أدت الحرب التي اندلعت بين إيران وإسرائيل خلال هذا العام 2025، واستمرت 12 يومًا، إلى زعزعة افتراضات راسخة عمرها عقود، لتدخل العلاقات الأمريكيةالإيرانية مرحلة غير مسبوقة من التعقيد. ومع أن غبار الحرب لم يهدأ بعد، فإن الولاياتالمتحدة تجد نفسها أمام لحظة حاسمة في رسم استراتيجيتها تجاه طهران، قد تحدد شكل الشرق الأوسط لعقود قادمة. في هذا السياق، يطرح المراقبون أربعة سيناريوهات رئيسية، لكل منها انعكاسات عميقة على الأمن العالمي والاستقرار الإقليمي والسياسة الأمريكية. السيناريو الأول.. التصعيد بلا نهاية يقوم هذا السيناريو على استمرار دوامة التصعيد بين الطرفين عبر الضربات المتبادلة والعمليات السرية وتوسيع العقوبات. في هذه الحالة، تسعى إيران إلى إعادة بناء قدراتها النووية والعسكرية، دون التوقف عن التخصيب لكنها تمتنع عن تجاوز العتبة النووية. أما واشنطن وتل أبيب، فترى في ذلك تهديدًا غير مقبول، فتردان بمزيد من الضغوط وربما ضربات عسكرية واسعة. هذا المسار يمنح القادة في العواصم الثلاث فرصة لتفادي التنازلات و"إظهار القوة" أمام جمهورهم الداخلي، لكنه يحمل في طياته أخطارًا جمة. أي خطأ في الحسابات قد يشعل حربًا إقليمية شاملة تمتد من لبنان إلى الخليج، حيث يكون الوهم بالسيطرة مجرد قناع لفوضى أوسع. السيناريو الثاني.. اتفاق إذا تراجع أحد الطرفين البديل المحتمل هو العودة إلى طاولة المفاوضات، غير أن ذلك يتطلب تنازلًا في صلب الأزمة: التخصيب النووي. فالاتفاق النووي لعام 2015 سمح لإيران ببرنامج تخصيب محدود تحت رقابة مشددة، وقد التزمت به طهران باعتراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية والاستخبارات الأمريكية، لكن إدارة ترامب الحالية، تحت ضغط إسرائيل، رفعت سقف مطالبها إلى التخصيب صفر، وهو خط أحمر إيراني واضح. مع ذلك، لم تُغلق أبواب الدبلوماسية كليًا. فقد طُرحت مقترحات مبتكرة، بينها إنشاء كونسورتيوم إقليمي للتخصيب يضم إيران ودول الخليج، بما يضمن الشفافية والرقابة المشتركة. بل إن جولة سادسة من المباحثات كانت مقررة قبل أن يجهضها الغارة الإسرائيلية الأخيرة على إيران. العقبة الكبرى تظل في هيمنة تيار الصقور الموالي لإسرائيل داخل واشنطن، ممن يرون في أي مفاوضات مجرد مضيعة للوقت، وحتى إذا قبلت طهران بتنازلات، فإن تل أبيب ستنقل النزاع إلى ملفات أخرى كالصواريخ أو النفوذ الإقليمي وبعبارة أخرى، تظل احتمالية الاتفاق رهينة تغير سياسي عميق في كل من واشنطنوطهران وتل أبيب، وهو احتمال بعيد المدى. السيناريو الثالث.. الاندفاع نحو القنبلة النووية السيناريو الثالث يقوم على أن تجد إيران نفسها، تحت وطأة الضغوط المتزايدة، مضطرة للسعي الحثيث إلى امتلاك سلاح نووي كخيار ردع نهائي. ورغم أن هذا الخيار مغرٍ لدولة تواجه تهديدات وجودية، فإنه يحمل مخاطر كبرى، من سباق تسلح إقليمي إلى عزلة دولية خانقة، مرورًا باستمرار الحروب السرية. وتشير تجربة روسيا إلى أن امتلاك السلاح النووي لا يوفر حصانة من العقوبات أو الاستنزاف العسكري. وفي الحالة الإيرانية، لن يحل امتلاك قنبلة نووية أزماتها الاقتصادية أو يرفع العقوبات عنها أو يوقف عمليات التخريب. لذا، يبقى هذا المسار محفوفًا بالمخاطر ومحدود الجدوى على المدى الطويل. السيناريو الرابع.. الصبر الاستراتيجي والتوجه شرقًا السيناريو الأكثر انسجامًا مع سياسات طهران الحالية هو نهج الصبر الاستراتيجي. وتقوم إيران في هذا المسار على ترميم قدراتها العسكرية، ولا سيما منظومات الدفاع الجوي والصواريخ، وتعميق علاقاتها مع الصينوروسيا، مع التخلي عن أي رهانات على انفراج مع واشنطن أو أوروبا. هذا الخيار يعكس قناعة المرشد الأعلى علي خامنئي بأن بقاء النظام وتماسكه أولى من أي تسوية كبرى. لذلك، تراهن طهران على الصمود بمرور الوقت حتى يتغير ميزان القوى العالمي، أو تتجه الولاياتالمتحدة إلى أولويات أخرى. ومع بروز الصين كمورد رئيسي لتكنولوجيا عسكرية متقدمة، خاصة بعد اختبارها في الحرب الأخيرة بين باكستان والهند، يزداد إغراء هذا المحور الشرقي بالنسبة لإيران. غير أن لهذه الاستراتيجية ثمنها وهي مزيد من العزلة عن الأسواق الغربية، ومخاطر الارتهان المفرط لبكين وموسكو، لكنها تظل متوافقة مع ايدولوجيات في الاعتماد على الذات ورفض الخضوع للغرب. سؤال المستقبل السؤال الحقيقي أمام واشنطن وأوروبا هو: ما الخيار الفعلي المتاح أمام إيران؟ إذا كان الجواب يقتصر على الضغط حتى تغيير النظام، فإن النتيجة قد تكون أكثر كارثية من البرنامج النووي نفسه. فإيران ليست دولة قابلة للاختفاء بالعقوبات أو الانهيار إلى ديمقراطية غربية نموذجية، بل دولة كبرى يسكنها 90 مليون نسمة في قلب الشرق الأوسط. تفكك إيران أو اندلاع حرب أهلية فيها لن يبقى داخل حدودها، بل سيمتد أثره إلى الخليج والعراق وآسيا الوسطى والقوقاز، مع ما يحمله من تهديدات أشد خطورة على الاستقرار الدولي. ولا يتعلق التحدي بكبح البرنامج النووي فقط، بل بتحديد ما إذا كانت واشنطن وتل أبيب على استعداد لتحمل تبعات استراتيجياتهما، وما إذا كانتا تملكان تصورًا لنهاية اللعبة غير مجرد الضغط والتصعيد. لوحة خيارات صعبة ومكلفة بين التصعيد، الاتفاق، الاندفاع نحو القنبلة، أو الصبر الاستراتيجي، تجد إيرانوالولاياتالمتحدة نفسيهما أمام لوحة خيارات كلها صعبة ومكلفة. ومع ذلك، فإن لحظة ما بعد الحرب قد تكون أيضًا فرصة لإعادة صياغة العلاقة على أسس واقعية، بعيدًا عن أوهام الانتصار الكامل أو الانهيار السريع. فالمستقبل لا يزال مفتوحًا، لكن الثمن الذي سيدفعه الشرق الأوسط والعالم رهن بما سيختاره صانعو القرار اليوم.