لاشك أن عباس كان علي يقين من وضع "أولمرت" السياسي والضغوط التي تطوقه والملاحقات القضائية التي تطارده منذ بضعة أشهر بسبب تورطه في فضائح مالية. ولهذا لم يكن انسحاب "أولمرت" من الحياة السياسية وهو ما أعلنه في الثلاثين من يوليو الماضي بالأمر المفاجئ وإنما كان متوقعا، واليوم كيف لعباس أن يدير الدفة وقد انسحب صديقه أولمرت من الساحة السياسية لاسيما وأن إسرائيل تقف أمام استحقاقات سياسية وعسكرية صعبة، فهناك موقفها من إيران وهناك العملية التفاوضية مع الفلسطينيين والتي لم يتحقق من جرائها شيء رغم لقاءات عباس الحميمية مع أولمرت، وهناك المفاوضات غير المباشرة مع سوريا وهي مجرد رتوش خارجية بلا مضمون حقيقي؟ مرحلة خلط الأورق والآن ماذا بعد أن وصلت مناورات أولمرت إلي نهايتها، فهو لن يستطيع اللعب أكثر من ذلك خاصة بعد أن أعلن أنه لن يتنافس علي زعامة حزب كاديما في الانتخابات التمهيدية التي ستجري في السابع عشر من الشهر القادم، وأنه سيقدم استقالته عند انتخاب رئيس جديد بل وسيمكن الزعيم الجديد من تشكيل حكومة بديلة: واليوم يرد التساول حول السيناريوهات المحتملة للخريطة السياسية في إسرائيل بعد إعلان أولمرت الاستقالة؟ ما الخيارات المطروحة بعد رحيله وانعكاس هذا علي المسارات التفاوضية؟ لاشك أن التطورات ستفتح الباب علي مصراعيه أمام تحركات جديدة داخل إسرائيل تعيد خلط أوراق اللعبة السياسية من جديد بشكل يدخل عملية التفاوض مع الفلسطينيين في مرحلة من الجمود. ماذا بعد أولمرت! سيبقي أولمرت، رئيسا لحكومة تصريف الأعمال إلي أن يتم حسم الموقف نهائيا فإما أن يفوز أحد المنافسين علي زعامة حزب كاديما وهم ليفني، موفاز، شتريت، ريختر، وإما أن يجري تبكير موعد الانتخابات التشريعية والتي قد يحالف فيها الخط نيتانياهو ليأتي علي رأس الحكومة الجديدة. ورغم ما يقال من إن مسألة التغيير التي تشهدها إسرائيل ربما تؤدي إلي عودة الأمور بالنسبة للتفاوض مع الفلسطينيين إلي نقطة الصفر إلا أن ما سيحدث في المرحلة القادمة لن يختلف كثيرا عما ساد خلال الفترة الماضية حيث لم يطرأ أي جديد علي القضايا الجوهرية وأعني بها قضايا الوضع النهائي. وعليه يمكن القول بأن الفترة القادمة ستكون امتدادا طبيعيا للفترة الماضية بالنسبة للقضية الفلسطينية. الدوران في حلقة مفرغة المفاوضات السابقة كانت شكلية تخلت عن الجوهر واهتمت بالواجهه دون المضمون مجرد لقاءات عبثية تخللها العناق والقبلات. استغلتها إسرائيل لتحقيق مكاسب علي الأرض ويكفي ما أصدرته السلطات الإسرائيلية من تصاريح لبناء آلاف الوحدات السكنية في الأراضي الفلسطينية، ومضي إسرائيل في تهويد القدس وفي بناء الجدار والاستمرار في عمليات البطش بالفلسطينيين اغتيالا واعتقالا وتهجيرا. هذا بالإضافة إلي تعميق إسرائيل للشرخ الفلسطيني. ومعني هذا أن عباس نجح في أمر واحد وهو الابقاء علي مظهرية اللقاءات مع أولمرت وليفني دون تحقيق أي تقدم علي صعيد القضية، وبالتالي ظلت المفاوضات معطلة حتي لو كانت قائمة. والآن ينتظر أن تكون الصورة أكثر سوداوية مع المرحلة القادمة، فالمفاوضات ستكون أصعب بكثير لاسيما مع استمرار حالة الانقسام المزرية في الصف الفلسطيني والتي حدت بسلطة عباس إلي أن تظل محصورة في طرح القضايا الفرعية والبعد عن قضايا الجوهر والدوران في حلقةمفرغة. ويظل من الممكن لعباس تجاوز ذلك إذا ما عكف علي استراتيجية رأب الصدع مع حماس والتي لن تتوافر إلا بعودة الحوار بين الضفة وغزة.