النائب العام يستقبل عددًا من رؤساء الاستئناف لعرض كشوف إنجاز القضايا    مجلس الوزراء بعد إلغاء وزارة قطاع الأعمال العام: نعمل على تنظيم وضع الشركات التابعة لها    تفاصيل اللقاء ال7 بين ترامب ونتنياهو بالبيت الأبيض    الحكومة الألمانية تدرس منح طيران الإمارات حقوق الهبوط في مطار برلين    مباشر الدوري الإنجليزي - سندرلاند (0)-(0) ليفربول.. انطلاق المباراة    حماة الوطن يعلن إعداد تشريع للحماية من مخاطر الفضاء الإلكتروني لتقديمه لمجلس النواب    طرح البرومو الأول لفيلم «إيجي بست» بطولة أحمد مالك وسلمى أبو ضيف| فيديو    صحة الغربية تطلق عيادات متخصصة للعلاج على نفقة الدولة بمراكز طب الأسرة    «القطاع العام فى مصر».. شهادة للتحولات الاقتصادية الكبرى    محافظ بني سويف: نعمل بروح الفريق مع أعضاء البرلمان لخدمة المواطنين    قرار جديد ضد عاطل متهم بالتحرش بطالبة في الطريق العام بأكتوبر    سندرلاند ضد ليفربول.. محمد صلاح وإيكيتيكي يقودان هجوم الريدز بالبريميرليج    وزيرا خارجية عمان وقبرص يبحثان مستجدات الملف النووي الإيراني    محمود عزت رأس الأفعى    أحمد موسى: الحكومة الجديدة مكلفة باستكمال مسيرة التنمية    ضبط 220 كجم سمن و336 زجاجة خل مجهولي المصدر في حملات تموينية بالإسكندرية    فصل التيار الكهربائي عن عدد من أحياء مدينة كفر الشيخ غداً    مسلسل علي كلاي.. حصريا على قناة dmc    مجدى مرشد: موافقة البرلمان على التعديل الوزاري تمت وفقًا للدستور    جهاز تنمية المشروعات بالإسكندرية: 76% من تمويلات الجهاز موجهة للقطاع الصناعي    خالد منتصر يفتح النار على شيماء سيف بعد تصريحاتها عن الفن.. اعرف التفاصيل    سعر شراء الدولار فى بنك مصر 46.82 جنيه للشراء    الشيخ خالد الجندي: النفس أخطر من إبليس    استقرار أسعار الحديد و الأسمنت الوم الأربعاء 11 فبراير 2026    نائب وزير الصحة يتفقد مستشفى المبرة وعيادات التأمين الصحي بأسيوط.. يوجه بسرعة مناظرة الحالات    التحالف الوطني يبدأ تجهيز 70 ألف شنطة مواد غذائية ضمن «مبادرة رمضان الخير» بالقليوبية    جامعة الفيوم تكرم الفائزين في مسابقة القرآن الكريم من العاملين وأبنائهم    كريم بامبو ومحمد الشامى يقودان هجوم المصرى أمام وادى دجلة    23 عاما على رحيل علاء ولى الدين ناظر مدرسة الضحك.. كاريكاتير "اليوم السابع"    محافظ الفيوم يتابع جهود وأنشطة مديرية الصحة    نجوم الفن والسياسة فى ندوة "الأدب المصري القديم" بمكتبة القاهرة الكبرى    عضو مجلس اتحاد القوة: كأس العالم يشهد منافسات شرسة وتحطيم أرقامٍ قياسية    محافظ شمال سيناء: جميع المنشآت الطبية جاهزة لاستقبال الجرحى الفلسطينيين    «صناع الخير» تسلم عدداً من المنازل للأسر الأولى بالرعاية بكوم إمبو    مواقيت الصلاه اليوم الأربعاء 11فبراير 2026 فى المنيا    رئيس قطاع المسرح يهنئ جيهان زكي لتوليها وزارة الثقافة    لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تكوين الصداقات؟ ما يجب أن يعرفه الآباء    تعزز الوعى المجتمعي| نائب رئيس جامعة الزقازيق يؤكد دعم الأنشطة الثقافية    اتحاد المستثمرين يناقش مشكلات المناطق الصناعية في أسيوط    بنك العينات الحيوية بتيدور بلهارس يحصل على أول اعتماد رسمي في مصر    الأزهر يحسم الجدل حول والدي النبي صلى الله عليه وسلم: جميع آبائه وأمهاته ناجون ومحكوم بإيمانهم    السيطرة على حريق بعزبة المغربى فى المنوفية دون إصابات    خطة أمريكية جديدة لتسليم سلاح الفصائل الفلسطينية تتضمن الاحتفاظ ببعض الأسلحة مؤقتا    روسينيور: محبط من تعادل تشيلسي مع ليدز    مقتل وإصابة 34 فى مجزرة كندا.. كيف علقت نيويورك تايمز على «الحادث الأسوأ»؟    انطلاق حملة «حمايتهم واجبنا» لتعزيز الوعي الرقمي لطلاب الإسكندرية    أبرز الملفات على طاولة وزير التربية والتعليم في ولايته الثانية    رئيس الإنجيلية يشارك في افتتاح مؤتمر الرعاة والقادة ببيت السلام بالعجمي    متحدث الأوقاف: تأهيل الأئمة قبل رمضان يواكب المستجدات العالمية ويعزز فقه الصيام    رئيس كولومبيا يروي تفاصيل نجاته من محاولة اغتيال    من العشوائية إلى التنظيم.. محافظة الجيزة تجهز سوقا حضاريا لبائعى شارع العريش    غزل المحلة يجدد تعاقد محمود صلاح 3 مواسم    باستخدام الأوناش.. رفع 38 سيارة ودراجة نارية متهالكة    لقاء مصري خالص بين نور الشربيني وأمنية عرفي بنهائي ويندي سيتي للإسكواش    تأمين ممرات اللاعبين ومنع الشماريخ.. التجهيزات الأمنية لمباراة بيراميدز وإنبي    جرعة مخدرات زائدة وراء العثور على جثة عاطل بالهرم    طقس اليوم الأربعاء.. انخفاض قوي في درجات الحرارة وعودة الأجواء الشتوية    كومو يفوز على نابولي بركلات الترجيح ويتأهل لنصف نهائي كأس إيطاليا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تفوق إيطاليا و«المطبخ».. وآفاق جديدة في الإبداع
نشر في القاهرة يوم 21 - 12 - 2010

من سحر الصورة وأيقونة التشكيل المجسم.. ومن التنوع والخروج إلي فضاءات أكثر اتساعا.. ارتاد الفن آفاقا جديدة مع التطور المتلاحق للعلوم.. بدءا من «النسبية» لإنشتاين بدايات القرن العشرين التي نقلت الفن من سكونية التكعيبية إلي الحركة الدائبة للمستقبلية.. وحتي عصر الفضاء والايهام بالبعد الرابع. ومع الألفية الثالثة تأكد زواج الفن والعلم.. والانتقال إلي مجتمع ما بعد الصناعة، بتلك الثورة الرقمية التي تنساب بأنظمة الديجيتال وتنوع الكيانات الإبداعية للفن المفاهيمي أو الفنون التي تعتمد علي أفكار وبرامج مسبقة، تعانقت مع وسائل الاتصال من الميديا الحديثة التي حلقت في دنيا الاليكترون. ومن وحي كل هذا، جاء بينالي القاهرة في دورته الثانية عشرة، بمشاركة 45 دولة من مختلف بلدان العالم بإجمالي 78 فنانا احتشدت أعمالهم بقاعات قصر الفنون ومتحف الفن الحديث ومركز محمود مختار الثقافي.
وقد تأرجحت الأعمال بين الصعود والهبوط في المستوي، وبين الابهار الظاهري والافتقار للدهشة وعمق الفن.
لكن يظل ما قدمته إيطاليا من تلك الفضاءات التصويرية مع تجهيز «المطبخ» للفنانة آمال قناوي، وقلة من الأعمال، إضافة ارتفعت بمستوي البينالي وأكدت شخصيته بين بيناليات العالم.
أمريكا العربية
جاء تمثيل أمريكا بأربع فنانات أمريكيات من أصل عربي تمثيلا منقوصا، خاصة وقد دفع بهن المتحف العربي الأمريكي الوطني التابع لمركز الجالية العربية للخدمة الاجتماعية والاقتصادية وكان من الأفضل أن تكون المشاركة أمريكية بشكل حقيقي رغم ذوبان الفنانات في نسيج المجتمع هناك، فالهدف الأساسي من البينالي هو إقامة جسر من الحوار بين شعوب العالم خاصة الشرق والغرب، وهنا نتذكر إنسان الفنان الأمريكي دانيل جوزيف في دورة البينالي العاشرة والذي كان يرقد مستلقيا علي ظهره ضئيلا مسلوب الإرادة، ويهتز آليا في تشنجات عصبية يكاد يقوم ثم يهدأ مرة أخري، وهو يعكس إنسان العولمة الذي يقاوم فقدان الهوية.
كما نتذكر عرض الفنانة الأمريكية ستاينكامب «الدراويش» في دورة البينالي الحادية عشرة ولذي جاء أشبه بنوافير الأحلام من خلال ثلاث شجرات تهتز وتميل إليكترونيا وتشرق باللون «فيديو».
والفنانات الأمريكيات الأربع: أنابيل ضو وداليا السيد وريم القاضي ونادية عياري قدمن أعمالا بوسائط من الميديا الحديثة وهي أعمال أشبه بخرائط تصويرية.
مثلما نري في عمل الفنانة أنابيل ضو «جائزة البيالي - مناصفة» وقد قدمت تجهيزا في الفراغ يشتمل علي كتابات نصية بالانجليزية والعربية، تؤكد فيه علي معني التواصل وتأكيد الوجود وتردد الكلمات: أنا هنا.. أنا «هون» وتنساب التساؤلات: من أين وإلي أين؟ وبين الكتابات والكتابات دوائر تلقائية سوداء بمثابة محطات للتواصل - لكن جاء تمثيل إيطاليا من أهم ما قدم بالبينالي: ثلاثة فنانين كبار يقدمون درسا في التنوع والأداء والثراء، تتعانق أعمالهم مع اتجاهات ما بعد الحداثة من خلال لوحة التصوير: الفنان باولوجيوتو والفنانة ريتا والفنانة فاليريا.
وتمتد أعمال باولو برقة وأناقة، تذكرنا بمداعبات الفنان ميرو، بتلك الخيوط الحريرية السوداء التي تنساب علي سطوح من الكتان، في كثافة شديدة أحيانا وفي أحيان أخري تتدلي أو تتحرك علي السطح في استدارات وإنحاءات وخطوط مستقيمة تشكل عالما غنائيا.
أما العمل المركب الذي قدمته ريتا ميلي فيشتمل علي 180 شريحة في أحجام صغيرة علي مساحة صرحية تتجاوز ثمانية أمتار مربعة، وهي تشتمل علي حروف بارزة وغائرة تشكل كلمة الحب بالعربية وكل لغات العالم ومعظمها تتشكل باللون الأبيض فوق الأبيض تذكرنا بصورة الفنان الروسي ماليفتسن «أبيض علي أبيض» التي أبدعها عام 1918، وتتخلل شرائح ريتا البيضاء شرائح أخري سوداء بمثابة انتقالات مع الاخضر الخفيف، وهي معزوفات تشد وبالحب والسلام.
وتبقي أعمال فالير ياكورفينو صورة لدقة وشاعرية الأداء، تنتمي للسوبر ريالزم أو الإمعان في الواقعية من خلال تلك الأعمال النحتية التي انجزت في العصر الروماني، التي نقلتها علي سطوح لوحاتها التصويرية وقد دبت فيها الروح من خلال الايحاءات والحركات واللقطات المقربة «الكلوز»، حيث نطالع العروق النافرة في الأذرع وهي تضيف إليها طيات من النسيج الأحمر مع الشرائط السوداء التي تبدو في الخلفية أو تقطع اللوحة كوسيلة للخروج إلي حالة أخري جديدة تتميز بالحيوية وحرارة التعبير.
رجل وامرأة
في الصحن الرئيسي بقصر الفنون يتربع التشكيل المجسم أو العمل الفني المركب للفنانة الفلبينية جوزفين وهو عبارة عن كائن ديناصوري متعدد الأطراف جسدته من بسط ومفارش أرضية ملونة مع دنيا من الاكسسوار، ورغم ما يحمل من الابهار إلا أنه لا يتجاوز في النهاية مشهدا سينمائيا، ديكور يفتقد إلي درامية الإبداع وقد شغل حيزا كبيرا وتصدر قصر الفنون.
ومن السويد جاء عرض ناتالي ديوربرج «تجهيز فيديو»، بمثابة صراع طويل بين عروستين: رجل وامرأة، تتشابك فيه الأيدي والسيقان ويدخل عنصر ثالث، كتلة فاحمة سوداء تزحف عليهما ويشترك في الصراع، وتبدو فكرة العرض من وحي الأساطير هناك، هل تقصد الفنانة ثنائية الخير والشر؟ «فاز بجائزة البينالي»، ومن جنوب أفريقا جسد الفنان ماركو ثلاثية تصويرية لجمجمة بالأبيض والأسود، جاءت في ثلاث حالات تعبيرية علي سطوح سوداء، تتألق بسحر كوني تعكس للصمت والسكون والوجود والعدم.
ومن زيمبابوي جاء تشكيل في الفراغ لكوداني شيوراي انعكاسا لهموم وطنه السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
والتشكيل عبارة عن ثلاثة صناديق خشبية مغلقة كل صندوق يعلو غطاءه صورة شخصية بالوسائط لأحد القادة من وزير الصحة إلي وزير الدفاع، ويحمل العمل الكثير من الغموض والايهام لما تحمل تلك الصناديق من أشياء مخبوءة، فهي صناديق مغلقة علي أسرار لا نعرفها «فاز بجائزة البينالي مناصفة».
ومن جورجيا جاء العرض البديع للفنان كوكارا «تجهيز فيديو» يصور رجلا وامرأة جالسين أمام منضدة زجاجية، هو يصب اللبن فينساب في بقعة علي سطح المنضدة وهي تصب الشاي من براد يمتد أيضا في بقعة، العجيب انهما لا يلتقيان، ولا يتمزجان، وعلي أرضية القاعة مساحة متسعة تسيل في بقعة كبيرة، وقد أراد الفنان أن يقول: رغم أننا من أصل واحد إلا أننا نلتقي.. إشارة إلي صدام وصراع الحضارات.
مصر والجائزة الكبري
في بينالي القاهرة شاركت مصر بأعمال خمسة فنانين: آمال قناوي وحلمي التوني وخالد حافظ وكريم القريطي ومحمد رضوان، وطوال رحلتها مع الإبداع تقدم آمال أعمالا تنتمي لفنون ما بعد الحداثة من تجهيز فيديو مع الأعمال المركبة، يتجسد فيها الحلم المجهض للمرأة، ومن خلال هذا العمل الذي قدمته «المطبخ» يتأكد وعيها الشديد ورؤيتها البليغة فيما يتعلق بهموم المرأة المعاصرة، وقد قدمت مطبخا كاملا في ركن من القاعة، مع ركن آخر يحتشد بأصص الزرع وقفص للعصافير، ومرايا وأضواء نيون وثلاث قنوات فيديو تبث صورا إلكترونية، الأول يصور أطفالا في مدرسة يقدمون أناشيد ورغم الغناء، يمارس عليهم القهر من مدرسهم، والثاني يجسد شخصا علي كرسي متحرك في اهتزازات، أما الثالث فيقدم عرضا حيا بالفيديو تبدو فيه آمال زاحفة علي الأرض تقود مجموعة من البشر من البسطاء، يزحفون علي مرأي ومسمع من المارة وحركة السيارات والباصات وهنا تشتبك مع الأمن ويحتدم الاشتباك والصوت العالي!
في هذا العرض تريد أن تؤكد أن المرأة مازالت تواجه العقبات والعقبات، فقط تمارس دورها داخل المطبخ بالمنزل، لكن حينما تخرج إلي الشارع حتي ولو تقلدت سلطة، تبدو مكبلة بتلك النظرة التي تعوق حركتها، وبدلا من أن تقف وتسير في اتجاهها تنحني وتزحف بيديها ومعها قطيع من البشر، هكذا أرادت لها الظروف وهكذا يريدها المجتمع والمسألة تبدأ بالقهر من التربية الأولي. العرض مسكون بالمرايا التي تجعل المشاهد يتوحد معه، فهو عرض تفاعلي يصدمنا ويدهشنا، ونتوحد معه ونفكر ونسأل: هل تتغير النظرة إلي المرأة في المجتمعات الحديثة؟!
وهو يمثل عمق «الفيمنيزم آرت» أو فن المرأة مع روح البوب «الثقافة الجماهيرية» وفي نفس الوقت ينتمي إلي واقعية أخري جديدة تلتقي مع الواقعية السحرية من خلال فن الأداء.
ومن مصر أيضا قدم الفنان حلمي التوني صروحا تصويرية تمتزج فيها اللمسة المعاصرة مع روح الفن الفرعوني في إشارات يتقابل فيها مفتاح الحياة مع علامة استفهام «شعار البينالي».
أما خالد حافظ فيقدم ملحمة طويلة متعددة الشخوص والكائنات بلمسة يتعانق فيها روح الفن الفرعوني، بشخوصه وحيواناه وكائناته المقدسة، لكن تبعث من جديد علي السطح التصويري في ايقاع آخر جديد وحالة تعبيرية تنتمي للألفية الثالثة يتقابل فيها الأصيل والمعاصر، وحين يمتزج القديم بالشعبي أو «البوب» الحديث تتحقق معادلة أن نكون وبشكل حقيقي خاصة والتشكيل يتجه نحو المستقبل في خط مستقيم.
وقد جاءت ثلاثية كريم القريطي التصويرية باتساع مساحتها تجسد معاني: السلطة والابتهال والقهر بألوان صفراء داكنة علي خلفية سوداء.
وتنساب وجوه وأقنعة محمد رضوان علي خلفية بيضاء، وهي وجوه بيضاء أيضا تبدو مسكونة بالتعبير، إلا أنها تعكس ضياعا بفعل الأبيض علي الأبيض. هل اراد الفنان الإشارة إلي ضياع إنسان الألفية الثالثة بفعل التطاحن البشري، خاصة وهي تحمل ملامح عديدة من الانفعال؟!
ألمانيا وعالم إنساني
ومن ألمانيا تألقت أعمال الفنانة هانا فان جنيكل في لوحة التصوير التي اعتمدت فيها علي الميثولوجي الشعبي هناك، وجاءت شديدة الإنسانية، كما في لوحتها التي جسدت فيها فتاة بيضاء في رداء أبيض بملامح البراءة وساقها مقطوعة تقف فيها دماء حمراء قانية وفي الخلفية لوحة لزوج من الوعول.
كما جمعت أعمال الفنان هانر زنجراف، بين دقة وبلاغة الأداء والايقاع الهندسي الصارم وبين إحكام التصميم والسطوح الصريحة التي تتقابل وتتحاور مع همس الظلال.
ومن لبنان جاءت أعمال زينا عاصي التصويرية دنيا من الزحام اشبه بالارابيسك تجسد روح المدنية المعاصرة تزدحم بالخطوط والمساحات والبشر والفتحات والبوابات.
وعلي سطوح قريبة من البرتقالي تتألق معزوفات الفنان اللبناني وليد المصري التصويرية بروح الفن الإسلامي في فضاء شاسع، فضاء صوفي حالم.
أما أعمال جوبل أندريا من مدغشقر فيقدم تجهيزا في الفراغ، مجموعة من اللوحات الضخمة مغلفة بالورق الأسود، تستند متجاورة إلي الحائط فقط يطل من لوحة عنيان بوسيط طباعي، وكأنها شفرات سرية.
ومن قطر جاءت أعمال سلمان المالك تفيض بعالم تعبيري من التواصل الإنساني مع حروفية علي حسن التي ينساب فيها الحرف العربي، ينثني ويبتهل يكاد يتحرك من فرط الحيوية.
وتطل أعمال خوان برجوس من ارجواي بواقعية أسطورية تزدحم بالنقوش والشخوص والاشجار والوحوش وطزاجة الألوان.
ويجسد ماهي ينبين من المغرب ايحاءات وإشارات تتواصل فيها البشر في آفاق سيريالية تتجاوز الواقع، كما تتوحد فنون النحت والتصوير والفيديو والرسوم في تجهيز في الفراغ لمنير فاطمي «جائزة البينالي».
وفي النهاية تحية إلي بينالي القاهرة في دورته الحالية بعمق تلك الأعمال التي جسدت روح الألفية الثالثة.
صلاح بيصار
تفوق إيطاليا و«المطبخ».. وآفاق جديدة في الإبداع
من سحر الصورة وأيقونة التشكيل المجسم.. ومن التنوع والخروج إلي فضاءات أكثر اتساعا.. ارتاد الفن آفاقا جديدة مع التطور المتلاحق للعلوم.. بدءا من «النسبية» لإنشتاين بدايات القرن العشرين التي نقلت الفن من سكونية التكعيبية إلي الحركة الدائبة للمستقبلية.. وحتي عصر الفضاء والايهام بالبعد الرابع. ومع الألفية الثالثة تأكد زواج الفن والعلم.. والانتقال إلي مجتمع ما بعد الصناعة، بتلك الثورة الرقمية التي تنساب بأنظمة الديجيتال وتنوع الكيانات الإبداعية للفن المفاهيمي أو الفنون التي تعتمد علي أفكار وبرامج مسبقة، تعانقت مع وسائل الاتصال من الميديا الحديثة التي حلقت في دنيا الاليكترون. ومن وحي كل هذا، جاء بينالي القاهرة في دورته الثانية عشرة، بمشاركة 45 دولة من مختلف بلدان العالم بإجمالي 78 فنانا احتشدت أعمالهم بقاعات قصر الفنون ومتحف الفن الحديث ومركز محمود مختار الثقافي.
وقد تأرجحت الأعمال بين الصعود والهبوط في المستوي، وبين الابهار الظاهري والافتقار للدهشة وعمق الفن.
لكن يظل ما قدمته إيطاليا من تلك الفضاءات التصويرية مع تجهيز «المطبخ» للفنانة آمال قناوي، وقلة من الأعمال، إضافة ارتفعت بمستوي البينالي وأكدت شخصيته بين بيناليات العالم.
أمريكا العربية
جاء تمثيل أمريكا بأربع فنانات أمريكيات من أصل عربي تمثيلا منقوصا، خاصة وقد دفع بهن المتحف العربي الأمريكي الوطني التابع لمركز الجالية العربية للخدمة الاجتماعية والاقتصادية وكان من الأفضل أن تكون المشاركة أمريكية بشكل حقيقي رغم ذوبان الفنانات في نسيج المجتمع هناك، فالهدف الأساسي من البينالي هو إقامة جسر من الحوار بين شعوب العالم خاصة الشرق والغرب، وهنا نتذكر إنسان الفنان الأمريكي دانيل جوزيف في دورة البينالي العاشرة والذي كان يرقد مستلقيا علي ظهره ضئيلا مسلوب الإرادة، ويهتز آليا في تشنجات عصبية يكاد يقوم ثم يهدأ مرة أخري، وهو يعكس إنسان العولمة الذي يقاوم فقدان الهوية.
كما نتذكر عرض الفنانة الأمريكية ستاينكامب «الدراويش» في دورة البينالي الحادية عشرة ولذي جاء أشبه بنوافير الأحلام من خلال ثلاث شجرات تهتز وتميل إليكترونيا وتشرق باللون «فيديو».
والفنانات الأمريكيات الأربع: أنابيل ضو وداليا السيد وريم القاضي ونادية عياري قدمن أعمالا بوسائط من الميديا الحديثة وهي أعمال أشبه بخرائط تصويرية.
مثلما نري في عمل الفنانة أنابيل ضو «جائزة البيالي - مناصفة» وقد قدمت تجهيزا في الفراغ يشتمل علي كتابات نصية بالانجليزية والعربية، تؤكد فيه علي معني التواصل وتأكيد الوجود وتردد الكلمات: أنا هنا.. أنا «هون» وتنساب التساؤلات: من أين وإلي أين؟ وبين الكتابات والكتابات دوائر تلقائية سوداء بمثابة محطات للتواصل - لكن جاء تمثيل إيطاليا من أهم ما قدم بالبينالي: ثلاثة فنانين كبار يقدمون درسا في التنوع والأداء والثراء، تتعانق أعمالهم مع اتجاهات ما بعد الحداثة من خلال لوحة التصوير: الفنان باولوجيوتو والفنانة ريتا والفنانة فاليريا.
وتمتد أعمال باولو برقة وأناقة، تذكرنا بمداعبات الفنان ميرو، بتلك الخيوط الحريرية السوداء التي تنساب علي سطوح من الكتان، في كثافة شديدة أحيانا وفي أحيان أخري تتدلي أو تتحرك علي السطح في استدارات وإنحاءات وخطوط مستقيمة تشكل عالما غنائيا.
أما العمل المركب الذي قدمته ريتا ميلي فيشتمل علي 180 شريحة في أحجام صغيرة علي مساحة صرحية تتجاوز ثمانية أمتار مربعة، وهي تشتمل علي حروف بارزة وغائرة تشكل كلمة الحب بالعربية وكل لغات العالم ومعظمها تتشكل باللون الأبيض فوق الأبيض تذكرنا بصورة الفنان الروسي ماليفتسن «أبيض علي أبيض» التي أبدعها عام 1918، وتتخلل شرائح ريتا البيضاء شرائح أخري سوداء بمثابة انتقالات مع الاخضر الخفيف، وهي معزوفات تشد وبالحب والسلام.
وتبقي أعمال فالير ياكورفينو صورة لدقة وشاعرية الأداء، تنتمي للسوبر ريالزم أو الإمعان في الواقعية من خلال تلك الأعمال النحتية التي انجزت في العصر الروماني، التي نقلتها علي سطوح لوحاتها التصويرية وقد دبت فيها الروح من خلال الايحاءات والحركات واللقطات المقربة «الكلوز»، حيث نطالع العروق النافرة في الأذرع وهي تضيف إليها طيات من النسيج الأحمر مع الشرائط السوداء التي تبدو في الخلفية أو تقطع اللوحة كوسيلة للخروج إلي حالة أخري جديدة تتميز بالحيوية وحرارة التعبير.
رجل وامرأة
في الصحن الرئيسي بقصر الفنون يتربع التشكيل المجسم أو العمل الفني المركب للفنانة الفلبينية جوزفين وهو عبارة عن كائن ديناصوري متعدد الأطراف جسدته من بسط ومفارش أرضية ملونة مع دنيا من الاكسسوار، ورغم ما يحمل من الابهار إلا أنه لا يتجاوز في النهاية مشهدا سينمائيا، ديكور يفتقد إلي درامية الإبداع وقد شغل حيزا كبيرا وتصدر قصر الفنون.
ومن السويد جاء عرض ناتالي ديوربرج «تجهيز فيديو»، بمثابة صراع طويل بين عروستين: رجل وامرأة، تتشابك فيه الأيدي والسيقان ويدخل عنصر ثالث، كتلة فاحمة سوداء تزحف عليهما ويشترك في الصراع، وتبدو فكرة العرض من وحي الأساطير هناك، هل تقصد الفنانة ثنائية الخير والشر؟ «فاز بجائزة البينالي»، ومن جنوب أفريقا جسد الفنان ماركو ثلاثية تصويرية لجمجمة بالأبيض والأسود، جاءت في ثلاث حالات تعبيرية علي سطوح سوداء، تتألق بسحر كوني تعكس للصمت والسكون والوجود والعدم.
ومن زيمبابوي جاء تشكيل في الفراغ لكوداني شيوراي انعكاسا لهموم وطنه السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
والتشكيل عبارة عن ثلاثة صناديق خشبية مغلقة كل صندوق يعلو غطاءه صورة شخصية بالوسائط لأحد القادة من وزير الصحة إلي وزير الدفاع، ويحمل العمل الكثير من الغموض والايهام لما تحمل تلك الصناديق من أشياء مخبوءة، فهي صناديق مغلقة علي أسرار لا نعرفها «فاز بجائزة البينالي مناصفة».
ومن جورجيا جاء العرض البديع للفنان كوكارا «تجهيز فيديو» يصور رجلا وامرأة جالسين أمام منضدة زجاجية، هو يصب اللبن فينساب في بقعة علي سطح المنضدة وهي تصب الشاي من براد يمتد أيضا في بقعة، العجيب انهما لا يلتقيان، ولا يتمزجان، وعلي أرضية القاعة مساحة متسعة تسيل في بقعة كبيرة، وقد أراد الفنان أن يقول: رغم أننا من أصل واحد إلا أننا نلتقي.. إشارة إلي صدام وصراع الحضارات.
مصر والجائزة الكبري
في بينالي القاهرة شاركت مصر بأعمال خمسة فنانين: آمال قناوي وحلمي التوني وخالد حافظ وكريم القريطي ومحمد رضوان، وطوال رحلتها مع الإبداع تقدم آمال أعمالا تنتمي لفنون ما بعد الحداثة من تجهيز فيديو مع الأعمال المركبة، يتجسد فيها الحلم المجهض للمرأة، ومن خلال هذا العمل الذي قدمته «المطبخ» يتأكد وعيها الشديد ورؤيتها البليغة فيما يتعلق بهموم المرأة المعاصرة، وقد قدمت مطبخا كاملا في ركن من القاعة، مع ركن آخر يحتشد بأصص الزرع وقفص للعصافير، ومرايا وأضواء نيون وثلاث قنوات فيديو تبث صورا إلكترونية، الأول يصور أطفالا في مدرسة يقدمون أناشيد ورغم الغناء، يمارس عليهم القهر من مدرسهم، والثاني يجسد شخصا علي كرسي متحرك في اهتزازات، أما الثالث فيقدم عرضا حيا بالفيديو تبدو فيه آمال زاحفة علي الأرض تقود مجموعة من البشر من البسطاء، يزحفون علي مرأي ومسمع من المارة وحركة السيارات والباصات وهنا تشتبك مع الأمن ويحتدم الاشتباك والصوت العالي!
في هذا العرض تريد أن تؤكد أن المرأة مازالت تواجه العقبات والعقبات، فقط تمارس دورها داخل المطبخ بالمنزل، لكن حينما تخرج إلي الشارع حتي ولو تقلدت سلطة، تبدو مكبلة بتلك النظرة التي تعوق حركتها، وبدلا من أن تقف وتسير في اتجاهها تنحني وتزحف بيديها ومعها قطيع من البشر، هكذا أرادت لها الظروف وهكذا يريدها المجتمع والمسألة تبدأ بالقهر من التربية الأولي. العرض مسكون بالمرايا التي تجعل المشاهد يتوحد معه، فهو عرض تفاعلي يصدمنا ويدهشنا، ونتوحد معه ونفكر ونسأل: هل تتغير النظرة إلي المرأة في المجتمعات الحديثة؟!
وهو يمثل عمق «الفيمنيزم آرت» أو فن المرأة مع روح البوب «الثقافة الجماهيرية» وفي نفس الوقت ينتمي إلي واقعية أخري جديدة تلتقي مع الواقعية السحرية من خلال فن الأداء.
ومن مصر أيضا قدم الفنان حلمي التوني صروحا تصويرية تمتزج فيها اللمسة المعاصرة مع روح الفن الفرعوني في إشارات يتقابل فيها مفتاح الحياة مع علامة استفهام «شعار البينالي».
أما خالد حافظ فيقدم ملحمة طويلة متعددة الشخوص والكائنات بلمسة يتعانق فيها روح الفن الفرعوني، بشخوصه وحيواناه وكائناته المقدسة، لكن تبعث من جديد علي السطح التصويري في ايقاع آخر جديد وحالة تعبيرية تنتمي للألفية الثالثة يتقابل فيها الأصيل والمعاصر، وحين يمتزج القديم بالشعبي أو «البوب» الحديث تتحقق معادلة أن نكون وبشكل حقيقي خاصة والتشكيل يتجه نحو المستقبل في خط مستقيم.
وقد جاءت ثلاثية كريم القريطي التصويرية باتساع مساحتها تجسد معاني: السلطة والابتهال والقهر بألوان صفراء داكنة علي خلفية سوداء.
وتنساب وجوه وأقنعة محمد رضوان علي خلفية بيضاء، وهي وجوه بيضاء أيضا تبدو مسكونة بالتعبير، إلا أنها تعكس ضياعا بفعل الأبيض علي الأبيض. هل اراد الفنان الإشارة إلي ضياع إنسان الألفية الثالثة بفعل التطاحن البشري، خاصة وهي تحمل ملامح عديدة من الانفعال؟!
ألمانيا وعالم إنساني
ومن ألمانيا تألقت أعمال الفنانة هانا فان جنيكل في لوحة التصوير التي اعتمدت فيها علي الميثولوجي الشعبي هناك، وجاءت شديدة الإنسانية، كما في لوحتها التي جسدت فيها فتاة بيضاء في رداء أبيض بملامح البراءة وساقها مقطوعة تقف فيها دماء حمراء قانية وفي الخلفية لوحة لزوج من الوعول.
كما جمعت أعمال الفنان هانر زنجراف، بين دقة وبلاغة الأداء والايقاع الهندسي الصارم وبين إحكام التصميم والسطوح الصريحة التي تتقابل وتتحاور مع همس الظلال.
ومن لبنان جاءت أعمال زينا عاصي التصويرية دنيا من الزحام اشبه بالارابيسك تجسد روح المدنية المعاصرة تزدحم بالخطوط والمساحات والبشر والفتحات والبوابات.
وعلي سطوح قريبة من البرتقالي تتألق معزوفات الفنان اللبناني وليد المصري التصويرية بروح الفن الإسلامي في فضاء شاسع، فضاء صوفي حالم.
أما أعمال جوبل أندريا من مدغشقر فيقدم تجهيزا في الفراغ، مجموعة من اللوحات الضخمة مغلفة بالورق الأسود، تستند متجاورة إلي الحائط فقط يطل من لوحة عنيان بوسيط طباعي، وكأنها شفرات سرية.
ومن قطر جاءت أعمال سلمان المالك تفيض بعالم تعبيري من التواصل الإنساني مع حروفية علي حسن التي ينساب فيها الحرف العربي، ينثني ويبتهل يكاد يتحرك من فرط الحيوية.
وتطل أعمال خوان برجوس من ارجواي بواقعية أسطورية تزدحم بالنقوش والشخوص والاشجار والوحوش وطزاجة الألوان.
ويجسد ماهي ينبين من المغرب ايحاءات وإشارات تتواصل فيها البشر في آفاق سيريالية تتجاوز الواقع، كما تتوحد فنون النحت والتصوير والفيديو والرسوم في تجهيز في الفراغ لمنير فاطمي «جائزة البينالي».
وفي النهاية تحية إلي بينالي القاهرة في دورته الحالية بعمق تلك الأعمال التي جسدت روح الألفية الثالثة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.