أداء «ويل سميث» و«توم لي جونز» الراقي استطاع أن يوضع بجرعة الرعاية إلي أقصي حدودها دون أن يؤثر ذلك علي طبيعة المطاردات وعلي واقعية العنف ومشاهد الدم والقتل حاول الرجال السود في طبعتهم الثالثة أن يتحايلوا علي الملل بشتي الطرق فملأوا الفيلم أحداث ومطاردات ومغامرات كي لا يتركو للمتفرج سبيلا للتنفس متابعة لسياسة إخراج أجزاء ثانية للأفلام التي حققت نجاحا جماهيريا كبيرا وهي السياسة التي ابتدعتها هوليوود منذ نجاح فيلم «الأب الروحي» (والذي أتبعته بجزء ثان كان أكثر قوة من الأول .. وجزء ثالث هبط بالمستوي) والذي أصبح عادة متبعة فقدت الكثير من تأثيرها ولكنها كما يبدو لم تفقد جماهيريتها بدليل استمراريتها حتي اليوم. طبعا هناك مسابقة لأفلام الأجزاء هذه تمثل بأفلام «الشخصية» وهي التي ابتدعها «شارلي شابلن» منذ بدء ظهور السينما بتقمصه شخصية المتشرد العبقري «شارلو» بعصاه وقبعته وطريقة سيره وراحت هذه الشخصية بعد ذلك تثبت نفسها في الكثير من الأفلام وتبعه بعد ذلك عدد من الممثلين والممثلات اختصوا بأداء شخصية معينة يكررونها بشكل مستمر في أفلام مختلفة وفي مواضيع مختلفة بل إن هذه الطريقة انتقلت إلي مصر من خلال بعض أفلام «علي الكسار» ثم «إسماعيل ياسين» ولكن من الصعب أن نقول إن أفلام «الشخصية» تسير علي نفس منهج أفلام «الأجزاء» لأن الأجزاء تتمسك بخيوط الشخصية الأصلية .. ثم تضعها في مواقف مختلفة وفي مغامرات مختلفة. وهكذا مثلا انطلقت سلسلة جيمس بوند الشهيرة والتي مازالت مستمرة حتي اليوم رغم أنه قد مضي عليها أربعون سنة أو يزيد ثم جاءت سلسلة ملك الخواتم وسلسلة هاري بوتر وسلاسل الفضاء التي بدأت تتكرر وتتفتح وتزداد اتساعا مع اتساع النطاق التكنيكي والخيال السينمائي والحيل والتقنيات المدهشة التي باتت تتمتع بها السينما العالمية الآن. سلسلة «حرب الكواكب» جعلت من عالم الفضاء عالما رحبا يتسع للخيال السينمائي يفعل به ما يشاء سواء انطلاقا من مفهوم علمي أو مفهوم غرائبي أو مفهوم خيالي شعري وإن كان مفهوم الرعب والخطر الجاثم هو الأقوي والأشد تأثيرا. سماء وأحلام عالم النجوم والسماء المتسعة المرصعة بالكواكب والذي كان مهدا لأحلام الشعراء والرومانسية ونقطة انطلاق للعواطف المشوقة تحول إلي مهد للأفكار ومركز لوحوش لا تعرف الرحمة، تملك إمكانيات ضخمة لا نملكها وأسلحة ضاربة لا تعرف كيف نواجهها تطل علينا لتفتك بنا النجوم مليئة بكائنات متوحشة دموية تقتل بلا رحمة ولا يمكن التفاهم معها بأية طريقة من الطرق، وإذا كان فيلم سبيلبرج الوحيد لقاء مع الجنس الثالث هو الذي فتح طاقة صغيرة للتفاهم عن طريق الموسيقي فإن أغلب الأفلام التي جاءت بعد ذلك وركزت وكثرت تركيزا مباشرا علي أن عالم الكواكب الأخري عالم متوحش دموي ليس لدورهم إلا أن يفتك بسكان الأرض المغلوبين علي أمرهم .. والذين يحاولون بشتي الطرق مواجهة هذا الخطر الداهم الذي يهددهم والذي يأتيهم من هذه السماء التي طالما أحبوها. أفلام الخيال العلمي والأخيرة القائمة أغلبها علي المغامرات والمطاردات من وحوش السماء وسكان الأرض مازالت تجد جمهورا كبيرا يتقبلها ويهرع لمشاهدتها وتقوي خياله بكثير من الصور وتملأ قلبه ورأسه بالخيالات الممكنة وغير الممكنة. هذه الأفلام التي أصبحت تعتمد علي التكنيك المرتفع الذي تتمتع به السينما الأمريكية والقدرة علي صنع «عوالم» متخيلة يلعب فيها الديكور المبهر دورا أساسيا ورئيسيا في نقل المتفرج إلي هذا العالم الوهمي الذي يصوره الفيلم. وطبع هناك دائما هذا الصراع بين الشر المتمثل في الخطر الخارجي والخير الذي يتمثل في هؤلاء الرجال الشجعان الذين يواجهون الأخطار ويمنعونها من سحق عالمنا الذي نعيش فيه وتدمير معالمه. في هذا النوع من الأفلام القسمة واضحة هناك أبيض أبيض وأسود أسود هناك وحوش وهناك بشر هناك عدو فتاك وهناك مدافع شرسة مؤمنة بالإنسانية. والرجال السود منذ جزئه الأول لم يخرج عن هذا النطاق ولكنه استطاع أن يضيف إليه عنصرا لم يكن موجودا في أفلام مثل «اليان» أو «المنتقمون» وهو عنصر الدعاية والذي استغلت فيه مواهب النجم الأسمر «ويل سميث» لإعطاء شحنة من المرح والظرف علي كثير من المواقف نظرا لما تتمتع به شخصية هذا الممثل بالذات من «كاريزما» جعلت منه منذ ظهوره الأول نجما شعبيا مرموقا له جمهوره الكبير. «ويل سميث» ليس مجرد بطل حركة، إنه ممثل درامي حقيقي أثبت موهبته في أكثر من فيلم وفي أكثر من شخصية ولكنه من الرجال السود يجمع بين أكثر من ميزة وينجح في أن يكون لنفسه شخصية متميزة تختلف تماما عن شخصيات الأبطال الآخرين الذين يظهرون ويسطعون في مثل هذا النوع من الأفلام. ولعل وجود ويل سميث مع زميله توم لي جونز الذي يتمتع بشخصية قوية ووجه جامد التقاطيع واحساس بارد ظاهري يخفي وراءه الكثير من القلق والتساؤلات جاء مساعدا ليعطي هذا الثنائي قوة حقيقية تسيطر علي أحداث الفيلم وتكمل بعضها بعضا. الجزء الأول من الرجال السود رغم نجاحه الساحق انتظر قليلا قبل أن ينطلق بجزئه الثاني وها هو الجزء الثالث يأتينا بعد انتظار طويل أيضا وبعد تمهيد دعائي كبير. الجزء هذه المرة يبتدئ بداية مرعبة حقا ينطلق فيها الوحش البشري من كلمته «جوش برولين» حاملا في كفه عقربا متوحشا قادرا علي القتل الفوري وعلي فل الحديد، وعلي الانطلاق كسهم صاروخي قاتل لا يقف في طريقه أحد. هذا الوحش البشري بعقربه الهائل الفتاك يبد أعداءه ويكسر قضبان سجنه ويعود للأرض ليثأر من الرجال الذين امسكوا به. والفيلم يصور لنا من خلال عدة معارك الصراع بين الرجال السود وبينه وحتي لحظة الصراع النهائي التي تدور في محطة نووية لاطلاق الصواريخ الجوية البعيدة المدي خلال ذلك كله لا يكف الفيلم عن تخيل أحداثا بعضها يعتبر من الفانتازيا الحقيقية وبعضها يستمد قوته من الواقع المحيط به. هناك مثلا لعبة البولنج التي تستبدل بها الكرة بالرأس البشري ويبقي الجسم بلا رأس يتكلم ويتحرك فيما رأسه يطرح بكرات البولينج المتعددة. أسماك العملاقة وهناك مشاهد مطعم الأسماك.. والأسماك العملاقة التي تتحول فجأة إلي وحوش تهاجم ابطالنا بأفواه مفتوحة مليئة بالأسنان المشحوذة كالسكاكين. وهناك هذه المطاردة علي رأس ناطحة سحاب كبري يتعلق فيها البطل بعمود صغير قبل أن يهوي من أعلاها. وهناك هذا السيرك الذي تدور في أرجائه مطاردة من نوع خيالي وهناك ملعب الكرة وشخصية هذا الرجل الذي يملك نصف رأس والذي يحاول جاهدا مساعدة ابطالنا. كل ذلك يتأرجح بين فانتازيا خيالية وبين معالجة شديدة الواقعية وبين قدرته علي صنع جو من الدعابة الحلوة من خلال أداء ويل سميث العبقري. وبالطبع كل ذلك وكل هذه المغامرات التي شحذ لها الحد من خيالهم ليقدموا من خلالها أشياء مبتكرة لا تخطر بالبال قبل ذلك يقودنا إلي مشهد المطاردة النهائية في منصة الصواريخ النووية حيث لعب الديكور المبهر دوره في التأثير وحيث أخذت المغامرات شوطها النهائي لمصرع الوحش القادم من الفضاء رغم «بشريته» حيث يركز الفيلم علي بطولة ضابط أسود يذهب ضحية واجبه ولكنه يعطي الشعلة لابنه الصغير «في نوع من التملق الذي أراه رضيعا لحكم أوباما». كل هذا ليس مهماً قدر ما يمكننا أن نقول إن صانعي الرجال السود قدموا لنا في فيلمهم شريحة مليئة بشتي أنواع الخيال واستغلوا إمكانيات السينما الجديدة.. إلي أقصي حدودها من خلال الديكور والخدع السينمائية وإمكانيات الكاميرا المتطورة وأضافوا إليها جرعة الإبداع الإنساني المتمثلة في أداء كل من «ويل سميث» خصوصا و«توم لي جونز» واستطاعوا أن يدفعوا بجرعة الدعابة إلي أقصي حدودها دون أن يؤثر ذلك علي طبيعة المطاردات وعلي واقعية العنف وعلي مشاهدة الدم والقتل. محاولات مستميتة الرجال السود أو طبعته الثالثة يحاول جاهدا أن يختلف قليلا عن طبعيته السابقتين وأن يترك للخيال دورا أكبر وأوسع في تنشيط المواقف المثيرة يساعده علي ذلك ديكور متطور وإمكانيات نقية هائلة لكن يبقي الاحساس بأن المذاق الأصلي لم يتغير وأن كثرة تناول نوع واحد من الطعام مهما كان هذا الطعام لذيذا يوصل إلي الملل. لقد حاول الرجال السود في طبعتهم الثالثة أن يتحايلوا علي الملل بشتي الطرق فملأوا الفيلم أحداثا ومطاردات ومغامرات كي لا يتركوا للمتفرج سبيلا للتنفس ولكن المتفرج رغم ذلك كله تنفس الصعداء عندما وصل الرجال السود إلي خاتمتهم.