في كل موسم أعياد، تتذكّر إسرائيل فجأة أن في هذه الأرض مسيحيين. وفي كل مرة، يخرج مسؤول رفيع، هذه المرة الرئيس إسحاق هرتسوج – لزيارة دير والتقاط صورة، إطلاق عبارة منمّقة عن "حرية العبادة"، ثم العودة سريعًا إلى دولة تُدار فيها المقدسات بالتصاريح، وتُقاس فيها الصلاة بعدد الجنود على البوابات. فإن زيارة الرئيس الإسرائيلي لدير فرنسيسكاني في القدسالغربية وتهنئته للمسيحيين بعيد الميلاد ليست حدثًا دينيًا، بل منتجًا إعلاميًا موسميًا، صُمّم بعناية ليؤدي ثلاث وظائف: تجميل الصورة، وتحييد النقد الكنسي الغربي، وتقديم إسرائيل ك"واحة أقليات" في صحراء شرق أوسطية مضطربة. لكن المشكلة أن الواقع لا يحترم البيانات الصحفية. اولا: أي مسيحيين يتحدث عنهم الخطاب؟ حين يقول هرتسوج "نفتخر بالمجتمع المسيحي في إسرائيل"، فهو يتحدث عن مسيحيين داخل الإطار الذي تعترف به إسرائيل سياسيًا، لا عن مسيحيي القدسالشرقية المحاصَرين بالحواجز، ولا مسيحيي الضفة الغربية الذين يحتاجون تصريحًا للصلاة، ولا مسيحيي غزة الذين تحوّلت كنائسهم إلى ملاجئ تحت القصف. فالخطاب يتجاهل عمدًا أن أقدس موقع مسيحي في العالم (كنيسة القيامة) يخضع فعليًا لإدارة أمنية إسرائيلية في الأعياد، وأن السبت النوراني بات مناسبة للاعتداء والدفع والضرب، لا للقيامة، ونتساءل هل هذه حرية العبادة أم حرية التصريح؟ في القانون الدولي، حرية العبادة لا تعني أن تُفتح الكنيسة لمن يحمل تصريحًا فقط، ولا أن يُمنع المؤمن من الوصول إلى مقدساته لأنه يحمل هوية "خطأ"، ولا أن تُفرض قيود عددية على الصلاة بحجة "الأمن".. لكن في النموذج الإسرائيلي، حرية العبادة تعني أن تصلي إذا سمحت لك الدولة. وهنا المفارقة، فإن الدولة التي تزعم حماية المسيحيين هي نفسها التي تمنع عشرات الآلاف منهم من دخول القدس في أسبوع الآلام، وتغضّ الطرف عن اعتداءات المستوطنين على رجال الدين، وتضغط اقتصاديًا وقانونيًا على الأوقاف الكنسية. اما عن الأرقام التي لا تُذكر في التهنئة، لو كانت إسرائيل فعلًا "حامية الوجود المسيحي"، لكان هذا الوجود في نمو، لكن الواقع يقول العكس: المسيحيون في فلسطين التاريخية كانوا نحو 11% مطلع القرن العشرين، واليوم هم قرابة 1–2% فقط. وبيت لحم مدينة الميلاد، كانت ذات أغلبية مسيحية، واليوم تحوّل المسيحيون فيها إلى أقلية صغيرة، اما الهجرة مستمرة، والسبب ليس العقيدة ولا الجغرافيا، بل الاحتلال وانسداد الأفق. هذه ليست أرقامًا دعائية، بل مؤشرات ديموغرافية لانكماش وجود تاريخي، لننتقل لسؤال اخطر لماذا كل هذا الاهتمام المفاجئ بالمسيحيين؟ فإن الجواب بسيط، لأن المسيحيين ورقة أخلاقية ثمينة في الغرب وتدرك إسرائيل أن بعض انتهاكات الحكومات ذات الأغلبيه المسلمه يمكن تبريره سياسيًا، لكن المساس بالمسيحيين يحرج الكنائس الغربية، ويوقظ ذاكرة "الأرض المقدسة" التي لا تزال حاضرة في الوعي الأوروبي، لذلك تُزار الأديرة، لا المخيمات.. وتُلتقط الصور، لا تُرفع الحواجز، لذلك فهو عيد بلا عدالة وتهنئة المسيحيين لا تعني حماية وجودهم. وزيارة دير لا تلغي واقع الحصار. والحديث عن "الأخوّة" يصبح فارغًا حين يُمنع الأخ من الوصول إلى كنيسة أخيه، اما المسيحيون في هذه الأرض فليسوا أقلية طارئة، بل هم شعب أصيل سبق الدولة، وبقي رغم الإمبراطوريات، ويستحق أكثر من تهنئة موسمية وخطاب مُعلّب، جنبا الي جنب مع اخواتهم المسلمين، فإن كانت إسرائيل صادقة في احترام المسيحية، فلتبدأ بما هو أبسط من التصريحات مثل رفع الحواجز عن الصلاة، ووقف الاعتداءات الممنهجه، واحترام الإنسان قبل الصورة. أما غير ذلك، فكل "ميلاد مجيد" رسمي ليس سوى زينة على جدار احتلال. ولا يمكن فصل هذا الخطاب التجمّيلي عن محاولات خبيثة لضرب النسيج الوطني الفلسطيني من الداخل، عبر توظيف أو اختراق عناصر متطرفة لتنفيذ أفعال صادمة، مثل حرق شجرة عيد الميلاد في جنين. هذه الأفعال، التي أدانها الفلسطينيون مسلمين ومسيحيين فورًا، لا تخدم المجتمع الفلسطيني ولا تعبّر عنه، بل تصبّ مباشرة في مصلحة جهة واحدة: إسرائيل. هذا الحادث — سواء كان ناتجًا عن جماعات متطرفة داخل المجتمع الفلسطيني أو مدبَّرًا من أطراف تستهدف ضرب النسيج الوطني — لا يمكن فصله عن دور الدعاية السياسية التي تتغذى عليها جهات معينة في إسرائيل وساحات إقليمية ودولية. إذ يُستخدم مثل هذا النوع من الأفعال لاحقًا في البيانات الرسمية لزعم أن المسيحيين لا يلقون حماية حتى في المجتمع الفلسطيني نفسه، وكأن تعرضهم للاعتداءات داخل الضفة أو فلسطين ككل يبرّر السياسات الإسرائيلية بشأن حماية الأقليات ! في منطق الصراع، ليست كل جريمة انعكاسًا تلقائيًا للمجتمع الذي وقعت فيه، بل قد تكون أداة استخباراتية أو تحريضية تهدف إلى تشويه صورة الفلسطيني أمام الرأي العام الغربي، وتصوير الصراع على أنه "نزاع ديني" لا قضية تحرر وحقوق، وضرب الوجود المسيحي الفلسطيني نفسيًا ودفعه نحو الهجرة، وتقديم إسرائيل ك"الملاذ الآمن للأقليات" في مقابل "بيئة معادية". اما المستفيد السياسي واضح، فهو كسر العزلة الدولية المتزايدة عن إسرائيل، وتقديم نفسها كحامية للمسيحيين، بينما تُحاصر كنائسهم وتُقيّد عبادتهم. أما الخاسر فهو الفلسطيني بكل أطيافه، حين يُستهدف تماسكه المجتمعي عبر أفعال مدروسة تُضخّم إعلاميًا وتُوظّف أخلاقيًا خارج سياقها. والأخطر أن هذه الأفعال تُستخدم لاحقًا كذريعة خطابية لتبرير سياسات الاحتلال، لا كحوادث مدانة يجب التحقيق فيها. وهنا تتحوّل الجريمة من فعل تخريبي محدود إلى أداة سياسية كاملة الأركان. ومن منظور حقوقي وقانوني، فإن هذه الحوادث تفتح بابًا للبحث في شبكات التأثير والخلايا المتطرفة التي تستهدف تقويض التعايش الوطني بين المسلمين والمسيحيين داخل المجتمع الفلسطيني، وخلق مادة إعلامية تُستغل لإعادة تبييض الاحتلال إعلاميًا أمام الغرب، استثمار أحداث محلية بسيطة كأدوات ضغط سياسي في المحافل الدولية، بدلًا من التعامل معها كجرائم تستوجب العدالة والمساءلة. ولا يمكن إغفال أن هذا المناخ من التوترات يُضاف إلى سياق أوسع من انتهاكات تتعلق بالحرية الدينية، وقيود على حرية الحركة، والاستهداف المباشر أو غير المباشر للوجود المسيحي التاريخي في الأراضي الفلسطينية — وهو ما يتنافى مع المبادئ القانونية الدولية لحماية الأقليات وحرية العبادة، سواء وفقًا للقانون الدولي الإنساني أو القواعد الحقوقية العالمية. و لفهم ما يجري، يجب الخروج من إطار "حادثة هنا أو زيارة هناك"، والدخول إلى العقيدة الاستراتيجية الإسرائيلية طويلة المدى، والتي لا تُدار بالدبابات وحدها، بل بما يُعرف في أدبيات الأمن القومي ب تفكيك البيئات المعادية من الداخل عبر الأقليات، والهويات الفرعية، والتوترات الكامنة. فإن إسرائيل لا تنظر إلى الشرق الأوسط كدول مستقلة، بل ك فسيفساء دينية وعرقية قابلة لإعادة التركيب. وفي هذا السياق، تُعدّ الأقليات الدينية وعلى رأسها المسيحيون الشرقيون نقطة ارتكاز حساسة في أي عملية اختراق ناعم وتوظيف "ملف المسيحيين" كأداة جيوسياسية. منذ عقود، تعمل إسرائيل مباشرة أو عبر شبكات ضغط غربية، على تدويل قضايا الأقليات المسيحية ليس بدافع حمايتها، بل لاستخدامها كأداة ضغط على الحكومات العربية، ومدخل للتدخل الحقوقي-السياسي الخارجي، وسردية جاهزة لإعادة تعريف الصراعات الداخلية ك"نزاعات دينية". والقضية القبطية مثال واضح على هذا النمط، يتم تضخيم أي حادث طائفي محلي، وفصله عن سياقه الاجتماعي والقانوني، ثم إعادة تصديره دوليًا كدليل على "اضطهاد ممنهج"، فيما يُتجاهل تمامًا السياق الأوسع: دولة وطنية، قضاء، ونسيج مجتمعي تاريخي. الهدف ليس حماية الأقباط، بل تحويلهم إلى ملف دائم قابل للتسييس والابتزاز. ومن جنين إلى القاهرة: النموذج واحد، ما حدث في جنين من حرق شجرة عيد الميلاد لا يُقرأ كحادثة منعزلة، بل كسيناريو مألوف في حروب التفكيك، وهو حادث صادم يمس رمزًا دينيًا، وتضخيم إعلامي انتقائي، وتحميل "المجتمع" المسؤولية لا الفاعل، واستخدام الحدث لإعادة رسم صورة أخلاقية للصراع. هكذا يُقدَّم الفلسطيني كمجتمع "غير آمن للأقليات ، وتُقدَّم إسرائيل ك"استثناء أخلاقي"، رغم كونها القوة المحتلة التي تُقيّد العبادة وتُفرغ الأرض من أهلها. فإن الخطر الحقيقي هو كسر العقد الوطني والتهديد الأخطر ليس في الحوادث نفسها، بل في استهداف فكرة الدولة الوطنية الجامعة، حين يُدفع المسيحي ليشعر أن حمايته تأتي من الخارج لا من مجتمعه، وحين يُدفع المسلم للدفاع عن نفسه أخلاقيًا بدل مواجهة الاحتلال، تكون المعركة قد انتقلت من السياسة إلى الهوية، ومن التحرر إلى الشك المتبادل. وهذا بالضبط ما تريده إسرائيل، مجتمعات مفككة، ودول منهكة بصراعات داخلية، وأقليات مُستنزفة نفسيًا بين الخوف والتدويل. وليس من قبيل المصادفة أن دولًا مثل الأردن والعراق تعاملت مع مواسم الأعياد المسيحية الأخيرة باعتبارها نقاط حساسة أمنيًا وسياسيًا، فشهدت إجراءات استثنائية لحماية الكنائس والتجمعات الدينية، شملت تعزيز الانتشار الأمني، تشديد المراقبة، ورفع الجاهزية الوقائية في محيط دور العبادة، هذا الاستنفار لا يُقرأ كخوف من المجتمع، بل كوعي مسبق بسيناريوهات مفتعلة تستهدف إشعال أزمات طائفية محدودة ذات أثر إعلامي واسع. وفي التقدير الاستراتيجي للأجهزة المعنية، لا تكمن الخطورة في حجم الحدث، بل في قابليته للاستغلال الخارجي، حادث صغير ثم اعتداء رمزي، أو استفزاز ديني يمكن تضخيمه خلال ساعات ليُقدَّم دوليًا كدليل على فشل الدولة في حماية الأقليات، ومن ثم يُستخدم كسلاح ضغط سياسي وحقوقي ضد أنظمة الحكم، بغضّ النظر عن حقيقة الواقع أو سرعة الاحتواء. ما تعرفه هذه الدول بحكم التجربة، هو أن الأقليات الدينية تُستهدف في حروب السردية لا بالضرورة في حروب السلاح، وأن حماية المسيحيين في الأعياد لم تعد شأنًا أمنيًا تقليديًا، بل جزءًا من الدفاع عن الاستقرار الوطني والسيادة السياسية في مواجهة محاولات تدويل الأزمات الداخلية. وهكذا، يصبح الاستنفار الوقائي اعترافًا ضمنيًا بوجود نمط متكرر، أزمات تُفتعل، رموز تُستهدف، ثم تُستثمر خارجيًا، والهدف النهائي ليس حماية المسيحيين، بل تحويلهم إلى أداة كسر وضغط وإحراج سياسي. ولا يمكن فصل هذا الاستعراض الميلادي عن أزمة عميقة في صورة إسرائيل عالميًا. فبحسب نتائج مؤشر السُمعة الوطنية لعام 2025، تراجعت إسرائيل إلى المرتبة الأخيرة بين 50 دولة للعام الثاني على التوالي، مسجّلة أكبر انخفاض في تاريخ المؤشر بنسبة 6.1% منذ إطلاقه قبل نحو عشرين عامًا، وفق ما نقلته صحيفة جيروزالم بوست. الأخطر في التقرير ليس الترتيب ذاته، بل التحوّل النوعي في الوعي العالمي، خصوصًا لدى فئة الشباب في الدول الغربية، حيث باتت إسرائيل تُوصَف على نطاق واسع بأنها "كيان استعماري أو غير شرعي"، مع تلاشي الفاصل الأخلاقي بين سياسات الحكومة الإسرائيلية والمجتمع الإسرائيلي نفسه. وهنا تحديدًا يعود ملف الأقليات والمسيحيين إلى الواجهة، لا بوصفه التزامًا حقوقيًا، بل كأداة علاقات عامة مضادة لكسر العزلة، وإعادة تسويق إسرائيل ك"ضحية أخلاقية" وسط شرق أوسط "غير متسامح".