الاستثمار المباشر هو الاستثمار الذي يتجه مباشرة الي مشروعات انتاجية ويتم بموجبه تحويل رؤوس الاموال النقدية الي اصول عينية تنتج عوائد نقدية من اشكال متعددة - مصانع، مزارع، عقارات، متاجر، بنوك، طرق وكباري، عبارات وسفن، سيارات نقل وغيرها من الاصول التي تدر عائدا يذهب الي جيوب اصحابها والعاملين بها، وعادة يتم التركيز في التنمية علي هذا النوع من الاستثمار، وذلك علي عكس الاستثمار غير المباشر الذي لا يتم فيه هذا التحويل المالي وانما يكتفي بنقل الملكية بين الاشخاص وطنيين او اجانب، ويتم غالبا داخل البورصات ومن اجل المضاربات والحصول علي الارباح. وهناك شروط ضرورية لكي ينتج الاستثمار المباشر اثره الايجابي في زيادة فرص العمالة ومعالجة البطالة والقضاء علي الفقر، شروط لابد من توافرها لان اهمالها يمكن ان يلغي هذا الاثر الايجابي وينتج العكس مثلما حدث في دول جنوب شرق آسيا التي تدهورت اصولها الاقتصادية فجأة (في منتصف عام 1997) بعد ان وصلت الي اعلي درجات التقدم الاقتصادي وكانت تنافس الدول المتقدمة قديما، ويهمني ان اعرض بعض هذه الشروط: "أولا": من الضروري ان يتم تركيز الاستثمار المباشر علي انتاج السلع اللازمة للاستهلاك الضروري لغالبية ابناء الشعب دون ان يقتصر علي احتاجات فئة او فئات قليلة، وعلي ان يتم تقدير هذه السلع اقتصاديا في ضوء البضائع المستوردة من الخارج لعدة سنوات سابقة، ومع الاخذ في الاعتبار الفرق بين قيمة الصادرات وقيمة الواردات، لان الطبيعي ان يتوازن الميزان التجاري ولا يكون فيه خلل يعني ان الدولة تعتمد في مواجهة استهلاك شعبها علي السلع المستوردة بنسبة اكبر من السلع المنتجة محليا والتي يتعين ان تتزايد كميتها لمواجهة جميع الاحتياجات الضرورية محليا وبالتالي يتوازن الميزان التجاري. وفي مصر مازال عجز الميزان التجاري كبيرا ومتزايدا كما هو الحال في السنوات الثلاث الاخيرة التي اظهر فيها عجزا بلغ 6.6 مليار دولار امريكي، 7.8 مليار دولار امريكي، 10.4 مليار دولار امريكي وذلك خلال اعوام 2002/2003 و2003/2004 و2004/2005 علي التوالي، وكان ذلك نتيجة زيادة الواردات بنسبة اكبر من زيادة الصادرات حيث بلغت الواردات خلال الاعوام الثلاثة المذكورة 14.8 مليار دولار و18.3 مليار دولار، و24.2 مليار دولار علي التوالي، وقد كانت اغلب الواردات المتزايدة للاسف من سلع استهلاكية ووسيطة بينما انخفضت واردات السلع الاستثمارية، وبالتالي يمكن القول ان هناك خللاً انتاجياً قد يرجع الي سياسات انتاجية خاطئة، ويتطلب اعادة نظر في هذه السياسات في ضوء النظام الاقتصادي الذي تسير عليه الدولة وبما يساعد في تقريب الفوارق الانتاجية. "ثانيا": تركيز الاستثمارات المباشرة علي انتاج السلع الضرورية المطلوبة لعامة الشعب يؤدي الي تخفيض الواردات من هذه السلع وتوفير النقد الاجنبي الذي يتم سداده ثمنا لها، كما ان انتاجها بكثرة في ضوء خطة التنمية الموضوعة يساعد علي خفض تكلفة الانتاج خاصة بعد تخفيض الرسوم الجمركية والضرائب المقررة علي المصانع المنتجة، وبالتالي يستطيع عامة الشعب الحصول عليها باسعار تتناسب مع دخولهم المحدودة والمتوسطة خاصة انه يمكن في هذه الحالة انتشار هذه السلع وتحديثها بشكل يتفق مع الانماط الاستهلاكية المحلية التي تغني عن شراء السلع المستوردة. وبهذه المناسبة اذكر ان هناك سلعا عديدة منتجة محليا منها منتجات الالبان والبسكويت والمنظفات وادوات التجميل وبعض المواد الغذائية الاخري مازال المستهلك المصري يفضل شراء المستورد منها مع اننا ننتجها بشكل واسع ولكن للاسف بجودة اقل علما بان اسباب ذلك مازالت غير معروفة حيث تتوزع المسئولية بين الشركات المحلية التي تشترك معها شركات اجنبية تعمل بلاشك علي عدم اعطاء سر المهنة بالكامل للمنتج المصري فتخرج السلع المصرية المحلية اقل جودة من السلع الاجنبية التي تنتج في بلاد هذه الشركات الاجنبية، مما يساعدها وبذلك تستطيع هذه الشركات تصديرها بشكل واسع لاغلب دول العالم حتي للدول التي تنتجها محليا، واضرب مثالا لذلك ببعض انواع البسكويت المنتج محليا علي نطاق واسع ومع ذلك نقوم باستيراد كميات كبيرة منه "من المناسب ان يقوم مركز تحديث الصناعة بدراسة تفصيلية عن اسباب ذلك". كما تتوزع اسباب عدم جودة السلع المنتجة محليا بالمقارنة مع السلع المستوردة المحلية بين ضعف حوكمة الشركات المحلية وضعف ادارتها وعشوائية بعض العاملين فيها لعدم حصولهم علي المزايا التي تجعلهم يبذلون اقصي جهدهم في انتاج جيد وفي ابتكارات وتجديد لمستوي جودة السلعة التي اصبح لهم خبرة كبيرة في انتاجها، وهو مناخ عام يسود للاسف المجتمع الانتاجي المحلي ويحاول الاصلاحيون المصريون المؤتمنون تغييره غير انه يتطلب فكرا حديثا وتدريبا جيدا وتكنولوجيا مستحدثة عن طريق آليات تحديث الصناعة، وان كانت الشركات الاجنبية خاصة المتعددة الجنسيات منها تقف في طريقهم الاصلاحي كما وقفت جهات اخري في اوائل القرن الماضي ضد فكر وشركات واصلاحات طلعت حرب وذلك عن طريق تدعيم الروتين الحكومي البالي وتعميق البيروقراطية المحلية المتوارثة منذ ايام محمد علي والتي وقفت ضد اصلاحاته الصناعية. "ثالثا": المستثمرون المصريون الذين يبتعدون عن الاستثمار السلعي المباشر ويذهبون باموالهم الي بروصات الاوراق المالية او يحولونها للاستثمار في الخارج بحثا عن مزايا افضل وضمانات اكبر، هؤلاء المستثمرون هم الخاسرون، لان المكاسب المادية العاجلة لم تعد الدافع الوحيد لاستثمار الاموال، وانما ظهرت بجانبها عوامل لم تكن تؤخذ في الحسبان من قبل بينما اوضحها ما حدث في دول جنوب شرق آسيا التي تقدمت اقتصاديا خلال فترة لا تزيد علي ربع قرن وتساوت في تقدمها مع مستوي بعض الدول المتقدمة قديما في اوروبا، ثم فجأة وفي اقل من ثلاثة شهور (منتصف عام 1997) انهارت هذه الدول دولة بعد اخري "ماليزيا - تايلاند - سنغافورة وحتي كوريا الجنوبية" بعد ان ظهرت بها طبقة تجري وراء الارباح السريعة من بينها طبقة ملاك العقارات التي توسعت في بناء اعلي ناطحات سحاب في العالم ثم لم تجد من يشتريها او يسكنها فانهارت اسهمها، وبالتالي انهارت اقتصاديات هذه الدول ولم تعد الي مستواها السابق الا عندما غيرت مسارها الانتاجي وركز مستثمروها علي انتاج السلع الضرورية المطلوبة لاستهلاك الشعب وللتصدير. إن دروس دول جنوب شرق آسيا يتعين ان تكون امام كل المستثمرين المصريين والعرب الذين يفضلون الاستثمارات المباشرة او يذهبون باموالهم الي الخارج بحثا عن مزايا اكثر.