الصدام المروع الذي وقع بين فتح وحماس كان متوقعا منذ أن أبرم اتفاق مكة في فبراير الماضي فلقد بدا الأمر يومها وكأن السعودية قد نجحت في لجم الطرفين عن ممارسة الاقتتال ضد بعضها البعض ولكن إلي حين. الصدام كان متوقعا منذ أن فشلت كل اتفاقيات وقف إطلاق النار وعاد الفلسطينيون إلي نقطة الصغر لينشب صدام عنيف منذ التاسع من يونية الحالي حصد العشرات من الرجال والنساء والأطفال فشلت كل محاولات الوساطة التي قام بها الوفد الأمني المصري تجاوز الاقتتال الداخلي كل الخطوط الحمراء.. نسف المحرمات.. بدد الأمن والاستقرار، انبري كل فريق في تجاذبات عنيفة.. قتل وعنف واختطاف المؤسف أن الاقتتال تم بمعية الاخوة الأعداء رغم أن الصراع والتجاذب يقوم علي سلطة وهمية نسي الفرقاء في خضمها أنهم يعيشون تحت الاحتلال وليسوا في دولة مستقلة! حل الحكومة خطوة متسرعة تحققت المخاوف علي أرض الواقع عندما اندلعت الاشتباكات بين أنصار فتح وحماس وزاد سعارها في الثاني عشر من الشهر الحالي ليصدر عباس بعد ذلك بيومين قرارا بحل حكومة "هنية" وإعلان الطوارئ ويكلف سلام فياض بتشكيل حكومة جديدة هي أشبه ما تكون بحكومة انقاذ بيد أن ما اتخذه عباس اعتبر خطوة متسرعة، فالصورة علي هذا النحو تعكس حالة توهان وضياع والمضي قدما في صنع الكارثة الحقيقية فلا يمكن لحكومتين متناحرتين أن يتعايشا! لم يكن الموقف بحاجة إلي ميلاد حكومة جديدة وإنما كان بحاجة إلي رأب الصدع وإلي التوافق من أجل العودة إلي صيغة للحوار تقود إلي التعاطي المتعمق مع القضايا الخلافية وبالتالي فإن تشكيل حكومة جديدة لم يكن ليمثل حلا ناجحا للأزمة بل علي العكس يزيدها تفاقما إذ ما الذي يمكن أن يفعله ذلك في جود شديد التعقيد والتوتر؟ كان الوضع في حاجة إلي إعادة الأمور أولا إلي درجة من المعقولية وإصلاح الخلل الذي أدي إلي تصعيد المواقف إلي درجة لم يكن أحد يتوقعها حيث وصلت إلي حد الاعدامات وحرمة المؤسسات. الدعم لمن؟ بدا عباس بقراره حل حكومة هنية وتشكيل حكومة جديدة غير معني بتطويق الأحداث المروعة التي وقعت في غزة وامتدت بالتبعية إلي الضفة غاب عن عباس أن مثل هذا القرار سيعمل علي تصعيد التوتر أكثر وأكثر بالإضافة إلي أن تطبيقه علي غزة شبه مستحيل بعد أن سيطرت حركة حماس علي معظم المقار الأمنية التابعة لفتح في القطاع وفي ظل ما تردد فإن إدارة بوش هي ا لتي أملت علي عباس اتخاذه حيث إنها ضالعة مع اسرائيل في إيجاد كيان ناجح في الضفة ترفع عنه الحصار مقابل نموذج فاشل في غزة تطوقه بالعزل والحصار وكان من الطبيعي أن يتوقع الجميع أن الحصار علي حماس سيزداد في محاولة لخنقها وبدت أولي بوادره في ردود فعل الغرب الداعمة لعباس ضد حماس وفي قرار المفوضية الأوروبية التي سارعت فعلقت المساعدات الإنسانية المرسلة لغزة رغم حالة الفقر التي يعاني منها القطاع والوضع الإنساني المتردي إلي حد الكارثة. حماس والدائرة المغلقة لم يشفع لحماس أنها خاضت تجربة ديمقراطية فريدة من نوعها في المنطقة وأحرزت السبق عندما فازت في الانتخابات التشريعية في 25 يناير من العام الماضي وهو ما أهلها لتشكيل الحكومة ورغم ذلك لم تعط الفرصة لتسيير دفة الأمور وتكالبت ضدها كل الأطراف بدءا من عباس رئيس السلطة الفلسطينية مرورا بأمريكا وإسرائيل وانتهاء بالمجتمع الدولي ككل بما فيه من دول عربية سايرت الخط الأمريكي واليوم وبعد الأحداث التي شهدتها غزة فإن حماس لن تظفر بالقبول لاسيما أن ما يسمي بشرعية السلطة الفلسطينية تعتمد علي قبول اسرائيلي أولا ودعم عربي ثانيا ودعم واعتراف دولي ثالثا ولقد رأينا اجتماع وزراء الخارجية العرب يوم الجمعة الماضي وكيف انه تبني دعم عباس وحمل علي حماس ما قامت به وبالتالي ظهرت حماس وكأن ما فعلته هو عملية انتحارية خاضتها في محاولة للخروج من الدائرة المغلقة التي وجدت نفسها محاصرة بها. لا لنشر قوات دولية الغريب أنه وسط هذا الجو المشحون بالتوتر والقتل والخطف انبري عباس وأولمرت وإدارة بوش يتحدثون عن نشر قوات دولية علي طول الحدود بين غزة ومصر بل ان امريكا نشرت دعاية ضد حماس تشير إلي أن عدم نشر قوات دولية سيمكن حماس من إقامة حكومة علي غرار طالبان مما سيهدد الأمن القومي المصري!! ولا أدري كيف أمكن لعباس فتح بوابة القوات الدولية هذه وهي كارثة حقيقية ولن تكون مقبولة فلسطينيا لأنها ستعني إعلانا واضحا وصريحا من قبل الفلسطينيين بحالة عجز كاملة وهو ما يشكل صفعة للمشروع الوطني الفلسطيني أما منطلق الحل فسيظل فلسطينيا يعتمد علي التوافق مع الأخذ في الاعتبار أن الملف الأمني كان ولايزال هو المشكلة الرئيسية في العلاقة بين فتح وحماس ولذا يجب أن تعالج مع التأكيد علي الشراكة في تحمل المسئولية من قبل كل القوي وتوحيد المواقف حتي يمكن مجابهة التيار الأمريكي الإسرائيلي الذي يدفع بالفلسطينيين نحو المواجهة فيما بينهم. مخطط لتصفية القضية ولاشك أن التطورات الأخيرة جاءت في صالح أولمرت من حيث لا يدري لتنشله من وضعه الضعيف وتعطيه دفعة للأمام لاسيما بعد أن تعزز مركز حكومته بنجاح باراك وانضمامه إليها كوزير للدفاع وبعد تعيين صديقه شيمون بيريز رئيسا لاسرائيل يجب علي الفلسطينين قطع الطريق علي السيناريو الأمريكي الذي يهدف الي تصفية القضية الفلسطينية من خلال فصل الضفة عن غزة ووضع اسفين دائم بين فتح وحماس واستدراجهم الي اتون حرب أهلية تأكل الأخضر واليابس.