كان ثلاثة من الشيوخ في مركب صغيرة يقودها صياد فقير متواضع في عرض البحر .. سأله الشيخ الأول : هل تفهم في الشريعة ؟ .. فأجاب الصياد بالنفي .. فقال له : لقد فقدت ثلث عمرك .. وسأله الشيخ الثاني : هل تعرف في افقه ؟ .. فأجاب بالنفي .. فقال له : لقد فقدت ثلث عمرك .. وسأله الشيخ الثالث هل تعرف في الاجتهاد .. فأجاب بالنفي .. ولم تمر عدة دقائق حتي هبت عاصفة هوجاء كادت أن تغرق المركب .. فسأل الصياد الشيوخ الثلاثة : هل تعرفون العوم ؟ .. فأجابوا بالنفي .. فقال لهم : لقد فقدتم كل أعماركم . ربما كانت خفة الظل تشرح لنا بسهولة ما لا تقدر عليه أعقد الكتابات والتفسيرات فاقدة المرونة .. إن العلماء الثلاثة الذين كانوا في عرض البحر لم يترفقوا بالصياد الفقير المتواضع التفكير الذي ليس له في العير ولا النفير .. منحهم الله نعمة المعرفة فلم يترفقوا بغيرهم .. إن المبصر يجب أن يترفق بالأعمي .. والقوي يجب أن يترفق بالضعيف .. والغني يجب أن يترفق بالمعدَم .. والعالم يجب أن يترفق بالإنسان الفقير .. العادي .. الذي ينتظر منهم الرحمة .. لا أن يضيع منهم في الزحمة .. زحمة الاجتهادات والتعقيدات .. يقول سبحانه وتعالي : ¢ قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذي ¢ . إن بعض الفتاوي تسد أبواب الرحمة في وجه الناس .. بينما كان باب رسول الله صلي الله عليه وسلم مفتوحاً للكفار .. وحجة العلماء دائماً أنهم يخشون علي الدين من العامة فيميلون إلي التشدد .. وهي خشية تعطيهم مبرراً لعدم إضافة معلومة ما .. إذا كانوا يملكونها .. يقولون العامة لن يفهموها .. وبهذا التبرير يضعون حاجزاً عريضاً بينهم وبين الناس .. مع أن المفروض عليهم رفع مستوي العامة .. العالم يجب أن يضيف إلي العامة إذا كان عنده ما يضيف .. أو يقول : لا أدري .. إذا لم يفض عليه بشئ يقول : لا أدري .. ¢ ومن قال لا أدري فقد أفتي ¢ . وقد كثر في الآونة الأخيرة رمي العامة بالشرك أو الكفر أو البدعة .. وهي تهم لا يسهل رمي الناس بها .. وربما كان الوصف الأدق هو الجهل .. جهل العامة وهي مسئولية العلماء .. فلو كان الإنسان جاهلاً ويريد أن يتعلم فقد برء من هذه الصفة .. ولو كان جاهلاً ولا يريد أن يتعلم ويدعي أنه يعلم وينكر علي من يعلم انه يعلم فهو الجاهل قياساً علي أبي جهل .. فقد كان أبو جهل لا يعلم ويدعي انه يعلم ولا يريد أن يفتح أذنيه ليعرف ويمنع غيره من العلم ويتطاول علي رسول الله صلي الله عليه وسلم الذي يعرف ويعلم . لكن .. حتي صفة الجهل لا يجوز أن نطلقها بسهولة علي العامة .. لأن الله أعفي من لا يعلم .. وأعفي من لا يستطيع .. ولم يؤاخذ عبده إلا إذا اجتمع لديه العلم والاستطاعة .. أو المعرفة والقدرة .. أما من لا يعلم ويريد أن يعلم فيسمي طالب علم .. وهنا بالضبط يأتي دور العلماء .. إن الذين لا يعلمون هم خامة العلماء الجاهل - مجازاً ? خامة العلماء .. خامة صنعته ومهمته ودون هذه الخامة لا صنعة ولا وظيفة ولا دور .. تماماً مثل قطعة الحديد التي هي خامة الحداد .. يشكلها كما يشاء .. وحسب ما فتح الله عليه من موهبة وخبرة .. ومثل قطعة الخشب التي هي خامة النجار يصنع منها ما يشاء .. وحسب ما منحه الله من قدرة علي ذلك .. لم نري حداداً استغني عن قطعة حديد لأنها معوجة .. ولم نري نجاراً استغني عن قطعة خشب لأنها ليست مستوية .. علي العكس .. يتحمس الصانع الماهر لكل ما يصعب علي غيره .. إن مهارته تبرز في هذه الحالة أكثر .. وبراعته وتألقه أيضاً . العامة في يد العلماء كالخامات في يد الصناع .. وجودهم علي ما هم عليه من جهل .. مثل وجود حديد بلا حداد .. أو خشب بلا نجار .. ودلالة علي ضعف الصنعة وقلة الخبرة .. وصعوبة المهمة علي أصحابها .. وجود جهلة في ظل علماء مسألة ليست في صالح العلماء .. مهما كانت درجة الجهل .. ومهما كانت عتمته .. هؤلاء العامة لو تركوا علي ما هم عليه دون أن تجري لهم عملية تنوير وتشكيل وتعليم دلالة علي أن دور العلماء ليس كافياً .. ومهمتهم ليست كاملة .. ورسالتهم ليست مقنعة . وحجة العلماء أن ما لديهم من علم يضر العامة مع أن مهمة العلماء الأساسية نقل العامة إلي الخاصة .. وهذا في قول الله سبحانه وتعالي : ¢ نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم ¢ .. لو ترك الجهاز الإداري دون رفع كفاءته والتبصير بما يطرأ عليه من مستجدات ولوائح جديدة لأصبح هذا الجهاز في حكم العامة .. ولكن إذا ما رفعت كفاءته ليتمشي مع المستحدثات والتعديلات سيكون هذا الجهاز في حكم الخاصة . وهناك شئ غريب .. قد ينطبق علي الخاصة قبل أن ينطبق علي العامة .. إذا سمع إنسان معلومة لم يكن يعرفها من قبل فإنه سيرفضها لا لشئ إلا لأنه لم يسمع بها من قبل .. فماذا يضير الإنسان لو أضاف إلي معلوماته معلومة جديدة ؟ .. إن من بقي علمه علي ما هو عليه .. هو الخاسر .. ومن تساوي يوماه في العلم فهو خاسر . ولا توجد معلومة حرام حتي لو كانت عن شئ حرام .. لو علمنا أن الخمر يضر الكبد .. هذه معلومة حلال رغم أنها عن شئ حرام .. لو علمنا أن الزنا قد يزيد من فرصة الإصابة بالأمراض السرية .. هذه معلومة حلال رغم أنها عن شئ حرام . ولولا العامة لما كان هناك فائدة من العلماء .. ولولا المرضي ما كان هناك فائدة من الأطباء . ¢ خيركم من تعلم العلم وعلمه ¢ ولو ظل العامة عامة والخاصة خاصة فإن رصيد الأمة من العلم والمعرفة لن يزيد .. ستقف محلك سر .. بل إن ثروتها من الحكمة ستتناقص كلما فقدنا عالما من العلماء .. عند إذ لا يطلق علي السلف سلف .. فلن يكون له خلف .. وصحابة رسول الله صلي الله عليه وسلم قبل الرسالة السماوية كانوا عامة .. ربما أقل من العامة .. لكن الرسول الكريم لم يتركهم علي حالهم بل نقلهم من خانة العوام إلي خانة الخواص .. وهذا سبب تقدم الأمة الإسلامية .. نقل العامة إلي الخاصة في عملية مستمرة .. حيوية .. متصلة .. ومتدفقة . إن مسئولية من يعرف هي تبصير من لا يعرف .. وليس تركه علي ما هو عليه .. مسئوليته رفع العتمة عنه .. بالنصيحة .. بالحكمة .. بالموعظة الحسنة .. دون خوف علي الدين من أن يعرف العامة ما فيه .. يقول سبحانه وتعالي : ¢ وما كان الله ليضيع إيمانكم ¢ . لو أن العلماء عرفوا كل شئ بسهولة للعامة فإنهم يكونوا قد أدوا ما عليهم .. ولو لم يفعلوا لحاسبهم الله علي تقصيرهم .. لو أن العلماء عرفوا كل شئ بسهولة لاسترحنا من كثرة المغالطات .. ولأرحنا العامة من تفسيرات مغرضة .. ولارتفع مستوي العامة إلي مستوي الخاصة .. واطمأن كل مسلم علي دينه وإيمانه .. إن طالب العلم أو طالب البَرَكة إنما هو يسعي للحصول علي ما أودعه الله من علمه وخيره وبركته فِيمن أودع . ولا يمكن أن يكون هناك عالم ويعتقد أنه عالم .. فمثل هذا الاعتقاد يحرمه من المزيد من العلم .. ولا يمكن أن نقبل بهجوم العلماء علي العامة .. فعلي العلماء تبصير العامة لا مهاجمتهم .. ولا رميهم .. ولا تجريحهم .. ولا الاستهزاء بعقولهم .. خاصة وأن لا يوجد عالم مطلق العلم .. فالعالم في فرع من فروع المعرفة هو جاهل بباقي فروعها .. وفي الحقيقة فإن جهلنا أكثر من علمنا .. نسبة الجهل فينا أكثر من نسبة العلم .. واعلم إذا خلا من الأغراض يخرج من العالم سليماً كالعسل المصفي .. أو اللبن الخالص .. أما شوائب العلم فهي الأغراض الخاصة .. فإذا ما أقحم العالم أغراضه أياً ما كانت فقد دس السم في العسل . أيها العلماء ترفقوا بالعامة .. لا ترموهم بالجهل .. فجهلهم دلالة علي تقصيركم .. لا تحافظوا علي الدين منهم .. فالله خيرى حافظاً للناس وللإيمان .. ارحموهم .. لا تحاصروهم بفتاوي تسد أبواب الرحمة في وجوههم .. لا تتصوروا أنكم فقط العلماء .. تذكروا أن ما فينا من علم أقل مما فينا من جهل .. ولا حول ولا قوة إلا بالله .