في عينه.. في عينه.. جدع ياباشا! كان هذا هتاف عساكر الأمن المركزي للضابط الشاب الذي اطلق رصاصة مطاطية فدخلت في عين احد المتظاهرين في شارع محمد محمود باشا من جهة ميدان التحرير, عقب مليونية18 نوفمبر! كان الضابط وهو برتبة ملازم أول, واقفا في الشارع المذكور مسلحا ببندقية يستخدمها ضد المتظاهرين وهو يتقدم بضع خطوات للأمام ويطلق الرصاص اكثر من مرة باتجاه المتظاهرين ويستدير للخلف, بينما يهنئه بعض زملائه علي دقة التصويب. الحدث ليس بسيطا ولا هينا, ولكنه كارثة مركبة, الضابط الشاب يرتكب جريمة مروعة, وبدلا من حماية المتظاهرين بحكم وظيفته التي تقضي بتأمين الناس, اذا به يتحول الي مجرم يفقد مواطنا مكلفا بحمايته احدي عينيه, ما يعني ان فلسفة وزارة الداخلية مازالت تمضي في طريقهاالمظلم الذي تلقته عن نظام الكونستبلات الإنجليز, وهو ان الشعب عدو الشرطة, وتجب هزيمته بوسائل القتل والتعذيب والقمع المتاحة, وكان من المفترض ان يتعلم رجال الأمن في بلادنا من درس الثورة في25 يناير2011, يوم عيد الشرطة وما جري فيه, حين انتطر الشعب وأودع الجلادين والقتلة أقفاصا حديدية ليشاهدهم العالم وهم يخضعون لسيف العدالة! ولكن يبدو انهم لم يتعظوا بعد! اما الجنود المساكين الذين هنأوا الباشا علي تصويبه المحكم في عين المواطن البريء, فمازالوا يتعاملون مع الباشا الصغير بمنطق العبيد الذين يجب ان يبتهجوا لأن سيدهم المدلل قد احرز تفوقا في إجرامه وسلوكه المشين ضد مواطن قد يكون شقيقا لواحد منهم او قريبا له, ولكن منطق العبودية الذي مازال سائدا في بعض الأجهزة أو معظمها اذا شئنا الدقة, يجعل الجنود المساكين يتجاهلون قيمة الضحية ومدي انتسابه إليهم أو الي الرابطة الإنسانية! في الثورة المتجددة قام الأمن بتوجيه ضربات موجعة للشعب الغاضب, واستخدام الرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع بكثافة وجرأة واستمرار وهمة لم تعرف علي مدي تسعة اشهر. لقد ترك البلطحية واللصوص والمفسدين في الأرض يسرحون ويمرحون ويرتعون وينهبون دون ان يقترب منهم, مع أنه يعرفهم بالاسم, ويستطيع لو أراد ان يجمعهم في نصف ساعة بدءا من أسوان الي الاسكندرية, ولكنه لم يفعل ابدا, فقد اعلن استقالته منذ ثورة يناير, واكتفي بصرف مرتباته وامتيازاته واتهام الناقدين لمسلكه بأنهم يريدون اسقاط الدولة. المفارقة ان المهمة التي بدأها الأمن وهو يضرب الشعب في التحرير, دفعته الي تقديم اسوأ النماذج البشرية المتوحشة, وهي تتعامل مع جثث الشهداء, حيث كان الجنود يلقون بها في قلب الزبالة, او يدوسون فوقها بدلا من حمايتها ونقلها الي مثواها بما يليق بكرامة الإنسان الذي كرمه رب العباد, وفضله علي كثير ممن خلق تفضيلا! هناك قناص آخر لا تقل جريمته عن جريمة هذا الضابط الشاب الذي فقأ عين المواطن البريء وتلقي التهنئة من جنوده العبيد, هذا القناص هو المسئول غير المسئول الذي أشعل النار في الوطن كله بما يسمي وثيقة المباديء فوق الدستورية أو المباديء الحاكمة للدستور, وطرحها في وقت حساس تستعد فيه البلاد لتخطو أولي خطواتها نحو الحرية الحقيقية. لقد أراد خدمة الأقليات الثقافية والأيديولوجية وبعض اجهزة الدولة علي حساب بقية الأجهزة, ومنحها وضعا استثنائيا يتيح لها ان تكون فوق الشعب وفوق الدستور, ولم يكتف بذلك بل تحدث باستعلاء غير مقبول عن معارضي سلوكه, وزعم ان وثيقته إلزامية ولن يتم تغيير شيء فيها, ولم يعبأ بالملايين التي خرجت في العاصمة والمحافظات ترفض فعلته الشاذة, المعاكسة لارادة الشعب, وفي الوقت نفسه سكت من يديرون البلاد عن المسألة ولم يحاولوا ردعه أو إيقافه أو شرح وجهة نظرهم علي الأقل. ثم كانت الطامة الكبري بإخلاء ميدان التحرير من بضعة عشرات من المعتصمين عنوة, وبطريقة لاتعرف للتفاهم أو التفاوض طريقا, مما أدي الي مضاعفات كانت نتيجتها اكثر من اربعين قتيلا, عدا مئات الجرحي والمصابين, وأضحي الأمر يشبه من اراد التخلص من برغوث فاحرق اللحاف, أو أحرق السرير كله, ما جعل الموقف كله مريبا مشكوكا في دوافعه, وصار السؤال: لماذا لم يتركوا المعتصمين في حالهم؟ وماذا سيحدث لو أنهم بقوا اسبوعا أو عشرة اسابيع دون ان يعطلوا المرور أو مصالح الناس؟ بدا الأمر حربا أهلية شبت لسبب غير مفهوم ولا يعرف احد متي تنتهي أو يتوقف نزيف الدم فيها, والمسئول غير المسئول الذي أشعل النار في البلاد دون مسوغ ودون داع, اعتمد علي الإمبراطورية الإعلامية التي تقلب الحقائق وتدلس, وتضع المسئولية في أعناق الأبرياء, وتذيع كلاما رخيصا يتحدث عن مليونية قلة الأدب أو جمعة قندهار, أو جمعة الأتوبيسات أو غير ذلك من تعبيرات يخترعها انصار الديكتاتورية, وخدام الاستبداد في كل زمان ومكان, ان الاعتماد علي البروباجندا الدعائية لن يحقق للأقليات المعادية لارادة الشعب اي نصر سياسي أو مكاسب سياسية, لأنهم معزولون عن الشارع ومتطلباته واحتياجاته, وقانعون بالمماحكات الليلية علي شاشات البرامج التليفزيونية وأعمدة الصحف السيارة. لقد تسبب أنصار الديكتاتورية في إطالة امد الفترة الانتقالية, وسقوط المزيد من الشهداء والمصابين في ميادين الاحتجاج والتظاهر والاعتصام. وقد أحسن المجلس العسكري بالإعتذار عما جري, ولكن يبقي المطلب المهم وهو محاسبة وزارة الداخلية, وضرورة تصفيتها من العناصر الشريرة التي مازالت مصرة علي السير في طريق الظلام, وإلغاء الجهاز الإرهابي الذي اكتفوا بتغيير اسمه ولم يتغير فعله, أعني جهاز امن الدولة, فقد ثبت انه لايؤمن الدولة ولايحميها بقدر مايدمرها ويخربها.. والشعب مصمم علي نيل حريته وكرامته ولو طال السفر!