يقول "كمال الشناوي": "أفلسنا ولم نعد نملك سوي خمسة ملايين جنيه"، فتصرخ "ليلي طاهر" - زوجته في المسلسل - في هلع "وما الذي يمكن أن نفعله بهذه الملايين الخمسة"؟.. ويصبح المطلوب من المشاهدين ان يتعاطفوا مع هذه "الكارثة" التي حلت علي زوجين في أواخر العمر ليس لديهما - مثلا - هم تربية ابناء في سن التعليم، ولا سن الزواج.. ولانني كنت في اجازة سمحت لي بمتابعة عدة مسلسلات في آن واحد، فقد فهمت من هذه المسلسلات أنني - وحدي تقريبا في مصر، ومعي دائرة معارفي - لا اقيم في فيللا من دورين، لها حمام سباحة، يقوم بالخدمة فيها عدد من الخدم محترمي الهيئة، ويمتلك كل فرد من افراد الاسرة سيارة آخر موديل خاصة به وحده!! فأغلب شخصيات المسلسلات المصرية التي عرضت في مصر ومعظم البلدان العربية كانت من هذه النوعية. ومنذ عدة سنوات جاء الي مصر في رحلة شهر عسل زميل مصور شاب من فلسطين يعمل في وكالة أنباء اجنبية، وكان أول تعليق قاله ان معظم معلوماته هو وعروسه عن مصر كانت من خلال الافلام والمسلسلات، لذلك فوجئنا بمستوي معيشة المصريين في الواقع!.. ومؤخرا أرسل لي زميل عراقي يعمل في محطة فضائية يقول انه اتخذ قراره بالفعل - نظرا للظروف الامنية في العراق الشقيق - بأن ينقل أسرته المكونة من زوجته وثمانية ابناء ووالدته للعيش في القاهرة نظرا لما سمعه عن انخفاض الاسعار في مصر، ويريد شراء شقة واسعة لهذه الاسرة الكبيرة، في منطقة سكنية لائقة قريبة من احدي الجامعات التي يأمل ان يلحق ابنيه بها.. ثم سألني عما يمكن أن يكلفه شراء مثل هذه الشقة؟ فلما اعتذرت بأنني لا اتابع بدقة سوق العقارات المصري، قال لي: "يعني تتصوري كم يبلغ سعر اغلي شقة في القاهرة؟".. واتضح لي انه فهم مما يراه في الافلام والمسلسلات المصرية ان "اغلي شقة في القاهرة" لن يتعدي ثمنها بضع عشرات من الآلاف!!!، لانه يري صحفيين ومهندسين ومحامين مصريين - من المفروض انهم يمثلون الطبقة المتوسطة - يسكنون في الافلام والمسلسلات، شققا فاخرة. واذا كانت هذه الوقائع تدعو للابتسام، مما قد يتصوره من لم يزر مصر عن احوال أهلها بعد مشاهدة هذه الافلام او المسلسلات، وربما تتيح للمرء فرصة للتباهي امام من لا يعرفون، باعتبار ان "الصيت ولا الغني" فانها تدعو للقلق والتفكر فيما تتركه من أثر لدي ابناء وبنات هذا البلد الذين تشير احصائيات مؤخرة الي ان تسعة ملايين من بينهم ترتفع اعمارهم عن الخامسة والثلاثين لم يستطيعوا الزواج حتي الآن لاسباب اقتصادية، كما تدعونا لتخيل تأثير مثل هذه الافلام والمسلسلات علي طوابير العاطلين من حملة الشهادات العليا وهم يرون شخصيات هذه الاعمال الفنية تحصل علي فرص عمل مرموقة بمجرد حصولها علي شهاداتها، وسرعان ما تمتلك مختلف مظاهر الثراء الاجتماعي بمجرد التعيين في وظيفة! وهل نلوم بعد ذلك شبابا اصبح كل امله الحصول علي تأشيرة هجرة دائمة او علي اقل تقدير عقد عمل في الخارج، بعدما قضي سنوات تعليمه يجتهد ويحرم نفسه من اللهو حتي يحقق امله في الحصول علي وظيفة تحقق له مجرد حياة اجتماعية كريمة، ثم يفيق من احلامه علي واقع نعلمه جميعا؟ لقد رأي صناع القرار ان علينا تحرير اقتصادنا لنلحق بمجتمعات متقدمة حققت تطورا هائلا عبر تبني نظام الاقتصاد الحر.. فهل فكرنا ماذا يفعل اصحاب الاعمال في هذه البلدان المتقدمة؟ هل تقتصر حياة اصحاب الاعمال في هذه البلدان علي مجرد امتلاك القصور والسيارات الفارهة واقامة الحفلات الباذخة، باعتبارهم احرارا في التصرف فيما يملكون من ثروة؟ كان المفترض عندما ننقل تجربة هذه "المجتمعات المتقدمة" ان نبدأ من حيث انتهي الاخرون.. لا ان نبدأ من حيث بدأوا.. لقد جربت هذه المجتمعات في عصر سابق - أيام نظرية الدولة الحارسة التي لا تقوم الا بوظيفة الامن الداخلي وحماية الحدود - نظام الاقتصاد الحر بالمعني الذي نطبقه الان، وهو ان كل صاحب مال حر فيما يفعل بثروته، يوظفها كيفما يشاء أو ينفقها كيفما شاء، وليس من حق الدولة ولا المجتمع التدخل في تصرفاته، لكن التجارب اثبتت خطأ هذا التصور الذي دفعت ثمنه هذه المجتمعات، كما دفع ثمنه اصحاب الاعمال في الازمات الاقتصادية الكبري التي بدأت منذ ازمة 1929 في أوروبا والتي استفحلت آثارها حتي ادت الي قيام الحرب العالمية الثانية.. ومنذ ذلك الوقت بدأ دعاة الاقتصاد الحر انفسهم يرون دورا ضروريا للدولة في تنظيم الاقتصاد سواء في اساليب فرض الضرائب او التأمينات الاجتماعية علي العاملين او منحهم امتيازات معينة، تضمن لهم الحد الادني من الحياة الكريمة، فضلا عن حقوق التنظيم في نقابات اجتماعية، وحقوق ديمقراطية اخري تضمن لهم سبل الاحتجاج علي ما قد يتعرضون له من ظلم. وظهرت ايضا افكار تبناها بعض مؤيدي "الاقتصاد الحر"، تتحدث عن الدور الاجتماعي لرأس المال، وتطالب بدور حقيقي يقوم به اصحاب الاعمال في خدمة مجتمعاتهم وتنميتها.. وسمعنا عن اقسام كاملة في مستشفيات كبري يبنيها اصحاب اعمال من مالهم الخاص ويجهزونها باحدث الاجهزة العلاجية لخدمة المواطنين بالمجان.. وغير ذلك من المشروعات الخدمية التي يقدمها هؤلاء لمجتمعاتهم، دون رياء ودون رغبة في التظاهر بالتقوي، والمن علي مواطنيهم بما يقدمونه من اعمال.. ولماذا ننظر بعيدا؟ وقد كان أثرياؤنا في مصر يفعلون نفس الشيء في زمن سابق، والا فكيف انشئت الجامعات المصرية - جامعة القاهرة الآن - قبل مائة عام؟ ألم يكن ذلك بتبرعات الموسرين والملاك واصحاب الاعمال، ومنهم افراد من الاسرة الملكية؟ وبنفس الطريقة انشئت مستشفيات كبري في مصر مازالت تقدم خدمات مجانية لغير القادرين بصرف النظر عما وصل اليها مستواها الان. وسيذكر التاريخ كيف كان هؤلاء يتكفلون بالمنح العلمية لشباب غير قادر، يرسلونه الي الخارج للحصول علي درجات علمية، ترتقي بحياته وتجعله مفيدا في نفس الوقت لمن انفقوا علي تعليمه فيعود ويطور بعلمه الانتاج في مصانعهم محققا لهم المزيد من الارباح.. ولاشك ان من بين اصحاب الاعمال المعاصرين من يسعي بشكل أو بآخر لتقديم تبرعات او المساهمة في اعمال خيرية.. لكن الوضع العام في مصر يؤكد ان مستثمرينا لم يقوموا - بعد - بما يجب عليهم من واجبات تجاه مجتمع لا يبخل عليهم بالتسهيلات.. فمازالت النظرة السائدة ان الاقتصاد الحر يعني ان يصبح الاثرياء احرار فيما يفعلون بثرواتهم دون ان يعترض احد علي مظاهر للبذخ مغالي فيها، في مجتمع لا يجد الملايين فيه فرصا مناسبة للتعليم او للعمل او للسكن او للعلاج.. ويكتفي بعض هؤلاء في كل مناسبة بان يعايرنا بانه "يفتح بيوت ناس" بتوظيفه عمالا في مشروعاته.. كما لو كان يفتح بيوت هؤلاء تعطفا ومنا ولا ينتظر منهم جزاء ولا شكورا! وهو اول من يعلم ان ما يحققه من ارباح وثروات جاء معظمه من "عرق" هؤلاء، وهم بدورهم يفتحون بيته في واقع الامر.. ولم نسمع مثلا عما اصبح يعرف في كثير من التجارب باسم "الاستثمار البشري".. فلماذا - مثلا - لا يتكفل صاحب العمل بارسال بعثات تعليمية للخارج علي نفقته او فتح مدارس مهنية في التخصصات التي تحتاجها مصانعه لتعليم ابناء الفقراء؟ او حتي ايواء من درج علي تسميتهم "اطفال الشوارع" في مدارس داخلية مجانا، مقابل ان يعملوا في مصانعه بعد تخرجهم لمدة معينة مثلا بأجر مخفض الي ان يستوفي المصاريف التي صرفها علي تعليمهم؟ فيضمن بذلك لمشروعاته عمالا مهرة، ويضمن لبعض ابناء مجتمعه وظيفة تقيم أود عوائلهم وتقيهم من التشرد في الشوارع، ويضمن المجتمع في نفس الوقت نزع فتيل من فتائل الحقد وكراهية المجتمع التي تجعل من المشردين والعاطلين تربة خصبة لتربية الارهابيين.