الخارجية: شحن 10 جثامين إلى مصر من الكويت.. وتسيير عودة 319 مواطناً    النيابة الإدارية تباشر الإشراف على انتخابات التجديد النصفي للأطباء البيطريين    بطء إعلان تكليف خريجي "العلوم الصحية" يثير الجدل، والنقيب يطالب بالتدخل العاجل    وزير التعليم العالي يبحث مع جامعة بون الألمانية آفاق التعاون الأكاديمي    رئيس مجلس النواب يحيل مشروع قانون بشأن إعدة تنظيم الأزهر للجنة مشتركة    النائب محمد صبحى يطالب بإدراج قرى محافظة المنوفية ضمن مشروعات البنية التحتية    محافظ القليوبية يتابع تطهير ترعة الشرقاوية.. وإنشاء كوبري مشاة أمام مجمع المدارس    فرصتك الأخيرة لتقنين الأوضاع.. أقل من 50 يومًا على غلق باب التصالح في مخالفات البناء    ارتفاع مؤشرات البورصة في مستهل تعاملات الإثنين    ب300 مليون دولار.. مجلس النواب يوافق على قرض من البنك الآسيوي لدعم الموازنة    رئيس البرلمان العربى يدين قصف إيران أمعسكرات بالكويت ومحطات الكهرباء وتحلية المياه    لبنان: غارات إسرائيلية تستهدف حاجزا عسكريا وعدة بلدات في الجنوب    شظايا صاروخ تصيب ناقلة وقود فى مصافى النفط الإسرائيلية    وزير الزراعة يهنئ السفير نبيل فهمي لاختياره أميناً عاماً لجامعة الدول العربية    اغتيال قائد البحرية الأدميرال علي رضا تنكسيري| الحرس الثوري الإيراني يؤكد    إسبانيا تستدعي القائم بأعمال سفارة إسرائيل بمدريد احتجاجا على منع قداس الشعانين في كنيسة القيامة    مواعيد مباريات اليوم الإثنين 30-3-2026 والقنوات الناقلة    حسام حسن وتريزيجيه يتحدثان عن مواجهة مصر وإسبانيا فى مؤتمر صحفي اليوم    موعد مباراة الزمالك الودية أمام الشرقية للدخان    تقرير- الركراكي مرشح لتدريب السعودية في كأس العالم    رئيس جامعة القناة يهنئ الطالب الحسن محمد بحصوله على فضية بطولة الكوميتيه بروما    السيطرة على حريق بمخزن بلاستيك بشبرا الخيمة دون خسائر بشرية    دماء فى مينا البصل.. كواليس فيديو ساطور الإسكندرية وسقوط المتهم بقبضة الأمن    المتهمة تحضر بعباءة سوداء في أولى جلسات نظر قضية عروس بورسعيد    وزير التربية والتعليم: إجراء التقييمات الأسبوعية في مواعيدها المحددة لضمان استمرارية قياس مستوى الطلاب    سقوط متهم بالاتجار في الأسلحة قبل ترويجها بالفيوم    حكاية عبد الحليم حافظ مع القصيدة العربية.. من لقاء إلى قارئة الفنجان    فى ذكرى رحيل العندليب.. ابنة طبيب عبد الحليم حافظ تكشف سر وفاته    محافظ القليوبية: الانتهاء من أعمال إنشاء مكتبة مصر العامة بشبرا الخيمة 30 مايو    فخ "الضربة الواحدة".. سوسيولوجيا المراهنات الإلكترونية ووهم الثراء السريع    الأوقاف عبر صحح فاهميك: التنمر مش هزار.. كلمة صغيرة أو نظرة استهزاء ممكن توجع أكتر من الضرب    الرعاية الصحية تعلن إجراء أكثر من 865 ألف عملية وتدخل جراحي من خلال 43 مستشفى ومجمعًا طبيًا تابعين للهيئة    من التبول المتكرر إلى الألم الحاد، علامات تحذيرية لحصوات المثانة    «الصحة»: نواب الوزير يناقشون مؤشرات أداء منظومة تقييم مديري ووكلاء مديريات الشؤون الصحية    كيف تؤثر رائحة المطر على مرضى الحساسية؟‬    المصري يستضيف الجونة في كأس عاصمة مصر    خطأ طبي ومعاناة مستمرة انتهت برحيل فاطمة كشري    هاني رمزي: لم أفشِ أي أسرار خلال فترة عملي في الأهلي    الأوقاف عن الإرهابى عبد الونيس: مفيش إرهاب نهايته نصر.. نهايته دايما ندم    الإفتاء: لا تقتلوا الحيوانات الضالة.. الحل في الرحمة لا القسوة    الأزهر يواصل حملة «وعي».. الرد على شبهة الاكتفاء بالقرآن وإنكار حجية السنة    الطماطم ب35.. أسعار الخضراوات اليوم الإثنين 30 مارس 2026 فى الإسكندرية    شعبة الخضروات: طرح كيلو الطماطم ب 21.5 جنيه في المجمعات الاستهلاكية    مصرع طفلة وإصابة والدتها صدمتهما سيارة أثناء عبور الطريق بالشيخ زايد    كواليس القبض على الإرهابي علي عبد الونيس ومصير حركة حسم في مصر    حملة مكبرة لرفع الإشغالات وعوائق الطريق بمركز أبشواي فى الفيوم    عرض طقم كيم كاردشيان في مزاد علني ب 80 مليون دولار (صور)    إفيه يكتبه روبير الفارس: السأم والثعبان    الناس بيطلبوني بالاسم.. الدكتورة "ولاء" أول وأقدم مأذونة بكفر الشيخ: جوزي اللي قدم لي ونجحت من بين 29 متقدم| صور    5 أبريل.. سياحة قناة السويس تنظم مؤتمرها البيئي الثاني    أسعار اللحوم الحمراء اليوم الإثنين 30 مارس    إميلي بلانت تتخلف عن الجولات الترويجية لفيلم The Devil Wears Prada 2    في ليلة الوفاء ل«شاهين».. انطلاق الدورة ال15 لمهرجان الأقصر للسينما الإفريقية    البابا تواضروس الثاني يزور دير القديس مكاريوس السكندري في ذكرى نياحة "الأنبا باخوميوس"    وكالة فارس: دوي انفجارات في طهران ومدينة الري جنوب العاصمة    الكنيست الإسرائيلي يقر زيادة هائلة في ميزانية الدفاع    وكيل قندوسي يكشف حقيقة مفاوضات الزمالك    الداخلية تضبط "بلوجر" بتهمة نشر مقاطع تتنافى مع القيم المجتمعية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تفوق إيطاليا و«المطبخ».. وآفاق جديدة في الإبداع
نشر في القاهرة يوم 21 - 12 - 2010

من سحر الصورة وأيقونة التشكيل المجسم.. ومن التنوع والخروج إلي فضاءات أكثر اتساعا.. ارتاد الفن آفاقا جديدة مع التطور المتلاحق للعلوم.. بدءا من «النسبية» لإنشتاين بدايات القرن العشرين التي نقلت الفن من سكونية التكعيبية إلي الحركة الدائبة للمستقبلية.. وحتي عصر الفضاء والايهام بالبعد الرابع. ومع الألفية الثالثة تأكد زواج الفن والعلم.. والانتقال إلي مجتمع ما بعد الصناعة، بتلك الثورة الرقمية التي تنساب بأنظمة الديجيتال وتنوع الكيانات الإبداعية للفن المفاهيمي أو الفنون التي تعتمد علي أفكار وبرامج مسبقة، تعانقت مع وسائل الاتصال من الميديا الحديثة التي حلقت في دنيا الاليكترون. ومن وحي كل هذا، جاء بينالي القاهرة في دورته الثانية عشرة، بمشاركة 45 دولة من مختلف بلدان العالم بإجمالي 78 فنانا احتشدت أعمالهم بقاعات قصر الفنون ومتحف الفن الحديث ومركز محمود مختار الثقافي.
وقد تأرجحت الأعمال بين الصعود والهبوط في المستوي، وبين الابهار الظاهري والافتقار للدهشة وعمق الفن.
لكن يظل ما قدمته إيطاليا من تلك الفضاءات التصويرية مع تجهيز «المطبخ» للفنانة آمال قناوي، وقلة من الأعمال، إضافة ارتفعت بمستوي البينالي وأكدت شخصيته بين بيناليات العالم.
أمريكا العربية
جاء تمثيل أمريكا بأربع فنانات أمريكيات من أصل عربي تمثيلا منقوصا، خاصة وقد دفع بهن المتحف العربي الأمريكي الوطني التابع لمركز الجالية العربية للخدمة الاجتماعية والاقتصادية وكان من الأفضل أن تكون المشاركة أمريكية بشكل حقيقي رغم ذوبان الفنانات في نسيج المجتمع هناك، فالهدف الأساسي من البينالي هو إقامة جسر من الحوار بين شعوب العالم خاصة الشرق والغرب، وهنا نتذكر إنسان الفنان الأمريكي دانيل جوزيف في دورة البينالي العاشرة والذي كان يرقد مستلقيا علي ظهره ضئيلا مسلوب الإرادة، ويهتز آليا في تشنجات عصبية يكاد يقوم ثم يهدأ مرة أخري، وهو يعكس إنسان العولمة الذي يقاوم فقدان الهوية.
كما نتذكر عرض الفنانة الأمريكية ستاينكامب «الدراويش» في دورة البينالي الحادية عشرة ولذي جاء أشبه بنوافير الأحلام من خلال ثلاث شجرات تهتز وتميل إليكترونيا وتشرق باللون «فيديو».
والفنانات الأمريكيات الأربع: أنابيل ضو وداليا السيد وريم القاضي ونادية عياري قدمن أعمالا بوسائط من الميديا الحديثة وهي أعمال أشبه بخرائط تصويرية.
مثلما نري في عمل الفنانة أنابيل ضو «جائزة البيالي - مناصفة» وقد قدمت تجهيزا في الفراغ يشتمل علي كتابات نصية بالانجليزية والعربية، تؤكد فيه علي معني التواصل وتأكيد الوجود وتردد الكلمات: أنا هنا.. أنا «هون» وتنساب التساؤلات: من أين وإلي أين؟ وبين الكتابات والكتابات دوائر تلقائية سوداء بمثابة محطات للتواصل - لكن جاء تمثيل إيطاليا من أهم ما قدم بالبينالي: ثلاثة فنانين كبار يقدمون درسا في التنوع والأداء والثراء، تتعانق أعمالهم مع اتجاهات ما بعد الحداثة من خلال لوحة التصوير: الفنان باولوجيوتو والفنانة ريتا والفنانة فاليريا.
وتمتد أعمال باولو برقة وأناقة، تذكرنا بمداعبات الفنان ميرو، بتلك الخيوط الحريرية السوداء التي تنساب علي سطوح من الكتان، في كثافة شديدة أحيانا وفي أحيان أخري تتدلي أو تتحرك علي السطح في استدارات وإنحاءات وخطوط مستقيمة تشكل عالما غنائيا.
أما العمل المركب الذي قدمته ريتا ميلي فيشتمل علي 180 شريحة في أحجام صغيرة علي مساحة صرحية تتجاوز ثمانية أمتار مربعة، وهي تشتمل علي حروف بارزة وغائرة تشكل كلمة الحب بالعربية وكل لغات العالم ومعظمها تتشكل باللون الأبيض فوق الأبيض تذكرنا بصورة الفنان الروسي ماليفتسن «أبيض علي أبيض» التي أبدعها عام 1918، وتتخلل شرائح ريتا البيضاء شرائح أخري سوداء بمثابة انتقالات مع الاخضر الخفيف، وهي معزوفات تشد وبالحب والسلام.
وتبقي أعمال فالير ياكورفينو صورة لدقة وشاعرية الأداء، تنتمي للسوبر ريالزم أو الإمعان في الواقعية من خلال تلك الأعمال النحتية التي انجزت في العصر الروماني، التي نقلتها علي سطوح لوحاتها التصويرية وقد دبت فيها الروح من خلال الايحاءات والحركات واللقطات المقربة «الكلوز»، حيث نطالع العروق النافرة في الأذرع وهي تضيف إليها طيات من النسيج الأحمر مع الشرائط السوداء التي تبدو في الخلفية أو تقطع اللوحة كوسيلة للخروج إلي حالة أخري جديدة تتميز بالحيوية وحرارة التعبير.
رجل وامرأة
في الصحن الرئيسي بقصر الفنون يتربع التشكيل المجسم أو العمل الفني المركب للفنانة الفلبينية جوزفين وهو عبارة عن كائن ديناصوري متعدد الأطراف جسدته من بسط ومفارش أرضية ملونة مع دنيا من الاكسسوار، ورغم ما يحمل من الابهار إلا أنه لا يتجاوز في النهاية مشهدا سينمائيا، ديكور يفتقد إلي درامية الإبداع وقد شغل حيزا كبيرا وتصدر قصر الفنون.
ومن السويد جاء عرض ناتالي ديوربرج «تجهيز فيديو»، بمثابة صراع طويل بين عروستين: رجل وامرأة، تتشابك فيه الأيدي والسيقان ويدخل عنصر ثالث، كتلة فاحمة سوداء تزحف عليهما ويشترك في الصراع، وتبدو فكرة العرض من وحي الأساطير هناك، هل تقصد الفنانة ثنائية الخير والشر؟ «فاز بجائزة البينالي»، ومن جنوب أفريقا جسد الفنان ماركو ثلاثية تصويرية لجمجمة بالأبيض والأسود، جاءت في ثلاث حالات تعبيرية علي سطوح سوداء، تتألق بسحر كوني تعكس للصمت والسكون والوجود والعدم.
ومن زيمبابوي جاء تشكيل في الفراغ لكوداني شيوراي انعكاسا لهموم وطنه السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
والتشكيل عبارة عن ثلاثة صناديق خشبية مغلقة كل صندوق يعلو غطاءه صورة شخصية بالوسائط لأحد القادة من وزير الصحة إلي وزير الدفاع، ويحمل العمل الكثير من الغموض والايهام لما تحمل تلك الصناديق من أشياء مخبوءة، فهي صناديق مغلقة علي أسرار لا نعرفها «فاز بجائزة البينالي مناصفة».
ومن جورجيا جاء العرض البديع للفنان كوكارا «تجهيز فيديو» يصور رجلا وامرأة جالسين أمام منضدة زجاجية، هو يصب اللبن فينساب في بقعة علي سطح المنضدة وهي تصب الشاي من براد يمتد أيضا في بقعة، العجيب انهما لا يلتقيان، ولا يتمزجان، وعلي أرضية القاعة مساحة متسعة تسيل في بقعة كبيرة، وقد أراد الفنان أن يقول: رغم أننا من أصل واحد إلا أننا نلتقي.. إشارة إلي صدام وصراع الحضارات.
مصر والجائزة الكبري
في بينالي القاهرة شاركت مصر بأعمال خمسة فنانين: آمال قناوي وحلمي التوني وخالد حافظ وكريم القريطي ومحمد رضوان، وطوال رحلتها مع الإبداع تقدم آمال أعمالا تنتمي لفنون ما بعد الحداثة من تجهيز فيديو مع الأعمال المركبة، يتجسد فيها الحلم المجهض للمرأة، ومن خلال هذا العمل الذي قدمته «المطبخ» يتأكد وعيها الشديد ورؤيتها البليغة فيما يتعلق بهموم المرأة المعاصرة، وقد قدمت مطبخا كاملا في ركن من القاعة، مع ركن آخر يحتشد بأصص الزرع وقفص للعصافير، ومرايا وأضواء نيون وثلاث قنوات فيديو تبث صورا إلكترونية، الأول يصور أطفالا في مدرسة يقدمون أناشيد ورغم الغناء، يمارس عليهم القهر من مدرسهم، والثاني يجسد شخصا علي كرسي متحرك في اهتزازات، أما الثالث فيقدم عرضا حيا بالفيديو تبدو فيه آمال زاحفة علي الأرض تقود مجموعة من البشر من البسطاء، يزحفون علي مرأي ومسمع من المارة وحركة السيارات والباصات وهنا تشتبك مع الأمن ويحتدم الاشتباك والصوت العالي!
في هذا العرض تريد أن تؤكد أن المرأة مازالت تواجه العقبات والعقبات، فقط تمارس دورها داخل المطبخ بالمنزل، لكن حينما تخرج إلي الشارع حتي ولو تقلدت سلطة، تبدو مكبلة بتلك النظرة التي تعوق حركتها، وبدلا من أن تقف وتسير في اتجاهها تنحني وتزحف بيديها ومعها قطيع من البشر، هكذا أرادت لها الظروف وهكذا يريدها المجتمع والمسألة تبدأ بالقهر من التربية الأولي. العرض مسكون بالمرايا التي تجعل المشاهد يتوحد معه، فهو عرض تفاعلي يصدمنا ويدهشنا، ونتوحد معه ونفكر ونسأل: هل تتغير النظرة إلي المرأة في المجتمعات الحديثة؟!
وهو يمثل عمق «الفيمنيزم آرت» أو فن المرأة مع روح البوب «الثقافة الجماهيرية» وفي نفس الوقت ينتمي إلي واقعية أخري جديدة تلتقي مع الواقعية السحرية من خلال فن الأداء.
ومن مصر أيضا قدم الفنان حلمي التوني صروحا تصويرية تمتزج فيها اللمسة المعاصرة مع روح الفن الفرعوني في إشارات يتقابل فيها مفتاح الحياة مع علامة استفهام «شعار البينالي».
أما خالد حافظ فيقدم ملحمة طويلة متعددة الشخوص والكائنات بلمسة يتعانق فيها روح الفن الفرعوني، بشخوصه وحيواناه وكائناته المقدسة، لكن تبعث من جديد علي السطح التصويري في ايقاع آخر جديد وحالة تعبيرية تنتمي للألفية الثالثة يتقابل فيها الأصيل والمعاصر، وحين يمتزج القديم بالشعبي أو «البوب» الحديث تتحقق معادلة أن نكون وبشكل حقيقي خاصة والتشكيل يتجه نحو المستقبل في خط مستقيم.
وقد جاءت ثلاثية كريم القريطي التصويرية باتساع مساحتها تجسد معاني: السلطة والابتهال والقهر بألوان صفراء داكنة علي خلفية سوداء.
وتنساب وجوه وأقنعة محمد رضوان علي خلفية بيضاء، وهي وجوه بيضاء أيضا تبدو مسكونة بالتعبير، إلا أنها تعكس ضياعا بفعل الأبيض علي الأبيض. هل اراد الفنان الإشارة إلي ضياع إنسان الألفية الثالثة بفعل التطاحن البشري، خاصة وهي تحمل ملامح عديدة من الانفعال؟!
ألمانيا وعالم إنساني
ومن ألمانيا تألقت أعمال الفنانة هانا فان جنيكل في لوحة التصوير التي اعتمدت فيها علي الميثولوجي الشعبي هناك، وجاءت شديدة الإنسانية، كما في لوحتها التي جسدت فيها فتاة بيضاء في رداء أبيض بملامح البراءة وساقها مقطوعة تقف فيها دماء حمراء قانية وفي الخلفية لوحة لزوج من الوعول.
كما جمعت أعمال الفنان هانر زنجراف، بين دقة وبلاغة الأداء والايقاع الهندسي الصارم وبين إحكام التصميم والسطوح الصريحة التي تتقابل وتتحاور مع همس الظلال.
ومن لبنان جاءت أعمال زينا عاصي التصويرية دنيا من الزحام اشبه بالارابيسك تجسد روح المدنية المعاصرة تزدحم بالخطوط والمساحات والبشر والفتحات والبوابات.
وعلي سطوح قريبة من البرتقالي تتألق معزوفات الفنان اللبناني وليد المصري التصويرية بروح الفن الإسلامي في فضاء شاسع، فضاء صوفي حالم.
أما أعمال جوبل أندريا من مدغشقر فيقدم تجهيزا في الفراغ، مجموعة من اللوحات الضخمة مغلفة بالورق الأسود، تستند متجاورة إلي الحائط فقط يطل من لوحة عنيان بوسيط طباعي، وكأنها شفرات سرية.
ومن قطر جاءت أعمال سلمان المالك تفيض بعالم تعبيري من التواصل الإنساني مع حروفية علي حسن التي ينساب فيها الحرف العربي، ينثني ويبتهل يكاد يتحرك من فرط الحيوية.
وتطل أعمال خوان برجوس من ارجواي بواقعية أسطورية تزدحم بالنقوش والشخوص والاشجار والوحوش وطزاجة الألوان.
ويجسد ماهي ينبين من المغرب ايحاءات وإشارات تتواصل فيها البشر في آفاق سيريالية تتجاوز الواقع، كما تتوحد فنون النحت والتصوير والفيديو والرسوم في تجهيز في الفراغ لمنير فاطمي «جائزة البينالي».
وفي النهاية تحية إلي بينالي القاهرة في دورته الحالية بعمق تلك الأعمال التي جسدت روح الألفية الثالثة.
صلاح بيصار
تفوق إيطاليا و«المطبخ».. وآفاق جديدة في الإبداع
من سحر الصورة وأيقونة التشكيل المجسم.. ومن التنوع والخروج إلي فضاءات أكثر اتساعا.. ارتاد الفن آفاقا جديدة مع التطور المتلاحق للعلوم.. بدءا من «النسبية» لإنشتاين بدايات القرن العشرين التي نقلت الفن من سكونية التكعيبية إلي الحركة الدائبة للمستقبلية.. وحتي عصر الفضاء والايهام بالبعد الرابع. ومع الألفية الثالثة تأكد زواج الفن والعلم.. والانتقال إلي مجتمع ما بعد الصناعة، بتلك الثورة الرقمية التي تنساب بأنظمة الديجيتال وتنوع الكيانات الإبداعية للفن المفاهيمي أو الفنون التي تعتمد علي أفكار وبرامج مسبقة، تعانقت مع وسائل الاتصال من الميديا الحديثة التي حلقت في دنيا الاليكترون. ومن وحي كل هذا، جاء بينالي القاهرة في دورته الثانية عشرة، بمشاركة 45 دولة من مختلف بلدان العالم بإجمالي 78 فنانا احتشدت أعمالهم بقاعات قصر الفنون ومتحف الفن الحديث ومركز محمود مختار الثقافي.
وقد تأرجحت الأعمال بين الصعود والهبوط في المستوي، وبين الابهار الظاهري والافتقار للدهشة وعمق الفن.
لكن يظل ما قدمته إيطاليا من تلك الفضاءات التصويرية مع تجهيز «المطبخ» للفنانة آمال قناوي، وقلة من الأعمال، إضافة ارتفعت بمستوي البينالي وأكدت شخصيته بين بيناليات العالم.
أمريكا العربية
جاء تمثيل أمريكا بأربع فنانات أمريكيات من أصل عربي تمثيلا منقوصا، خاصة وقد دفع بهن المتحف العربي الأمريكي الوطني التابع لمركز الجالية العربية للخدمة الاجتماعية والاقتصادية وكان من الأفضل أن تكون المشاركة أمريكية بشكل حقيقي رغم ذوبان الفنانات في نسيج المجتمع هناك، فالهدف الأساسي من البينالي هو إقامة جسر من الحوار بين شعوب العالم خاصة الشرق والغرب، وهنا نتذكر إنسان الفنان الأمريكي دانيل جوزيف في دورة البينالي العاشرة والذي كان يرقد مستلقيا علي ظهره ضئيلا مسلوب الإرادة، ويهتز آليا في تشنجات عصبية يكاد يقوم ثم يهدأ مرة أخري، وهو يعكس إنسان العولمة الذي يقاوم فقدان الهوية.
كما نتذكر عرض الفنانة الأمريكية ستاينكامب «الدراويش» في دورة البينالي الحادية عشرة ولذي جاء أشبه بنوافير الأحلام من خلال ثلاث شجرات تهتز وتميل إليكترونيا وتشرق باللون «فيديو».
والفنانات الأمريكيات الأربع: أنابيل ضو وداليا السيد وريم القاضي ونادية عياري قدمن أعمالا بوسائط من الميديا الحديثة وهي أعمال أشبه بخرائط تصويرية.
مثلما نري في عمل الفنانة أنابيل ضو «جائزة البيالي - مناصفة» وقد قدمت تجهيزا في الفراغ يشتمل علي كتابات نصية بالانجليزية والعربية، تؤكد فيه علي معني التواصل وتأكيد الوجود وتردد الكلمات: أنا هنا.. أنا «هون» وتنساب التساؤلات: من أين وإلي أين؟ وبين الكتابات والكتابات دوائر تلقائية سوداء بمثابة محطات للتواصل - لكن جاء تمثيل إيطاليا من أهم ما قدم بالبينالي: ثلاثة فنانين كبار يقدمون درسا في التنوع والأداء والثراء، تتعانق أعمالهم مع اتجاهات ما بعد الحداثة من خلال لوحة التصوير: الفنان باولوجيوتو والفنانة ريتا والفنانة فاليريا.
وتمتد أعمال باولو برقة وأناقة، تذكرنا بمداعبات الفنان ميرو، بتلك الخيوط الحريرية السوداء التي تنساب علي سطوح من الكتان، في كثافة شديدة أحيانا وفي أحيان أخري تتدلي أو تتحرك علي السطح في استدارات وإنحاءات وخطوط مستقيمة تشكل عالما غنائيا.
أما العمل المركب الذي قدمته ريتا ميلي فيشتمل علي 180 شريحة في أحجام صغيرة علي مساحة صرحية تتجاوز ثمانية أمتار مربعة، وهي تشتمل علي حروف بارزة وغائرة تشكل كلمة الحب بالعربية وكل لغات العالم ومعظمها تتشكل باللون الأبيض فوق الأبيض تذكرنا بصورة الفنان الروسي ماليفتسن «أبيض علي أبيض» التي أبدعها عام 1918، وتتخلل شرائح ريتا البيضاء شرائح أخري سوداء بمثابة انتقالات مع الاخضر الخفيف، وهي معزوفات تشد وبالحب والسلام.
وتبقي أعمال فالير ياكورفينو صورة لدقة وشاعرية الأداء، تنتمي للسوبر ريالزم أو الإمعان في الواقعية من خلال تلك الأعمال النحتية التي انجزت في العصر الروماني، التي نقلتها علي سطوح لوحاتها التصويرية وقد دبت فيها الروح من خلال الايحاءات والحركات واللقطات المقربة «الكلوز»، حيث نطالع العروق النافرة في الأذرع وهي تضيف إليها طيات من النسيج الأحمر مع الشرائط السوداء التي تبدو في الخلفية أو تقطع اللوحة كوسيلة للخروج إلي حالة أخري جديدة تتميز بالحيوية وحرارة التعبير.
رجل وامرأة
في الصحن الرئيسي بقصر الفنون يتربع التشكيل المجسم أو العمل الفني المركب للفنانة الفلبينية جوزفين وهو عبارة عن كائن ديناصوري متعدد الأطراف جسدته من بسط ومفارش أرضية ملونة مع دنيا من الاكسسوار، ورغم ما يحمل من الابهار إلا أنه لا يتجاوز في النهاية مشهدا سينمائيا، ديكور يفتقد إلي درامية الإبداع وقد شغل حيزا كبيرا وتصدر قصر الفنون.
ومن السويد جاء عرض ناتالي ديوربرج «تجهيز فيديو»، بمثابة صراع طويل بين عروستين: رجل وامرأة، تتشابك فيه الأيدي والسيقان ويدخل عنصر ثالث، كتلة فاحمة سوداء تزحف عليهما ويشترك في الصراع، وتبدو فكرة العرض من وحي الأساطير هناك، هل تقصد الفنانة ثنائية الخير والشر؟ «فاز بجائزة البينالي»، ومن جنوب أفريقا جسد الفنان ماركو ثلاثية تصويرية لجمجمة بالأبيض والأسود، جاءت في ثلاث حالات تعبيرية علي سطوح سوداء، تتألق بسحر كوني تعكس للصمت والسكون والوجود والعدم.
ومن زيمبابوي جاء تشكيل في الفراغ لكوداني شيوراي انعكاسا لهموم وطنه السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
والتشكيل عبارة عن ثلاثة صناديق خشبية مغلقة كل صندوق يعلو غطاءه صورة شخصية بالوسائط لأحد القادة من وزير الصحة إلي وزير الدفاع، ويحمل العمل الكثير من الغموض والايهام لما تحمل تلك الصناديق من أشياء مخبوءة، فهي صناديق مغلقة علي أسرار لا نعرفها «فاز بجائزة البينالي مناصفة».
ومن جورجيا جاء العرض البديع للفنان كوكارا «تجهيز فيديو» يصور رجلا وامرأة جالسين أمام منضدة زجاجية، هو يصب اللبن فينساب في بقعة علي سطح المنضدة وهي تصب الشاي من براد يمتد أيضا في بقعة، العجيب انهما لا يلتقيان، ولا يتمزجان، وعلي أرضية القاعة مساحة متسعة تسيل في بقعة كبيرة، وقد أراد الفنان أن يقول: رغم أننا من أصل واحد إلا أننا نلتقي.. إشارة إلي صدام وصراع الحضارات.
مصر والجائزة الكبري
في بينالي القاهرة شاركت مصر بأعمال خمسة فنانين: آمال قناوي وحلمي التوني وخالد حافظ وكريم القريطي ومحمد رضوان، وطوال رحلتها مع الإبداع تقدم آمال أعمالا تنتمي لفنون ما بعد الحداثة من تجهيز فيديو مع الأعمال المركبة، يتجسد فيها الحلم المجهض للمرأة، ومن خلال هذا العمل الذي قدمته «المطبخ» يتأكد وعيها الشديد ورؤيتها البليغة فيما يتعلق بهموم المرأة المعاصرة، وقد قدمت مطبخا كاملا في ركن من القاعة، مع ركن آخر يحتشد بأصص الزرع وقفص للعصافير، ومرايا وأضواء نيون وثلاث قنوات فيديو تبث صورا إلكترونية، الأول يصور أطفالا في مدرسة يقدمون أناشيد ورغم الغناء، يمارس عليهم القهر من مدرسهم، والثاني يجسد شخصا علي كرسي متحرك في اهتزازات، أما الثالث فيقدم عرضا حيا بالفيديو تبدو فيه آمال زاحفة علي الأرض تقود مجموعة من البشر من البسطاء، يزحفون علي مرأي ومسمع من المارة وحركة السيارات والباصات وهنا تشتبك مع الأمن ويحتدم الاشتباك والصوت العالي!
في هذا العرض تريد أن تؤكد أن المرأة مازالت تواجه العقبات والعقبات، فقط تمارس دورها داخل المطبخ بالمنزل، لكن حينما تخرج إلي الشارع حتي ولو تقلدت سلطة، تبدو مكبلة بتلك النظرة التي تعوق حركتها، وبدلا من أن تقف وتسير في اتجاهها تنحني وتزحف بيديها ومعها قطيع من البشر، هكذا أرادت لها الظروف وهكذا يريدها المجتمع والمسألة تبدأ بالقهر من التربية الأولي. العرض مسكون بالمرايا التي تجعل المشاهد يتوحد معه، فهو عرض تفاعلي يصدمنا ويدهشنا، ونتوحد معه ونفكر ونسأل: هل تتغير النظرة إلي المرأة في المجتمعات الحديثة؟!
وهو يمثل عمق «الفيمنيزم آرت» أو فن المرأة مع روح البوب «الثقافة الجماهيرية» وفي نفس الوقت ينتمي إلي واقعية أخري جديدة تلتقي مع الواقعية السحرية من خلال فن الأداء.
ومن مصر أيضا قدم الفنان حلمي التوني صروحا تصويرية تمتزج فيها اللمسة المعاصرة مع روح الفن الفرعوني في إشارات يتقابل فيها مفتاح الحياة مع علامة استفهام «شعار البينالي».
أما خالد حافظ فيقدم ملحمة طويلة متعددة الشخوص والكائنات بلمسة يتعانق فيها روح الفن الفرعوني، بشخوصه وحيواناه وكائناته المقدسة، لكن تبعث من جديد علي السطح التصويري في ايقاع آخر جديد وحالة تعبيرية تنتمي للألفية الثالثة يتقابل فيها الأصيل والمعاصر، وحين يمتزج القديم بالشعبي أو «البوب» الحديث تتحقق معادلة أن نكون وبشكل حقيقي خاصة والتشكيل يتجه نحو المستقبل في خط مستقيم.
وقد جاءت ثلاثية كريم القريطي التصويرية باتساع مساحتها تجسد معاني: السلطة والابتهال والقهر بألوان صفراء داكنة علي خلفية سوداء.
وتنساب وجوه وأقنعة محمد رضوان علي خلفية بيضاء، وهي وجوه بيضاء أيضا تبدو مسكونة بالتعبير، إلا أنها تعكس ضياعا بفعل الأبيض علي الأبيض. هل اراد الفنان الإشارة إلي ضياع إنسان الألفية الثالثة بفعل التطاحن البشري، خاصة وهي تحمل ملامح عديدة من الانفعال؟!
ألمانيا وعالم إنساني
ومن ألمانيا تألقت أعمال الفنانة هانا فان جنيكل في لوحة التصوير التي اعتمدت فيها علي الميثولوجي الشعبي هناك، وجاءت شديدة الإنسانية، كما في لوحتها التي جسدت فيها فتاة بيضاء في رداء أبيض بملامح البراءة وساقها مقطوعة تقف فيها دماء حمراء قانية وفي الخلفية لوحة لزوج من الوعول.
كما جمعت أعمال الفنان هانر زنجراف، بين دقة وبلاغة الأداء والايقاع الهندسي الصارم وبين إحكام التصميم والسطوح الصريحة التي تتقابل وتتحاور مع همس الظلال.
ومن لبنان جاءت أعمال زينا عاصي التصويرية دنيا من الزحام اشبه بالارابيسك تجسد روح المدنية المعاصرة تزدحم بالخطوط والمساحات والبشر والفتحات والبوابات.
وعلي سطوح قريبة من البرتقالي تتألق معزوفات الفنان اللبناني وليد المصري التصويرية بروح الفن الإسلامي في فضاء شاسع، فضاء صوفي حالم.
أما أعمال جوبل أندريا من مدغشقر فيقدم تجهيزا في الفراغ، مجموعة من اللوحات الضخمة مغلفة بالورق الأسود، تستند متجاورة إلي الحائط فقط يطل من لوحة عنيان بوسيط طباعي، وكأنها شفرات سرية.
ومن قطر جاءت أعمال سلمان المالك تفيض بعالم تعبيري من التواصل الإنساني مع حروفية علي حسن التي ينساب فيها الحرف العربي، ينثني ويبتهل يكاد يتحرك من فرط الحيوية.
وتطل أعمال خوان برجوس من ارجواي بواقعية أسطورية تزدحم بالنقوش والشخوص والاشجار والوحوش وطزاجة الألوان.
ويجسد ماهي ينبين من المغرب ايحاءات وإشارات تتواصل فيها البشر في آفاق سيريالية تتجاوز الواقع، كما تتوحد فنون النحت والتصوير والفيديو والرسوم في تجهيز في الفراغ لمنير فاطمي «جائزة البينالي».
وفي النهاية تحية إلي بينالي القاهرة في دورته الحالية بعمق تلك الأعمال التي جسدت روح الألفية الثالثة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.