنية فى وضح النهار، وهذا المعنى يصل إلى الذوق العام إلى الذوق الخاص ، يضيف إلى السرقة بمعناها الحقيقى سببا أكثر دلالة لما أصبحنا عليه، لم تعد"الذائقة" الفنية أو الحضارية باقية فى الوجدان لا الشعبى، أنه يعبر من الظاهرة بمعناها العام إلى الدلالة فى معناها المضمر الأكثر حزناً لما حدث للوجدان.
"فلم تعد المبانى والمنشآت الحكومية تعرف الجمال المعمارى, ولا فضيلة اقتناء الأعمال الفنية سواء لمصريين أو أجانب، ويشكل ما جرى نوع من الاتفاق السرى على منع التماثيل والأعمال الفنية التصويرية من دخول مجمعات الدولة، وسرعان ما حل محل الفكر الجمالى أنواع من الفن الإسلامى الذى لم يكن فنا لأنه لا يعتمد على انطلاق تلقائية الفنان وذاتيته, وإنما كان أقرب إلى الصناعة; ولا إسلامياً، لأنه لم يعط الرسالة المقدسة طابعاً فنياً خاصاً يعبر عما فيها من حلال وسماحة مقتصرا فقط على ما فيها من عبارات مع تزيينها بصناعة الأرابيسك الشائعة التى تحيط بأسماء الله الحسنى حتى باتت أداة تعليمية أكثر مما هى فن يجذب القلوب ويرهف الوجدان".
إنه يلاحظ هنا أن عملية التجريف التى حدثت لم تتوقف عند التجريف الحكومى وحسب، وإنما امتدت إلى التجريف العقلى فى التعليم، أنه الواقع المحزن لهذا الواقع الذى يحدده فى الظاهرة من أنه "بعد أن كان التذوق الفنى جزءا من دروس الرسم وحصص الأشغال فقد صار الموضوع كله وسط مدارس تعمل لثلاث فترات أكبر من طاقتها بكثير، فتجد أن الاستغناء عن ذلك كله نوع من الفطنة، وهكذا تواردت على المدارس كلها ثقافة تنظر إلى الفن كما لو أنه مجرد استكمال للصورة الحضارية وليس جوهرها".
على أن التجريف لم يتمهل عند مراحل التعليم أو فئات مهنية من الشعب وحسب، وإنما تسلل إلى الطبقة المثقفة و الواعية بقيمة الفن وإلى طبقة الاقتصاد الراعية لروح الفن، إلى الفئة التى يمكن أن نطق عليها المثقفين "إن التجريف هنا طال أكثر من فئة" التجريف لم يكن كله عاما وله علاقة بالحكومة, ولكنه أيضا تسلل إلى الطبقة الثقافية والاقتصادية فى البلاد "فبالنسبة لتلك الثقافة فإنها سرعان ما تخلصت أو قلصت من المساحات المخصصة للأعمال الفنية وتقديرها وتقييمها, وما تبقى منها لم يزد على كونه رصيدا احتياطيا يتم التضحية به عند أول حدث يتطلب مساحة فى الصحافة المطبوعة أو وقتا فى الصحافة المرئية والمسموعة، أما النخبة الاقتصادية فقد توقفت بدورها عن الاقتناء".
الكارثة امتدت لتلحق بالعقلية المصرية سواء المثقفة منها أو الاقتصادية، وأصبح الواقع الردئ هو سمة الفترة التى نعيش فيها اليوم.
وهو المعنى الذى أشار إليه أكثر من مرة المسئول الأول لجريدة رسمية.. إن غياب ثقافة الذوق الحضارى أضيف إليها ثقافة من نوع آخر، ثقافة يطلق عليها نبيل عبد الفتاح "ثقافة الإهمال واللا مبالاة بالرأسمال الرمزى للأمة والدولة، لقد أسرع الكاتب من افتقاد الروح الفنية إلى افتقاد روح الأمن عبر عرضه لعديد من الأسئلة تحت عنوان ما كتب "سرقة زهرة الخشخاش.. أسئلة، أسئلة، أسئلة الحقيقة!".
لقد راح الكاتب ينطلق من ظاهرة سلبية إلى عديد من الظواهر التى يعكسها الواقع المصرى اليوم من ظاهرة المكاتبات الرسمية لهذا المتحف أو التدليل على الاهتمام الرسمى بهذا الجهاز إلى أسئلة راهنة عبر عنها بأنها أسئلة راهنة وراءها شلال متدفق من العديد من الأسئلة الحاملة لهموم وأحزان المصريين وكلها تقود إلى أننا نواجه لحظة الحقيقة، حقيقة فشلنا وكذبنا ونفاقنا وضعف الكفاءات والفهلوة وا.. وا.. على نحو جماعى، والاستثناءات قليلة! فلنفتح ملف أسئلة الحقيقة! لقد حان وقت الحقيقة".
أن الكاتب هنا عبر القضايا الجانبية والاتهامات المتبادلة والغيامات المتناثرة فى ظاهرة محددة إلى المعنى الأبعد والأكثر دلالة فى هذا المنعطف الصعب الذى نعيش فيه جميعا الآن.. بيد أن الأمور تعود إلى الغضب المباشر إذا اقتربنا من الظاهرة أكثر
ظاهرة تغييب المسئولية وتحميلها للغيب إذا اقتربت الأمور من حد الخطر والمحاسبة.
* ثانيا: حيلة اللامركزية
ما كاد يعلن عن السرقة وتتوجه سهام الاتهام إلى وزير الثقافة حتى راح الوزير ينفى عن نفسه التهمة بعنف شديد مردداً أنه كان يتلمس دائماً اللامركزية فى القطاعات الفنية والثقافية حوله.. فبعد الإعلان عن السرقة راح يردد عبارات عامة من مثل "قدمت لجهات التحقيق ملفا كاملا من المستندات التى تؤكد عدد محاولات لتوفير أموال لصيانة المتحف ومذكرات موجهة للوزير ومدير مكتبه فاروق عبد السلام بطلب ضرورة الإسراع فى توفير أربعين مليون جنيه لصيانة وإحلال وتجديد أجهزة المراقبة والإنذار لعدد من المتاحف أولها متحف محمود خليل وكل محاولاتى تجمدت فى مكتب الوزير ولم يستدعِنى مرة واحدة لمناقشة خطورة الموقف فى الوقت الذى نجده حريصاً على الإعلان بأن المتحف المصرى الكبير ومتحف الحضارة الجديد سيتكلفان ملايين الجنيهات!! والسؤال: لماذا لم يسع الوزير إلى خصم أربعين مليونا من ميزانيات هذه المتاحف لإنقاذ الوضع فى متحف محمود خليل؟".
وقد تردد هذا السؤال كثيراً بعد ذلك، خاصة بعد أن زادت سكاكين الوزير ضد المتهم ، فراح المسئول الأول عن المتحف –محسن شعلان – يصرح من محبسه بعد أن أحيل و10 من المسئولين إلى المحكمة الجنائية أمام محكمة الجنح- أن الوزير المهتم بمتابعة إنجازات القطاع رغم كثافتها وحراكها الشديد، وأن فاروق حسنى كان يدير الوزارة بميوله الشخصية ويقرب أهل الثقة من المحيطين به، ولا يهتم كثيراً بأصحاب الخبرات والإنجازات، فهو خبير فى انتقاء أجود أنواع رابطات العنق الحريرية المشتراة من بيوت الموضة العالمية.. وهل يعقل أن فاروق عبد السلام – يدير العديد والعديد من مهام الوزارة"، بل إن إحساس المتهم بالظلم الذى وقع عليه جعله يصيح من وراء القضبان:
- تمت مؤامرة لتقديمى كبش فداء والتخلص منى حتى لا ينشغل الرأى العام بالبحث عن إدانة للوزير ومحاسبته فتصور هو أنه يقدم لهم محاكمة كاملة وحكم كامل وكبش فداء طازج، يا سادة: أنا (مصطفى علوى 2010) ومحرقة بنى سويف هى (خشخاش2010) نفس السيناريو كارثة وشماعة تعد بسرعة فائقة لتقدم أمام جهات التحقيق مستوفاة، والمشكلة يا سادة ليست فى العدالة، لكنها فى خفافيش الظلام وطباخى الظلم المحبك.
وهذا المعنى هو ما ظل يردده المتهم الأول، ويكتب من محبسه فيما يشبه الاعتراف:
- حين توليت مهام وظيفتى كرئيس لقطاع الفنون التشكيلية منذ أربع سنوات مضت.. تسلمت ميراثاً متردياً متهالكاً نالته أيدى الإهمال والخمول والعبث بكل إحكام، فكل المتاحف تنذر بكارثة مؤكدة.. لم تتم أى إجراءات صيانة أو ترميم أو تحديث للآلات والمعدات والأجهزة.. مشروعات مفتوحة تسير سير السلحفاة، إما بفعل التراخى أو بفعل ضعف الميزانيات والمخصصات المالية الشحيحة.
وبعد أن يعرض للإهمال الجسيم لكل القطاعات فى وزارة الثقافة حتى إذا ما انتهى إلى السطور الأخيرة راح يكتب:
- وكما رأينا حال المتاحف وحجم الكوارث المتربصة بها عند رئاستى للقطاع، الأمر الذى جعلنى أشعر طوال الوقت بأننى ألهث راكضاً لمنع مفاجآت مؤسفة يمكن أن تحدث فى أى لحظة.. وكنت أتوقع حريقاً مثلاً فى مخازن «الجزيرة» المكدس بها أربعة آلاف عمل منذ 22 عاماً دون أى حماية أو أمن أو مراقبة، أو كنت أتوقع انهيار مكتبة البلدية بالإسكندرية على رؤوس العاملين، أو سقوط مبنى زعماء الثورة لينهار، فاتهم بأنى بددت تاريخ الثورة أو أنى متآمر ضد كنوز هذا الوطن، أو كنت أتوقع سرقة بأحد المتاحف أو لكتاب وصف مصر.
إنه كان سباقاً مع الزمن فى ظل إهمال متوارث وخمول عشش فى العقول والقرائح.. وحمداً لله لقد أنقذت العديد والعديد من هذه الكنوز من أعمال متحف الجزيرة وأعمال متحف حسين صبحى، (ومنها أعمال عالمية لا تقدر بثمن) ومبنى الثورة وقصر عائشة فهمى ومتحف طه حسين وحتى متحف محمود خليل.
ولولا أنى جهزت لمقتنياته موقعاً ضمن مخازن الجزيرة ما استطاع الوزير الآن أن يأمر بإغلاق، ثم راح المسئول عن المتحف يتأنى فى سطوره الاخيرة قائلا:
- ولو أن الوزير كان قد استجاب وعمل على توفير ميزانيات لتطويره ما حدثت السرقة، ولو أن الوزير كان قد ترجل يوماً لتفقد متحف محمود خليل فقط من باب الاطمئنان ما كان الوضع ظل كذلك خلال 15 عاماً تدهور فيها المتحف لفقدانه الأب الشرعى الذى يكفل له الأمان والحماية.
وعلى هذا النحو، فان مراجعة جلسات المحكمة ومراجعة العديد من اعترافات الصحف بعد ذلك راحت تشير الى ان المسئولية الأولى كانت تقع على الوزير وليس هو الذى يردد انه وراء المسئول عن المحرقة السابقة فى بنى سويف أو المحرقة الأخيرة فى قطاع الفنون التشكيلية.
وكان أكثر ما يلفت النظر فى التحقيقات التى استمرت فترة بعد ذلك أن الوزير كان فى كل مرة يخلى مسئوليته عما حدث، رغم أن النظرة العامة تشير إلى هذه المسئولية؛ بل إن أوراق التحقيقات التى استمرت لشهر بعد ذلك كانت تشير- كما رددت المحاضر القانونية - إلى ضرورة اعتبار "وزير الثقافة كمتهم أول فى القضية"وإدخال فاروق حسنى وزير الثقافة كمتهم وتكليف النيابة بضم المحضر المحرر من قبل الشرطة بشأن حريق شب فى قطاع الفنون التشكيلية فى ذات التوقيت الذى تم فيه سرقة اللوحة وتصريح بإعلام سالم صلاح المدير العام السابق للمتحف والذى كشف أوجه القصور والإهمال داخل المتحف".
الأكثر من هذا أن القانونى الذى كان يترافع فى القضية "طلب إعادة التحقيقات إلى النيابة العامة مرة أخرى لإدخال وزير الثقافة وفاروق عبد السلام، وطلب سرعة استدعائه وسؤاله حول ملابسات وظروف عمليات الإهمال والتقصير التى أدت إلى سرقة اللوحة".
كانت القضية لدى الوزير – إذن – اتهام غيره بالإهمال والخروج من القضية كشاهد رغم أنه المتهم الأول وهو ما بدا فى صيحات الوزير عبر الصحف وفى المنتديات وأمام الكاميرات التى استدعاها خصيصا لينفى التهمة عن نفسه، مؤكداً أنه كان ينمى اللامركزية ويخفى الإهمال الحاد فى موقفه.
ورغم أن ذلك كان يردد لإخفاء مسئولية الوزير أو الاختفاء وراء أقنعة اللامركزية ليهرب من مسئوليته كمتهم أول فيما يحدث لأكثر من عشرين عاما فى مجال الثقافة، فقد فطن العديد من المراقبين والكتاب بحيدة تامة إلى ذلك، ورغم أن الأصوات تصاعدت بعنف ضد مواقف الوزير واتهاماته، فنحن نكتفى هنا بتأكيد د.على السلمى الذى كتب تحت عنوان: اللامركزية..لا تعفى الوزير من المسئولية.
كان الكاتب المحايد واعياً بسعى الوزير منذ سرقة اللوحة بدفع التهمة عن نفسه بمقولة انه يطبق نظام المركزية وأن المسئولية بالتالى يتحملها رؤساء القطاعات الذين فوضهم فى اختصاصه ومنحهم كثيراً من صلاحيات الوزير.
وعبورا فوق العديد من صياح وزير الثقافة وغضب المراقبين له من الكتاب والمثقفين، كانت اللامركزية تظل هى القناع الزائف الذى يرتديه دائما فى كل كارثة، ليظهر بدور آخر ليس له علاقة به.. وقد راح يرتدى هذا القناع فى التحقيقات التى أجريت معه حين قال رداً على الاتهامات القانونية ضده؛ ونحن نعتذر عن ترك اعترافه الطويل أمام المتلقى لخطورته، ففى التحقيقات التى أجريت معه راح يراوغ فى أسلوب الرقابة، فيقول بالحرف:
- الأسلوب المتبع فى الرقابة هو اللامركزية بمعنى إننى أعطى كل رئيس قطاع الحرية الكاملة إدارياً وهو الذى يعتمد المركز المالى للقطاع بصفة دورية وكذلك الموافقة على الاعتمادات وذلك من خلال قرارات وزارية تصدر لكل رئيس قطاع على حرب بمضمون ذلك كما أن رئيس كل قطاع له موازنة مستقلة صادرة من وزارة التنمية الاقتصادية ووزارة المالية ويقوم رئيس القطاع بإعداد مشروع الموازنة وإرساله بعد اعتماده إلى وزارة التنمية الاقتصادية التى تقوم بإصدار الموازنة السنوية
من الموازنة إلى إدارة التخطيط بالوزارة وده أسلوبى فى الإدارة مع كافة الإدارات وأنا أصدرت قرارات لجميع القطاعات تتضمن تعويض منى لهم للأخذ جميع سلطاتى كل فى حدود اختصاصه من الناحيتين المالية والإدارية وكذلك سلطاتى فى القانون 89 لسنه 98 الخاص المناقصات والمزايدات وبالنسبة للرقابة فإن الجهاز المركزى للمحاسبات، هو الذى يقوم بالمراقبة الحسابية على تنفيذ الموازنة ولا توجد لوزارة الثقافة سلطة هذه الرقابة وأنا أقوم برقابة المشروعات الفنية فقط التى يتم تنفيذها من الناحية الفنية فقط مثل جميع المتاحف وتكون بعد عبئ الأعمال وبعد موافقتى على فكرة المشروع أما التنفيذ وأى شىء متعلق بالقطاع مسئولية رئيس القطاع المباشر وكذلك الإدارة الهندسية.
وهو ما يعود بنا لتأكيد بديهة أن اللامركزية قناع أراد أن يهرب بها الوزير من مسئوليته ، وبعد أن يكرر على السلمى إشارات الوزير للهروب من التهمة يضع علامات التعجب ويضيف هنا أن رقابة الجهاز المركزى للمحاسبات هى رقابة لاحقة أما الرقابة الحقيقية فيجب أن تكون رقابة جهة الصرف وهى وزارة الثقافة وعلى رأسها وزيرها المسئول عن ضمان تحقيق خططها وبرامجها.
- ويلاحظ ترديد الوزير عبارات من نوع " أنا زرت المتحف ومعايا وفد من اليونسكو وأنا هناك لقيت أشياء تالفة مثل الأرضيات والستائر والإضاءة وكان معانا الأستاذ محسن شعلان ومديرة المتحف وأنا لقيت سوء فى التنظيم وهو ده اللى أنا شفته، كما أضاف الوزير ما يؤكد اقتناعه بضرورة تحسين حالة المتحف حيث قال إن " المتحف ده لازم يتطور وانتظرت محسن شعلان يصرف عليه لكن معملش حاجة"، ليضيف هنا: أن الوزير الفنان صاحب اللوحات التى تعرض وتباع فى معارض عالمية يزور أحد أهم المتاحف التى تحتوى لوحات نادرة هو أكثر من يقدر قيمتها، ويرى أشياء تالفة ويعترف بأن هناك سوءاً فى التنظيم شاهده وهو يصطحب معه وفداً من اليونسكو، ومع ذلك لا يحرك ساكناً ولا يتخذ أى إجراء لتصحيح الأخطاء وسوء حالة المتحف، ويكتفى بانتظار أن يفعل رئيس القطاع شيئاً ولكنه لم يفعل، ثم تمضى الأيام من دون أن يتخذ الوزير أى إجراء لمتابعة هل قام هذا المرؤوس بتصحيح الوضع فى المتحف، كما لم يحاول سحب التفويضات التى منحها لمرؤوسه المهمل حين تبين له أن شيئاً مما كان ينتظره لم يحدث! وبالمناسبة لم يوضح الوزير الفنان سبب زيارته للمتحف بصحبة وفد اليونسكو كما لم يبين هل تلقى أى ملاحظات من اليونسكو عن حالة المتحف، ولماذا لم يحاول الحصول على مساعدة المنظمة الدولية لتحسين وتطوير المتحف واقتصر على انتظار ما سيفعله محسن شعلان! ونعود إلى قضية مسئولية الوزير وهل يعفيه منها اتباعه لنظام اللامركزية فى الإدارة. ابتداء تنص المادة 157 من الدستور الذى أقسم الوزير أن يحترمه على أن "الوزير هو الرئيس الإدارى الأعلى لوزارته، ويتولى رسم سياسة الوزارة فى حدود السياسة العامة للدولة ويقوم بتنفيذها"، وهذا النص واضح وضوح الشمس فى تحديد مسئولية الوزير أنه الرئيس الإدارى الأعلى لوزارته يضع سياستها ويقوم بتنفيذها. ولا يعفيه من تلك المسئولية كونه يستعين بمساعدين ومرؤوسين يسند إليهم واجبات ومهام مما يقع فى دائرة اختصاصه بالأساس، ذلك أنه وبنص الدستور " مسئول عن تنفيذ سياسة الوزارة".
ويضيف هنا "وبهذا المنطق الدستورى فإن وزير الثقافة، وكل وزير فى وزارته، مسئول عن تحقيق جانب من السياسة العامة فى شكل إنجازات ملموسة، ومن ثم فإن وزير الثقافة مسئول عن توفير الأمان والحماية لممتلكات الدولة والمجتمع المحفوظة فى متاحف تشرف عليها وزارته، وإن مسئوليته تمتد لتشمل تنفيذ السياسات والبرامج ووسائل الحماية والتطوير التى يضعها بصفته الوزير المسئول ويقوم بتنفيذها بذاته أو من خلال مساعديه على مختلف مستوياتهم التنظيمية. وان " الرئيس حين يفوض مرؤوسه بعض صلاحياته فإنه - أى الرئيس - يظل هو المسئول النهائى عما يفعله ذلك المرؤوس أو يقصّر فى فعله. مرة أخرى، فإن الرئيس حين يفوّض بعضاً من صلاحياته إلى مرؤوس له أو إلى هيئة تابعة له، فإنه يظل مطالباً بمتابعة مدى كفاءة وقدرة ذلك المرؤوس فى مباشرة المهام المسندة إليه ومدى استخدامه للصلاحيات المفوّضة إليه، والأهم هو مدى تحقيقه الأهداف والإنجازات التى فوّضت له صلاحيات رئيسه من أجل سرعة وكفاءة إنجازها.
ثالثا: موقف الوزير- المثقف
لم يكن موقف المثقفين من الوزير منطلقا من حدث بعينة كسرقة لوحة فنية، وإنما كان احد ردود الأفعال على هذه العلاقة بين المثقف والسلطة من جهة وبين المثقف وسلبيات الزمن الذى يعيش فيه من ناحية أخرى.
وعلى هذا النحو، فبمجرد أن أعلن عن هذه السرقة حتى تصاعدت تيارات احتجاج المثقفين فى الصحف الرسمية خاصة وفى الصحف الحزبية والمستقلة على وجه أخص وعبر العديد من الوسائل الورقية أو الفضائية أو الرقمية.
كان الفساد الثقافى، وهو جزء من منظومة الفساد العام قد زاد بشكل مروع؛ لقد بدا أن أجهزة الإنذار والمراقبة بالمتحف معطلة تماما، فضلا عن العديد من السلبيات التى تواجد وتجسدت طيلة ثلاثة وعشرين عاما هى فترة توليه الوزارة، ولان هذه السلبيات أصبحت من البديهيات، فقد تجسد الحادث فى غضب عدد كبير من المثقفين لكون الوزير يمارس سياسة ثقافية، ومن ثم، أسهم عدد كبير منهم فى التوقيع على بيان رسمى ، تجسدت فيه أسباب هذا الموقف، ومنذ البداية كان لابد من إعلان طبيعة هذا النظام ورموزه الذى عانت فيه" الثقافة المصرية فى ظل سياسات وزارة الثقافة القائمة, من غياب مجموعة من العناصر اللازمة لأية ثقافة كى تنهض اجتماعيا، سواء على مستوى تردى أحوال الكتاب والمبدعين المادية والثقافية, أو على مستوى غياب استراتيجية ثقافية لها سياسات واضحة فى ظل الشرط الحضارى المعيش, فأضحينا الآن شهودًا على أسماء قديمة, لمثقفين وأنصاف مثقفين – أكاديميين وغير أكاديميين- شغلت الجهاز الإدارى لوزارة الثقافة سنوات طويلة, حاجبة حق الأجيال الجديدة فى صنع مستقبلها الثقافى, والمشاركة فيه, فاستخدمتهم المؤسسة – كما استخدموها – وتلاعبت بهم، كما تلاعبوا بها، وهذا ليس مستغربًا.
وعلى نحو مباشر حدد البيان هوية من وقع على البيان وأسبابه بأنه "من مثقفين لا مصلحة لهم غير التعبير عن حقّ مصر فى مستقبل ثقافى أفضل, ومن أصوات صادقة وشريفة, مازالت تعبر عن احتياج مجتمعنا إلى حركة ثقافيّة مستقلة قادرة على مواجهة هذا الفساد, والدفاع عن مقدرات وطننا, وهو هجوم لا يمكن تجاهله, ويعبر بقوة عن الأزمة الحقيقية للتوجهات الثقافية, ولإجراءاتها القائمة على الجهل بالواقع الثقافى وحراكه" وما لبث البيان أن لخص رغبة المثقفين ومطالبهم فى نهاية هذه الحيثيات على هذا النحو:
يرى الموقعون على هذا البيان – بمبادرة من اللجنة التحضيرية لمؤتمر المثقفين المستقلين- وجوب رحيل وزير الثقافة عن موقعه, ومحاكمته على إهدار المال العام, وإضراره بالمصالح الوطنية, بعد أن أفسد هو وموظفوه الحضور الثقافى المصرى على المستويات المصرية, والعربية, والدولية, فليرحل وزير الثقافة, وبطانته وليعمل المثقفون على إطلاق الثقافة المصرية حرةً من أسر كلّ الحظائر.
وعلى هذا النحو، أكد الموقعون على البيان فقط ليس وجوب رحيل الوزير وإنما منذ العنوان إلى دعوة "فلترحل منظومة الفساد فأضيف إلى رحيل المسئول "محاكمته" أيضاً؛ ومن ثم، رحيله بعيداً عن الحظيرة التى وضع فيها رموزه ومؤيديه.
والواقع أن ما ارتكبه الوزير والتشهير به لم يكن وحده وراء البيان وإنما كانت سياسات الوزير لعقدين من الزمان، سواء فى المخالفات المالية أو فى حريق العديد من المسارح من بنى سويف إلى حريق إدارة التراث والتوثيق بقطاع الفنون الشعبية والاستعراضية.. أو أحكام مثقفيه فى الحظيرة وحسب وإنما لما أصاب الواقع المصرى بتيارات الفساد العالية.
وأكثر ما يلاحظ هنا ليس هو بيان "المثقفين" أو المطالبة برحيل الوزير؛ بقدر الغضب الشديد لوزير المثقفين وتدجين سياساته باستمراء الهجوم والغضب على معارضيه، ومن هنا، فإن رد الفعل لدى الوزير بدا أكثر لفتا للنظر وابعد فى إعادة تفسير مواقف الوزير من رعاياه.
فقد تعددت ردود الوزير الغاضبة وتحددت فى تصريحات نارية عبر مؤتمرات صحفيه أو تصريحات متوالية.. وهو موقف كان يؤكد غياب وعى الوزير وتكوينه الذى ينفى مسئوليته عن المثقفين وان بدا ذلك بشكل رمزى.. لم تتحدد خطورة الموقف من بيان المثقفين بقدر ما تحدد فى رد فعل وزير "المثقفين" والعديد من الاتحادات والهيئات التابعة له.
فمن جهة الوزير راح يردد تصريحات تنال من المثقفين – أصحاب البيان – بل – وهو الأهم هنا – يلغى عنهم سمة المثقفين، حين صرح فى غضب شديد بأنه أرسل لاتحاد الكتاب قائمة بأسماء الموقعين على بيان إقالته، وذلك لتحديد ما إذا كان الموقعون على البيان أعضاء بالاتحاد أم لا؟ مشيراً إلى أنه لم يجد فيه أكثر من خمسة أسماء تابعين لاتحاد الكتاب، فضلاً عن أن هؤلاء – فى تعبيره فى المؤتمر الصحفى - "ليسوا مثقفين" لأن مدلول هذه الكلمة كبير ولا أحد يستطيع أن يصف نفسه بالمثقف إلا إذا كان ملما إلماما تاما بالثقافة فى العصر السحيق ثم مرورا بالكلاسيكيات ثم الرومانتيكيات ثم العصور الحديثة لكل الفنون الأدب والفن والعمارة والموسيقى بالإضافة إلى معرفة تاريخ مصر، كما راح ينفى عنهم صفه التحديد بأنهم ليسوا بمثقفين بل هم مجموعة من النشطاء السياسيين ونهج الوزارة كما يقول ينأى عن السياسة.. إلى غير ذلك مما ردده وزير الثقافة عن أكثر من مائة مثقف كانوا خارج"الحظيرة"، ورفضوا أن يتركوا مثل هذه الحظيرة بأخطارها لتلوث المكان.
ومن الملاحظ هنا أن الوزير راح يسقط فى أخطاء فادحة:
- ففى حين راح يؤكد أن مهاجميه ليسوا من أعضاء اتحاد الكتاب؛ وهو موقف يحمل لبسا كبيرا، مؤداه كيف يقدم الاتحاد أسماء أعضائه ممن وقعوا على البيان ، وهو ما تنبه إليه المسئول حين راح يردد فى المؤتمر الصحفى "أنه لم يتصل باتحاد الكتاب لمعرفة الأعضاء الموقعين على البيان كما ردد البعض، وكشف أن الوزارة لديها قوائم بكل الأجهزة المدنية التابعة لها والمنتمين لها " فى الوقت الذى أعلن فيه رئيس اتحاد الكتاب انه خارج البلاد ولا يعرف شيئا مما يقال.
- أنه راح يؤكد فيما يشبه اليقين أن الموقعين على البيان ممن ينتمون إلى اتحاد الكتاب لا يزيدون عن الخمسة، فضلاً عن انتماء بعضهم إلى صفة الناشط الثقافى؛ فى حين أن البيان كان يحمل أكثر من توقيع خمسين كاتبا ينتمون إلى اتحاد الكتاب كأعضاء وثلاثة أسماء أعضاء مجلس إدارة النقابة؛ بما يشير إلى سقوط الوزير فى التهويم والنيل فيمن وجه إليه نداء الاستقالة فى منظومة الفساد.
- انه راح يردد قبل هذا وبعده ان الموقعين على البيان ليسوا من المثقفين، وكان المثقف عنده هو المثقف لابد أن أعرفه لأسباب كثيرة، من بينها أن المثقف لابد أن يكون فاعلاً لشعبه، ويعمل من أجل خدمته، مثل الدكتور جابر عصفور والدكتور فوزى فهمى والدكتور صابر عرب وكل من يعملون فى وزارة الثقافة، لأنهم خدم لشعوبهم».
وعلى هذا النحو، لم يكتف الوزير بسقطة الاتصال باتحاد الكتاب الذى راح ينفيها ؛ لكنه أسرع لتأكيد المعنى الذى كان يردده دائما أمام الحظيرة التى اختار فيها مثقفيه الذى راح يحدد أسماءهم كما أراد من اختيارهم وواجباتهم، كما أراد من هويتهم.
- إن ردود الأفعال الغاضبة منه وصلت إلى آفاق بعيدة كى يستقيل الوزير، وهو ما مثل غضبا جارفا شارك فيه عدد كبير من المثقفين من شتى التيارات خاصة فيما مثله هذا البيان الأخير، الذى قال عنه د.علاء عبد الهادى فور هجوم الوزير: إن عقد مؤتمر للمثقفين المستقلين ضرورة لمواجهة التردى الثقافى الذى أحدثته الدولة ومؤسسات وزارة الثقافة التى تحاول الآن تشكيل النخبة المثقفة وضمها إلى حظيرتها تحت زعم "إعادة وضع استراتيجية للثقافة".
- إن ردود الأفعال ضد الوزير بدت أكثر عنفاً فى الاتجاه إلى المعارضة أو الاتجاه الآخر؛ التأييد التأييد، مثل رد الفعل الأول - العنيف - مثله د.عمار على حسن أما رد الفعل الآخر- المراوغ أو المتردد - مثله محمد سلماوى رئيس اتحاد الكتاب الذى غاب فى مقالة كبيرة بعنوان(المغالطات فى قصة "زهرة الخشخاش") رافضا الهجوم على الوزير باديا فى الصمت المريب.
ومتابعة ردود الأفعال فى الصحف الورقية أو الرقمية أو محركات البحث والمدونات الغاضبة نرى ردود أفعال المثقفين خارج البيان وداخل الندوات وعبر المحركات فى موقف صاحب الحظيرة ومن فيها بما يؤكد على ردود الأفعال الواعية فى الصحافة الثقافية اليوم.
ولأن الصحافة الثقافية زخرت بردود أفعال المثقفين وغضبهم؛ فسوف نتمهل عند اثنين يعيرا عن ردود فعل المثقفين، أحدهما حزين عمر المسئول مسئولية عالية فى اتحاد الكتاب ثم احمد بهاء الدين شعبان – كمثقف واع يحمل الكثير من مستويات التنبه لما يحدث حوله- وكلاهما –فيما نرى- لم يعرف الحظيرة ولم ينتم إلى غاباتها وثمراتها.
إن النظرة العامة لما حدث من سرقة متحف مصرى تستعيد العديد من الفضائح والحرائق والسرقات التى حدثت فى عصر الوزير الميمون، وهو ما يلاحظه حزين عمر بعد حادثة بنى سويف، خاصة وما أثارته الأحكام على مرتكبى حادث قرابة خمس وخمسين مثقفاً محترقاً تماماً لإهمال السادة المسئولين فى الوزارة، ولأن "المثقفين وكذلك المحسوبين على الثقافة، هم أولى الناس باحترام القضاء وأحكامه"، فقد أثارت الأحكام العامة والإهمال فى تطبيقها بعد المحرقة الكثير من المثقفين، ويلخص المسئول الكبير ما يحدث بأنه يتلخص فى أن "الأحكام التى أصدرها قضاؤنا العادل تراوحت بين لفت النظر، وإلغاء الانتداب، والإحالة إلى المعاش، والخصم من المرتب.. وقد رضى أهالى الضحايا بهذه الأحكام، واحترموا القضاء وأحكامه، دخل هذا الملف إلى الظل، وسلم أهالى شهداء بنى سويف من أيتام وأرامل ومكلومين أمرهم إلى الله وسكنوا"، بيد أن ما حدث إبان الفضيحة الجديدة خاصة – سرقة المتحف – أعاد طرح القضية على الرأى العام وتبنتها معظم رموز الصحافة الثقافية، بيد أن المفارقة التى يلخصها هنا حزين عمر تتحدد فى أن "الذين صدرت الأحكام بإحالتهم إلى المعاش من موظفى هيئة قصور الثقافة، فوجئ المتابعون بأنهم منتظمون فى عملهم، وفى مواقعهم نفسها. بل وصدرت قرارات بالتجديد لبعضهم، وأرسلت خطابات إلى كل من وزير الثقافة الفنان فاروق حسنى والجهات القضائية تفيد أن الهيئة نفذت أحكام القضاء، أى أحالت للمعاش من أمرت المحكمة بإحالتهم.
ورغم أن القضية التى شهدت حريق المثقفين استعيدت آثارها السلبية فى ضوء القضية الجديدة التى أثيرت فى خريف 2010 فمازالت الكارثة هى الكارثة، ومازالت الأحكام العامة هى المسيطرة، ومازالت أبناء الضحايا وأسرهم يعانون دون جدوى
وأهمية هذا أن هذا الحريق يتكرر بأشكال كبيرة.
خاصة أن الوزير بدا متردداً متراجعاً فى عديد من التصريحات التى تتحدد - فى مصادر عديدة – فى اتهامه المثقفين الموقّعين على البيان ب"ليسوا مثقفين، بل هم مجموعة من النشطاء السياسيين"، كما راح يرتد ففى تصريحه السابق من أنه لم يتصل باتحاد الكتاب كما ردّد البعض؛ لمعرفة الأعضاء الموقّعين على البيان -الذين يبلغ عددهم 102، خمسة منهم فقط أعضاء فى اتحاد كُتاب مصر- هكذا – وان –الوزير يصيح فيمن حوله "وأن الوزارة لديها قوائم بكل الأجهزة المدنية التابعة لها والمنتمين لها"!!!!!؛ وعلامات التعجب هنا من شاهد وكاتب لهذه السطور ، فالعجب يصل إلى درجة من "الرثاء البالغ" فى تعبير احمد بها الدين شعبان ، وهو يقلل هذا الشعور بضمير المثقف الجمعى هنا لكون الوزير يتورط فى رد متهافت ويخلط بين مثقف الحظيرة ومثقف الموقف مستطردا".
وعبورا فوق آثار المحرقة وتداعياتها إلى السرقة الدالة اليوم ؛ كان لابد أن يمنح احد المثقفين "درس ثقافى لوزير الثقافة" لما يحدث ليس فقط فى دلالة الاستمرار ولكن أيضا فى دلالة الفعل الرسمى للوزير خاصة فى ردود أفعاله على بيان المثقفين وتعليقاتهم الحزينة لما يحدث، فقد شعر المثقف هنا بالرثاء، يقول بهاء الدين:
- شعرت بالرثاء البالغ، لوزير ثقافة المصريين المفترض، وأنا أقرأ تعليقاته المتهافتة على البيان الذى وقّعه أكثر من مائة مثقف مصرى، من مختلف المدارس الفكرية والأعمار والمواقع، يُطالبون فيه، بعد أن عددوا الإخفاقات والكوارث والانهيارات الثقافية، التى صاحبت جلوسه المديد على كرسى الوزارة، ب "وجوب رحيل وزير الثقافة عن موقعه، ومحاكمته على إهدار المال العام، وإضراره بالمصالح الوطنية، بعد أن أفسد هو وموظفوه الحضور الثقافى المصرى على المستويات المصرية، والعربية، والدولية".
يضيف هن مخاطبا المسئول الأول عن الثقافة. فأنت تتحمل يا سيدى المسئولية المباشرة، كواحد من أقدم وزراء هذا النظام، والمنوط به مهمة تطوير أوضاع الثقافة فى البلد، عن تجريف "الذاكرة المصرية" حتى الأعماق، واستبدالها بفراغ قاتم ومُرعب، يثير أشد القلق على مستقبل هذا الوطن، الذى نرى ملامحه الرهيبة فى طيات اليوم رأى العين!"
ومع أن الكاتب هنا يؤكد أنه يقول ما قاله الآخرون وما يردده الواعون فى هذه الفترة التعسة من تاريخنا فإنه يخرج من الوزير – الرمز الخاص- إلى المسئولية الأعم – الرمز العام -، إنه يخرج إلى الدلالة الأخيرة لما يحدث من أهوال الحرائق والسرقات ووصلات الخداع والكذب.
ولخطورة القضية وحيثياتها، وتراكم القضايا وسلبياتها على الواقع المصرى فإن الأمر لم يخل، لدى عديد من تيارات الطيف الثقافى فى محيط الصحافة الثقافية للمطالبة بمواجهة الوزير، المسئول الأول، والمواجهة هنا تكون باستقالته، خاصة حين ارتفعت أصوات الغضب مطالبة باستقالة الوزير وصياح الوزير فى الجميع وهو يرفع كارتا إرهابيا "مفيش حد فى مصر يقدر يقول لى أستقيل غير الرئيس مبارك".
وهوما يصل بنا إلى قضية أخرى
*رابعا- قضية محاكمة الوزير
ويلاحظ أن خيوط المطالبة باستقالة الوزير أو إقالته تعامدت فى ردود الأفعال المتباينة لتصنع رأيا واحدا إزاء الحادث..
بدا هذا عبر الصحافة الورقية والرقمية
وانتشر بين جدران المجالس الشعبية الرسمية وخارجها.
بل وتردد فى عديد من المحاكم التى كان يحاكم فيها المتهمون من الموظفين ورجال الأمن وغيرهم من الصف الثالث والرابع ممن قبض عليهم.
تسربت الأفكار الغاضبة من الصحف إلى خارجها؛ كان من الممكن أن نرصد بجانب الأصوات العالية فى هدوء ارتفاع الأصوات العالية فى غضب عبر هذه الكتابات التى لا نخطئها فى إيراد الأسباب قبل تأكيد الحكم.
لقد تباينت ردود أفعال الغاضبة عبر الروابط والشبكات الاجتماعى ووصلت إلى أقصاها فى عديد من الكتابات المنشورة.
وعود إلى الصحافة الثقافية سوف نلحظ هذا التعبير لدى عدد كبير من الكتاب والمثقفين، وعلى سبيل المثال أن صوت القضاة يعلو فى عديد من الصحف الحزبية والمستقلة من آن لآخر معلنا:
- " إن سرقة هذه اللوحة خطأ ينبغى أن تتحمل مسئوليته الحكومة المصرية كاملة وليس وزير الثقافة فحسب، هكذا تفعل الدول المتقدمة فى العالم، كيف يسرق لص لوحة بهذه القيمة من متحف رسمى مشمول بالحماية الأمنية والاهتمام الثقافى ويخرج بها فى سهولة ويسر؟ وبعد هذه الفضيحة نقتصر على حبس وكيل الوزارة ؟ إذا استحال اتخاذ إجراءات جنائية فى حق الوزير نظرا للقصور التشريعى فى هذا الشأن فى التشريع المصرى ومازلنا ننتظر قانون محاكمة الوزراء، فلا أقل من توفر المسئولية السياسية بإقالة الوزير"
ومن الصحافة الثقافية الرسمية تعلو أصوات أخرى أن عبد المحسن سلامة يكتب "هكذا يحاول أن يخلى الوزير مسئوليته من خلال توجيه الاتهام لرئيس قطاع الفنون التشكيلية، وربما يكون ذلك صحيحا إلا أنه وفى كل الأحوال فإن الوزير هو المسئول ضمنيا عن كل أعمال وزارته، وأنه أى الوزير المنوط به إصدار القرارات وليست النصائح فيما يتعلق بأعمال وزارته، لكن لو ثبت أن رئيس قطاع الفنون تعمد تعطيل صيانة المتحف فهذا شأن آخر سوف تكشف عنه تحقيقات النيابة".
وينتقل أكثر حازم عبد الرحمن مع خطورة الحدث إلى ضرورة تفعيل القانون، خاصة وأن قانون محاكمة الوزراء لدينا لم يفعل معلنا: " نحن فى حاجة فعلية إلى تنشيط قانون محاكمة الوزراء فمثل هذا القانون هو الأداة الواجبة النفاذ حتى تنتهى تماما فكرة أن أى مشكلة أو قضية أو خلاف مادام طرف من أطرافها وزير فقد أصبحت فى طريق مسدود، وتفعيل القانون يعنى ببساطة أننا أصبحنا فى مجتمع يسرى فيه القانون على الجميع بلا تمييز."
وهو فى حين يدعو المسئول إلى الاستقالة فى مواجهة الخطر الكبير الذى يكون مسئولا عنه حتى يصدر هذا القانون، يدعو أكثر إلى التشبث بالمواقف المتقدمة للمسئولين الذى يقع عليهم غرم القانون فيكون من السهل اتخاذ إجراء يحترم هيبة القانون وحتميته.
إنه يعيد طرح القضية كما هى فى الواقع المصرى قبل أن يضع أمامنا الأسئلة الدالة، أنه يلخص الأمر كله فى أنه يجب أن يستقر فى وجدان المجتمع ألا أحد فوق القانون، وأن الجميع سواء، وأن من ارتكب خطأ فعليه أن يدفع الثمن، ولو مجرد الاستقالة فى حدها الأدنى ليكون ذلك عبرة أمام الرأى العام نزولا على حالة الغضب واحتراما لفقدان ثقة الناس، "ليخلص من هذا إلى الأسئلة التى تفرض نفسها:
- متى يتم تنشيط قانون محاكمة الوزراء فى مصر؟
- هل نأمل أن يكون استدعاء الوزيرين أو زيارتهما لمكتب النائب العام مقدمة لذلك؟.
ويلاحظ شريف الشوباشى: أن وزير الثقافة أفلت من المسئولية السياسية فى كل المواقف التى تعرض لها حتى الآن، ولعل أخطرها ذلك الحريق المروع الذى اندلع فى قصر ثقافة بنى سويف عام2005 وراح ضحيته 48 شخصاً لقوا مصرعهم بين ألسنة النيران وهو حادث كان وسيظل نقطة سوداء فى تاريخ العمل الثقافى.
"وبعد أن يعرض لعديد من الكوارث للوزير - القبض على رئيس صندوق التنمية الثقافية أيمن عبد المنعم وأدين بالرشوة ومهزلة انتخابات منظمة اليونسكو، إلى غير ذلك يعود إلى الخلاصة أو الإجابة الأخيرة فى هذا السياق من "أنه آن الأوان لإعادة النظر فى المفهوم السائد بأن الوزير هو الموظف الأكبر فى وزارته. فالوزير رجل سياسة بالمعنى الكامل للكلمة. ومن هذا المنطلق فإنه لا بد أن يتحمل تبعات المسئولية السياسية كما هو الحال فى جميع دول العالم المتقدم."
وما ردد فى الصحف القومية والكتابات القضائية ردد بشكل أعنف منه فى الصحف الحزبية. ويصل الغضب فى مواجهة الوزير ومحاكمته إلى أقصاه لدى البيانات المتوالية التى كانت تعبير عن المثقفين بجميع ألوان الطيف من فنانين وتشكيليين وإخوانيين وصحفيين، ولتزايد غضب المثقفين الواعين فى هذا سوف نتمهل عند بيانين يلخصا "الخطاب" الثقافى الغاضب فى هذا الوقت، وسوف نشير هنا إلى بيانين اثنين.
البيان الأول
وهذا البيان راح يمهد لهذا الواقع القاسى والمسئولين وراءه"، فالمسئولية عن تأمين التراث الإنسانى الموجود فى مصر مهمة أكبر من اعتبار أن السيد محسن شعلان "رئيس قطاع الفنون التشكيلية" وحده المقصر فى إيفائها، وتتسع تلك المسئولية لتشمل الوزير نفسه، فمن غير المعقول أن يتم محاسبة رئيس قطاع وترك رئيسه المباشر وهو السيد فاروق حسنى بصفته وزير الثقافة، وعليه فإن المسئولية الأولى لتسريب لوحة بقيمة "زهرة الخشخاش" تقع أولا على كاهل السيد وزير الثقافة بصفته وشخصه.
ولا يلبث أن يقترب أكثر من المسئول- السؤال الأهم:
- السؤال الأهم وهو كيف يمكن ترك متحف بهذه القيمة المادية والفنية بهذه الحالة الرثة من المراقبة والحراسة وهى مسئولية كل من الوزير المختص، وهو فى هذه الحالة وزير الثقافة ورئيس القطاع والمسئول عن المتحف، وكذلك مسئولية الأمن فهم من يقومون بحراسة المنشآت العامة كمتحف بهذه القيمة، والإجابة عن هذا السؤال من المفترض فى دولة يحكمها القانون وتطبق فيها العدالة أن يذهب كل هؤلاء المسئولين ليس فقط للسجن ولكن للجحيم .
البيان الثانى:
البيان الآخر هنا يبدو أكثر غضبا، مسهبا فى كثير من سلبيات المسئول الأول عن وزارة الثقافة، مطالبا ليس فقط برحيل المسئول الأول عن سرقة اللوحة العالمية وإنما أيضا بمحاكمته.، وجاء التصريح مباشرا هنا بعد سرد الكثير من سلبيات هذا الوزير، مصرحا فى وضوح شديد بضرورة:
- "وجوب رحيل وزير الثقافة عن موقعه، ومحاكمته على إهدار المال العام، وإضراره بالمصالح الوطنية، بعد أن أفسد هو وموظفوه الحضور الثقافى المصرى على المستويات المصرية، والعربية، والدولية".
وهو ما تجاوز الغضب البادى فى التعبير الصوتى أو المكتوب إلى ضرورة اتخاذ موقف حاد فاعل من النظام، ليس فى انتظار غضب على إهمال الوزير، وإنما قبل هذا وبعده ضرورة "محاكمته" على إهدار المال العام، وإضراره بالمصالح الوطنية، بعد أن أفسد هو وموظفوه الحضور الثقافى المصرى على المستويات المصرية، والعربية، والدولية.
ولا ينسى البيان فى النهاية تكرار المعنى العام الذى ردده العديد من المثقفين والفنانين الواعين فمن"خطاب المثقفين" نقرأفى تعبيرات صادقة أقرب إلى الصياح الغاضب والألم المثير:
فليرحل وزير الثقافة، وبطانته.
وليعمل المثقفون على إطلاق الثقافة المصرية حرةً من أسر كلّ الحظائر.
خامسا: أزمة زواج كاثوليكى
لا يمكن متابعة الأحداث فى عديد من المواقف الدالة فى الحياة الثقافية المصرية فى الحقبة الأخيرة دون أن نتمهل عند هذه العلاقة بين اتحاد الكتاب ووزارة الثقافة.
والعلاقة بين الكاتب – الذى ينتمى لاتحاد للمثقفين – والوزارة التى تنتتمى لمعنى أعلى، أو حاكم فى علاقته بالاتحادات والروابط والهيئات والمراكز التابعة له؛ تظل علاقة دالة على ما يحدث فى الربع قرن الأخير، خاصة فى هذه العلاقة بين وزارة الثقافة واحد الهيئات التابعة لها. وهى علاقة تتخذ شكلا عضويا، غامضا، معلقا فى رصد هذه العلاقة بينهما إبان أى أزمة تطرأ فى الواقع الفكرى أو السياسى.
ومراجعة نشأة الاتحاد وعلاقته بوزارة الثقافة نعرف أن القانون 65 لسنة 1975 الذى كان يقضى يجعل الاتحاد فى نشأته أو تطوره الوظيفى تابع تبعية مطلقة لوزارة الثقافة، حيث إن طبيعة التشريعات المصرية لا تسمح بإنشاء الروابط والاتحادات
المستقلة عن الدولة، ومن هنا لا يمكن أن نرى – ونحن نبدأ من النشأة – أن هناك علاقة منتفية بين اتحاد الكتاب والنظام السائد، فهو- على سبيل المثال - لا يخضع للقانون 100 لسنة 1993 والقانون المنظم للنقابات المهنية، على الرغم من عيوبه فهو يمنح
الشخصية الاعتبارية للنقابة المهنية ويسمح لها بوجود موارد مالية مستقلة
للصرف على أنشطتها، أما القانون 65 لسنة 1975 فيخضع اتحاد الكتاب لتبعية
وزارة الثقافة التى تستقطع من ميزانيتها للصرف على الاتحاد ووزارة التضامن
الاجتماعى الجهة المنوط بها الإشراف على انتخابات اتحاد الكتاب حيث يخطرها
مجلس إدارة اتحاد الكتاب بنتائج جمعيته العمومية.
وهذه حقيقة تفسر الهيمنة على نشاط الاتحاد وانتخاباته بشكل يصعب الفصل بين النشأة والتطور فى الحياة الثقافية أو الفكرية، وكاتب هذه السطور له تجربة فى الاتحاد عبر العضوية الثابتة أو المشاركة فى انتخابات عضوية مجلس الإدارة ما يؤكد على المشهد الدرامى السائد فى رصد هذه العلاقة بين الاتحاد ووزارة الثقافة.
ولأن العلاقة تتحدد أكثر بين الوزارة والاتحاد هنا فى آخر هذه الأحداث، فسوف نتمهل عند أحد خيوط المشهد الدرامى – فضيحة سرقة زهرة الخشخاش – كدال يعبر عن بقية خيوط ومساحات هذا الطيف الذى يمتد من المركز إلى الدائرة..
ومراجعة ما حدث فى الأزمة الأخيرة تضعنا أمام السؤال – الأزمة:
- ما العلاقة بين اتحاد الكتاب ووزارة الثقافة؟
الإجابة البدهية أنها كانت علاقة عضوية، على الأقل فى "منظور" الوزير، الذى راح، خاصة عقب إصدار بيان المثقفين "بيان المائة" - كما أطلق عليه - فالوزير يرى أن هؤلاء المثقفين – التعميم أو التخصيص - ليسوا من اتحاد الكتاب، كما أن لفظ "مثقف" لا ينبغى أن يطلق إلا على أعضاء اتحاد الكتاب أو العاملين فى "وزارة الثقافة"، أما الآخرون فليسوا مثقفين! الموقّعون على البيان روائيون بارزون، وشعراء، وصحافيون، وأكاديميون، وناشطون" وهو ما يثير السؤال الكامن فى النفوس:
ما العلاقة بين اتحاد الكتاب ووزارة الثقافة؟
وهو سؤال تتعدد إجاباته وتتحدد عبر ردود الأفعال، خاصة، من الكتاب الذين ينتمون إلى اتحاد الكتاب، وباستثناء الكتاب خارج الاتحاد – وهم مثقفون بالقطع – يمكن العودة إلى هذه العلاقة الحائرة بين وزير الثقافة والكاتب أو الوزارة المركزية واتحاد تابع لها، فى وقت لم نسمع فيه ردا فعلا حقيقيا – إيجابى أو سلبى – من الرموز الدالة على اتحاد الكتاب، بالطبع ممن ينتمون إلى الاتحاد – رسميا – أو المعبرين عنه..
لقد بدا من تصريحات الوزير أنه استقى مادته من المسئولين عن الاتحاد، فى الوقت الذى لم يعلن فيه محمد سلماوى – رئيس الاتحاد – بشكل رسمى أنه تم الاتصال بين الوزير والاتحاد، ولم يدل رئيس الاتحاد لأكثر من مرة فى هذه العلاقة الغامضة بين الوزارة والاتحاد، ورغم أن البعض أشار فى هذا الوقت إلى أن الوزير عرف رأى اتحاد الكتاب بشكل رسمى أو – بعد أن تراجع الوزير - كأنه اطلع على بياناته من "مكتب فنى" يتبع الوزير..
لقد راح الجميع يؤكد عبر هذه الأزمة على هذه التبعية بين الاتحاد والوزارة، أما أنها كانت تبعية سياسية واضحة أو مالية مستمرة، وفى جميع الحالات كانت هذه التبعية سافرة لصالح السلطة المركزية – السياسية – على إمكانات الاتحاد فى كل وجوهها، وهو أمر ردده الكثير من المثقفين أن الأزمة وفى تبعاتها، سواء من أعضاء الاتحاد أو خارجه.
ربما كان أكثر من عبر عن هذه العلاقة العضوية العديد من أعضاء الاتحاد، فقد رأى محمود الوردانى أن لائحة الاتحاد تؤكد استقلاله"، لكنه استقلال شكلى غير واقعى، بفضل يوسف السباعى الذى كان حريصا أن يكون جزءا من أجهزة الدولة رغم عدم قانونية ذلك. كما أن سلماوى حاول أن يجعله مستقلا ولكنه فشل فى ذلك، إذ هناك مصيبة ترددت أخيرا وهى الكشف عن بيانات أعضاء الاتحاد الموقعين على بيان إقالة الوزير بناء على طلب الوزير فاروق حسنى".
أما د. علاء عبد الهادى نبه إلى أننا "يجب أن ننتبه أولا إلى المنشور فى هذا الصدد، لقد صرح حسنى بأنه أرسل إلى الاتحاد صورة من البيان لتحديد صفة الموقعين عليه، وقد كذبه الاتحاد وأنكر ذلك، ثم عاد وأنكر الوزير ما قاله لصحيفة مصرية يومية"، مؤكدا أنه لم يرسل إلى الاتحاد، وكنا قد تعودنا من الوزير فى تاريخه الطويل على تصريحات عديدة يرجع عنها سريعا، مورطا نفسه، والآخرين"، بل إن عضو مجلس الإدارة والمنسق العام لمؤتمر المثقفين المستقلين الذى صدر عنه البيان يتمهل أكثر عند تاريخ هذا الزواج الكاثوليكى، حين أشار إلى "أن هناك موادا فى قانون الاتحاد تربط الاتحاد بوزير الثقافة، وهى مواد معيبة، مثل المواد أرقام 11 و44 و61 و63، أما أخطر مادتين فى هذه المواد، فالمادة (30) التى تمنح وزير الثقافة الحق فى أن يطعن فى انتخاب رئيس الاتحاد، وأعضاء مجلس الاتحاد وذلك بتقرير يودع قلم كتاب محكمة القضاء الإدارى بمجلس الدولة خلال خمسة عشر يوما من تاريخ إبلاغه بنتيجة الانتخاب. والمادة (73) التى تعطل تنفيذ القرارات واللوائح التى تصدرها نقابة اتحاد الكتاب إلا بعد موافقة وزير الثقافة".
وهو ما يؤكد وجود هذه العلاقة الكاثوليكية المريبة التى تعيد النظر فى حقيقة هذه العلاقة المريبة بين الوزير والاتحاد، خاصة إذا سعى الوزير لاستخدامها، فعلى الرغم – يضيف - من أن وزراء الثقافة المتعاقبين لم يستخدموا هاتين المادتين على المستوى التاريخى حتى الآن، لأنهم لم يكونوا فى حاجة إلى استخدامهما، بسبب نعومة الاتحاد، وتراخى مجالس إدارته عن المشاركة فى قضايا الرأى، فإن هذه المواد تمنح الوزير قوة وضعية يمكنه من خلالها أن يقوم بالولاية على الاتحاد فى الوقت الذى يشاء".
والواقع أن وزير الثقافة لم يكن – كما يلاحظ هنا - فى حاجة إلى استخدام هذه المواد، فى ظل ضعف صوت الاتحاد فى الحياة العامة، أو فى قضايا مصر القومية، مقارنة ببقية النقابات الفكرية التى توليها الدولة اهتماما خاصا، وربما يرجع ذلك أيضا إلى علاقات المصلحة المشتركة بين عدد من أعضاء مجلس الإدارة والوزير، وفى هذا – يؤكد عضو مجلس الإدارة - تفصيل لن أخوض فيه، وربما كان ذلك بسبب وداعة مجالس إدارته، خوفا من أن يحرم الوزير الاتحاد الفقير ماليا من المنحة السنوية التى يعطيها له، وهى منحة لا تزيد على مائة ألف جنيه فى أفضل الأحوال! هذا المبلغ التافه الذى لا يليق بنقابة تجمع خيرة أدباء مصر ومثقفيها" وهنا، هل نقترب من فهم هذه العلاقة العضوية بين وزارة الثقافة واتحاد الكتاب.. وهو ما يسجله عبر الشهادات المتوالية على فساد هذه المسئولية المركزية على طرفها الآخر، فى زواج غير شرعى – أو فلنقل – غير متكافئ بين المثقف والسلطة أيا كانت، ولا يمكن هنا إغفال الجهود الكبيرة التى تقدم بها البعض- بعض المثقفين وأعضاء الاتحاد أنفسهم – لتغيير هذا الواقع، فقد جاهد أعضاء الاتحاد – بشهادة أحد رموزه الفاعل – علاء عبد الهادى - من أجل إلغاء هذه المواد، وذلك فى مشروع تعديل قانون الاتحاد الذى تبناه مجلس الإدارة فى فترة الراحل فاروق خورشيد، بواسطة لجنة تشكلت من علاء عبد الهادى وحمدى الكنيسى وعادل سركيس- عبر صيغة نهائية كانت كفيلة فى حال إقرارها من مجلس الشعب بتحويل الاتحاد إلى نقابة قوية مستقلة، سواء بحذف مواد القانون التى تمنح الوزير ولاية على نقابة الاتحاد، أو بتعديل عدد من مواده ذلك بعد أن أخذ الموافقة فى اجتماع الجمعية العمومية فى انعقادها العادى المؤرخ (2001/3/23) على تعديل مادتين أساسيتين هما المادة (33) إلى «أن يتم انتخاب رئيس الاتحاد بالتصويت المباشر من قبل الجمعية العمومية»، والثانية المادة (35) إلى «حصر مدة العضوية فى مجلس إدارة الاتحاد لتكون أربع سنوات بحد أقصى»، مع توفيق أوضاع اللائحة الداخلية. كان ذلك على مدى خمس عشرة جلسة عقدناها فى لجنة القوى العاملة فى مجلس الشعب".
بيد أن العلاقة مازالت مستمرة والقانون لم يتحول إلى قانون معتمد شرعى. وعلى هذا النحو فإن هذه العلاقة الملتبسة تظل قائمة حتى تحذف المواد المعطلة لاستقلال الاتحاد، وحين تصبح العلاقة شرعية متكافئة لن يصرح وزير- مهما تكن شرعيته – ما يقلل من شأن الاتحاد، وحينها لن يتم التقليل من شأن الاتحاد – كمؤسسة فاعلة - أو الكتاب – كرموز مستقلة واعية – وحينها لن يتم الخلط المغبون بين الكاتب والمثقف.
وبعد فإن الضمير المفرد هنا يعبر عن الضمير الجمعى لأنماط المثقفين الجادين المتمردين خارج الحظيرة لا داخلها بأية حال، وهو ما يعود بنا إلى الأسئلة، والبديهيات.. التى حاولنا الإجابة عنها فى بداية هذه السطور.
إن الصحافة الثقافية هنا – خاصة فى شكلها الرسمى – لم تصل إلى درجة عالية من التعبير عما حدث ويحدث بالدرجة الذى عبرت فيه الصحافة المستقلة أو الحزبية، وتظل حادثة بنى سويف أو فضيحة زهرة الخشخاش نموذجا دالا متواليا لغياب الوعى المركزى – متمثلا وزير الثقافة؛ والواقع المحزن هو الذى يطرأ حين يكشف عن ظاهرة الإهمال أو التخبط فى التعامل مع قيم المجتمع ورموزه.
قد نجد أصوات غاضبة هنا وهناك فى الصحف القومية، لكنها تظل أصوات فردية لا تصنع "جوقة" أو "هتافا" دالا على جرم ما يحدث – وما حدث.
مع غياب الصحافة الثقافية بشكلها الورقى عبر رموزها القومية أو الخاصة يمتد الغياب إلى الصحافة الرقمية عبر مواقعها وروابطها ورموزها الجديدة فى القرن الحادى والعشرين، فعلى كثرة الرموز والاعترافات التى تمتد فى أشكال تعبيرية داخل الصور والفيديوهات عبر الأدوات الرقمية، فضلا عن الهواتف الذكية، فإننا نفتقد ما يحدث فى الواقع، إن المواقع الاجتماعية تفتقد الوعى بما يحدث خارجها، نجد العديد من التعبيرات الرقمية والصفحات الخاصة عن الإبداع الفنى أو المشاركات الذاتية عبر العديد من المواقع التى لا تحمل وعيا بنا يدور فى المجتمع.
نستطيع أن نعثر على الموقع الشهير"الفيس بوك" العديد من الممارسات التى تهبط إلى الشارع السياسى، فنقرأ على سبيل المثال عن الإضرابات التى تتخذ شكلا سياسيا صرفا، لكننا نفتقد هذا الوعى الثقافى الأكثر دلالة فى الفضاء الافتراضى، رغم أن هناك مساحات من الحرية الكامنة فى الوسائل الافتراضية أكثر من الرسمية.
ومع غياب الوعى الثقافى الحاد عبر الوسائل الرقمية أو الافتراضية تمتد مساحات الدائرة إلى العديد من النقابات والاتحادات والمراكز الثقافية، وقد لاحظنا الاضطراب الذى سقط فيه وزير الثقافة بعد أن أعلن أنه أرسل قائمة بأسماء الموقعين على البيان الذى طالب فيه أكثر من مائة مثقف بإقالته من منصبه إلى اتحاد كتُاب مصر، مؤكدا أنهم "غير مثقفين"، بعد أن جاء إليه الرد من أن خمسة من الموقعين أعضاء فى الاتحاد والبقية غير أعضاء وتم وصفهم بأنهم "نشطاء سياسيون أو صحفيون". وأن الموقعين على بيان المطالبة ب"إقالتى ليسوا مثقفين، وأغلبهم أعضاء فى حركة كفاية ونشطاء سياسيون، وعدد قليل منهم فقط ينتمون لاتحاد الكتاب".
إلى غير ذلك مما يلفت النظر إلى موقف اتحاد الكتاب الذى تحول إلى عدم معرفة ما قيل والى الصمت المريب، وهو ما دفع الوزير ليستبدل تصريحه بهجوم مضاد آخر دون أن يرتفع صوت هذه الاتحادات بموقف معارض، خاصة بعد أن تم التصريح بشكل علنى على لسان علاء الأسوانى من "أنه لا يجوز لأى نقابة أو هيئة إعطاء بيانات أعضائها إلا بأمر قضائى".
وعن ذلك يردد المسئول عن اتحاد الكتاب "أنه لم يقرأ ما نشر، وأنه خارج القاهرة"، ويؤكد لنا حزين عمر أنه لا يعرف شيئا عن ذلك.
فى هذه الضوضاء التى علت أصواتها عقب سرقة اللوحة تأكد عديد من المسلمات فى الواقع المصرى منها أن التأكيد على اختيار "صاحب الثقة" لا الخبرة للمسئولية وفى الوقت نفسه تأكيد هذه المسئولية مع بقاء هذا المسئول أو ذاك لأكثر من عقدين فى منصب الوزير..
أهل الثقة لا أهل الخبرة
ومثقف "الحظيرة" لا المثقف خارجها..
وقبل هذا وبعده توظيف "أهل الثقة" مما أسقطنا فى الألفية الثالثة فى السقوط فى تعريف المثقف بين عديد من المثقفين ومساحات ألوان الطيف لا تنتهى فى هذه المساحة الممتدة إلى ما لا نهاية من المركز إلى أطراف الدائرة البعيدة.
مازلنا نعاين ردود الأفعال العاتية من المثقفين والفنانين، لكننا نعاين أيضا أن التأثير الغالب على صنع القرار السياسى لا يخضع فى كثير لهذا المثقف المتمرد النبيل سواء بالنمط "العضوى" أو – حتى "المستقل"، ويغيب من دائرة التأثير هذا المثقف الواعد عبر الصحف القومية والوسائل الرقمية المتباينة أو – حتى – عبر العديد من النقابات أو الاتحادات الرسمية وغير الرسمية ..
إن ما يصنع الغضب العام يظل أصداء تعلو فى حين أن القافلة، الدولة المركزية بتطورها فى العصر الحديث مازالت تمضى، بنا وهو واقع، وإن بدا حادا غليظا على عقل القارئ والمتلقى غير أن يظل واقعا ثقيلا نعيشه جميعا.. أيها السادة.. أليس كذلك؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.