كنا نمني النفس دائما منذ ثلاثة عقود بدخول الاستثمارات الأجنبية المباشرة لتحقيق معدلات نمو اقتصادي متزايدة وتحقق معدلات بطالة متدنية وترتفع الأجور وكل هذا كسبيل لنقل المواطن المصري لمستوي مرتفع من الرفاهية يحلم به منذ قيام ثورة 1952 وعندما بدأت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الدخول وبشكل جدي وتحديداً منذ عام 2004 وحتي الآن حدثت مجموعة من المتغيرات والظواهر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية جعلتنا نقف لنحلل ونتساءل هل الاستثمارات الأجنبية التي دخلت مصر نعمة أم نقمة؟ الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي دخلت مصر منذ بداية الألفية وحتي عام 2004 بلغت 4،00 مليارات دولار فقط ثم زادت مرة واحدة عام 2005 لتصل إلي 4،1 مليار دولار ثم 9،1 مليار دولار عام 2006 حتي وصل إجماليها منذ عام 2005 وحتي نهاية العام المالي 2008/2009 إلي 56،9 مليار دولار وهو حجم استثمارات لم نتخيل يوماً دخوله مصر في المقابل وعلي عكس ما كنا نحلم زاد معدل الفقر زيادة ملحوظة خلال نفس الفترة وجدت علينا ظاهرة الاعتصامات والتظاهرات العمالية وبشكل لم نعهده كما اتسعت الفروق الاجتماعية بشكل واضح بين المواطنين. أنواع الاستثمارات الأجنبية والواقع أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي دخلت مصر تنقسم إلي استثمارات أجنبية قصيرة الأجل وأغلبها نطلق عليها الأموال الساخنة وهي استثمارات تدار بعقليات محترفة ذات خبرات اقتصادية كبيرة تدخل دائماً للاقتصاديات الصاعدة للاستفادة من صعودها وتحقيق معدلات ربحية مرتفعة جداً خلال فترات زمنية قصيرة وتخرج بسرعة وغالبا تكون لها تأثيرات سلبية علي الاقتصاد. وقد دخلت هذه الاستثمارات للبورصة المصرية في منتصف التسعينيات من القرن الماضي للاستفادة من صعودها واستطاعت الارتفاع وبشكل فقاعي وغير مبرر مستغلة قلة خبرة القائمين علي البورصة وكذا المتعاملين المحليين معها. واستطاعت هذه الاستثمارات جني أرباحها والخروج بسرعة مخلفة وراءها خسائر رهيبة للمتعاملين المحليين بحيث مازال بعضهم وللآن لم يستعض خسائره كما تدخل هذه الاستثمارات أيضا عند طرح سندات بفوائد مرتفعة للاكتتاب والبيع بعد التخصيص مباشرة محققة أرباحاً كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة كما تدخل أيضا لشراء شركات ضمن برامج الخصخصة في الدول النامية وتكون لهذه الشركات أصول ثابتة لها قيمة كأراضي البناء والعقارات لا من أجل الإصلاح الهيكلي للشركة وإعادة الإنتاج والتشغيل بشكل يحقق أرباحاً ويضيف قيمة للاقتصاد بل من أجل تفريغ الشركة من أصولها ببيعها وتحقيق أرباح سريعة والخروج أيضا ببيع الشركة بعد تجريدها من أصولها أو حتي تركها بعد بيع أصولها لمن باعها والجهات المالكة لهذه الأموال تمتلك المعلومات التي تمكنها من التخطيط الدقيق لكيفية تحقيق المكاسب وخلال فترات زمنية قليلة جداً والانسحاب السريع. وتجربة دخول هذه الأموال في مصر كانت مؤلمة وتسببت في العديد من السلبيات أهمها: 1- تحقيق مكاسب ضخمة وتحويلها للخارج يعمل علي تباطؤ معدلات نمو السيولة المحلية والسيولة المحلية معناها وببساطة الودائع الموجودة بالجهاز المصرفي سواء كانت بالعملة المحلية أو الأجنبية وسواء كانت ودائع جارية أو غير جارية هذا بجانب النقدية الموجودة لدي الجمهور وخارج نطاق الإيداع بالبنوك وهذا التباطؤ لو استمر فهو يؤدي لعدم قدرة علي سداد الالتزام من قبل المستهلك والتاجر والمنتج وحتي البنك ويصل بنا في النهاية إلي حالة من التعثر وهي حالة شهدناها في بدايات هذا القرن وملفها لم يغلق بعد. وينبغي أن نضع في الاعتبار أن الأموال الساخنة كانت سبباً رئيسياً ضمن أسباب أخري أهمها دخول الدولة في مشروعات ضخمة لم تدر عوائد مناسبة مثل مشروع توشكي هذا بخلاف التكالب علي مشروعات إسكان فاخر لم يكن عليها طلب في نهاية القرن الماضي وبدايات هذا القرن. 2- الأموال الساخنة عند دخولها كاستثمارات أجنبية وحتي بالبورصة فلا يمكن معرفتها وتصنيفها علي أنها أموال ساخنة إلا عند خروجها وبالتالي فدخولها إلي الاقتصاد يؤثر إيجاباً علي الحساب الرأسمالي والمالي بميزان المدفوعات وهو ما يؤثر أيضا علي ميزان المدفوعات بالإيجاب وعند انسحابها بعد تحقيقها للغرض من الدخول يكون الانسحاب مفاجئاً وسريعاً وهو ما يؤثر سلباً أيضا وبصورة مفاجئة علي الحساب الرأسمالي والمالي بميزان المدفوعات وتلك التغيرات المفاجئة تصيب المحللين وأصحاب القرار الاقتصادي بالارتباك وهو ما يمكن أن يؤثر علي قرارات مهمة اتخذت بناء علي معلومات ونتائج تغيرت بشكل مفاجئ بعد الدراسة واتخاذ القرار.