لاشك أن مجتمعنا يعاني حالة من التخبط الاجتماعي تتجلي مظاهرها في الارتفاع المبالغ فيه في حالات الطلاق المبكر فلا يكاد يمر يوم أو يومان حتي نصطدم بزيادة في تلك النسب ولكن الكارثة أن ترتفع نسب طلاق مابعد الخمسين والستين فبحسب آخر إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء الذي أكد علي ارتفاع نسب الطلاق بين المسنين فقد بلغت عقود الزواج 1.5 في المائة من إجمالي العقود عام 2102 بينما بلغت نسبة حالات الطلاق 7.6 في المائة من إجمالي الحالات التي قضي معظمها أكثر من ثلاثين عاما من العشرة الزوجية . لتفاجأ الزوجة برفيق العمر يكافئها علي مشوار حياتهما الصعب معا بتطليقها ونسيان كل تضحياتها وتجرعها كأس العذاب لأجل عيون شابة سيطرت علي مشاعره وخلبت لبه منتهيا بمراهقة أخري وحياة وردية متجاهلا شعره الأشيب وفارق السن بينهما الذي قد يصل إلي العشرين ربيعا أو ينيف. وقد تطلب الزوجة الخلع لأسباب كثيرة قد تحاول اختلاقها وتبريرها كرغبة في اغتنام فرص الراحة النفسية والتخلص من سيطرة مر عليها أكثر من ربع قرن وتحملتها لأجل تربية الأبناء والوصول بهم لبر الأمان .. وتكون النتيجة الواحدة هي الانفصال علي الرغم من وجود ثمرة يانعة وناضجة لهذا الزواج وليقضي الطرفان خريف عمريهما كل واحد بعيد عن الآخر. "آخرساعة" حاولت رصد تلك الظاهرة الغريبة والتوصل إلي أسبابها واستعراض بعض قصص أبطالها الذين استغني عنهم رفيق الكفاح لتصبح بيوت الأبناء والأقارب مأوي لهم. تحكي "أم إيهاب"تجربتها الحياتية القاسية وخيانة رفيق العمر لها الذي قضت معه أكثر من ثلاثين عاما بحلوها ومرها وأنجبت منه البنين والبنات أملا في توطيد أواصر الصلة والثقة بينهما ولكنه بعد تلك الرحلة الطويلة قرر الاستغناء عن خدماتها والبحث عن عروس شابة يتذكر معها أيام الشقاوة وتعيد إليه شبابه الراحل متناسيا حقوق زوجته وأبنائه. تقول الزوجة التعيسة ودموعها لاتفارق مقلتيها: تزوجت رجلا يكبرني في العمر بأكثر من عشرة أعوام وانتقلت إلي العيش مع أسرته في منزلهم وسرعان ما رزقنا الله ببنتين وولد فعاهدت الله أن أربيهم تربية صالحة ليكونوا قرة أعيننا أما زوجي فكان منهمكا في عمله كمحاسب بإحدي الشركات التجارية الكبري ومرت السنون ولكن دبت المشكلات بيننا في السنوات الأخيرة فقد لاحظت تغيرا جذريا علي سلوكه فلم يعد هو الزوج الذي عرفته وعاشرته بدأ يتذمر من كل شيء مني ومن الأولاد ويتحجج بأمور تافهة. فالمدير الوقور قد وقع في غرام سكرتيرته التي تصغره بأكثر من عشرين عاما وقرر الزواج منها والكارثة أنه اتخذ قرار الطلاق القاتل لينهي به عشرة الثلاثين ربيعا بكل ماحملت من مرارة وحلاوة. عبد الحميد هذا الزوج الذي بلغ من العمر أكثر من ستين عاما اضطر إلي تطليق زوجته وأم أبنائه بعد حياة استمرت أكثر من ثلاثين عاما بينهما والسبب هو عدم مبالاة الزوجة واستهتارها الدائم برغبات زوجها وطموحها الزائد الذي قضي علي استقرارهما النفسي. ويستكمل عبد الحميد: وانخرطت زوجتي في سلك التدريس الجامعي وانهمكت في إعداد رسالتي الماجستير والدكتوراة وهي غير مهتمة بأعباء حياتها الزوجية أو احتياجات زوجها وولديها اللذين سقطا عمدا من حساباتها ومرت السنون تلو السنون علي ذلك الحال حتي وصلت الزوجة لاعلي المراتب وأصبحت اسما ذائع الصيت وسرعان ماتسرب الفتور والملل إلي حياتنا خاصة أن الزوجة دأبت علي مسح هويتي الشخصية والتعالي علي أمام الابنين اللذين تعدي عمراهما العشرين وانقلبت حياتنا رأسا علي عقب بعد أن أصبحت مرشحة بقوة لتولي منصب عميد الكلية لأفاجأ بطلبها الطلاق نظرا للفارق في المستوي التعليمي والثقافي بيننا وعدم تحملها لذلك الوضع وقد وافقت علي رغبتها تلك تفاديا للمشكلات وحماية لمستقبل أبنائي. وبالطبع تعتبر ظاهرة الطلاق المتأخر ظاهرة غريبة علينا ولكن لها أسبابها النفسية والاجتماعية المختلفة وقد رصدت "آخرساعة"تلك الأسباب وحاولت التعرف عليها عن قرب. يقول الدكتور لطفي الشربيني أستاذ الطب النفسي: مما لاشك فيه أن الطلاق المتأخر ظاهرة لم تصل نسبها أو ضحاياها مثل ضحايا الطلاق المبكر ولكن تختلف أسبابها التي عادة ماتكمن في مراهقة الزوج المتأخرة وتصابيه خاصة أن الرجل بسن اليأس يحتاج إلي معاملة خاصة تعتمد علي الدعم النفسي والمعنوي ولكن علي العكس فإن الزوجة تشعربحالة من الاستقرار النفسي وعدم الميل إلي ممارسة العلاقة الحميمية بل وتبتعد عن الزوج أحيانا ليعيش كل منهما في عالمه الخاص فيضطر الزوج إلي البحث عن زوجة شابة تعوضه مايفتقده. أما الدكتورة سامية خضر أستاذ علم الاجتماع فقالت: في تلك الفترة يحتاج الآباء والأمهات إلي اهتمام الأبناء وعدم الانشغال عنهم فالازواج في تلك الفترة يعانون من الملل والفتور النفسي كذلك الأحفاد يلعبون نفس الدور خاصة أن الجميع أصبح يفتقد لغة الحوار بين أعضاء الأسرة الواحدة وهذا يحدث بعد زواج الأبناء وتنصرف الزوجة في بعض الأحيان عن رعايتها لزوجها وبيتها إلي الاهتمام المبالغ فيه برعاية الأبناء والوالدين وبالطبع فإن ارتفاع نسب الطلاق المتأخر تنذر بكارثة تهدد المجتمع في ظل ارتفاع نسب العنوسة والطلاق المبكر فهل يعقل بعد كل تلك الفترة الحياتية تنتهي بالطلاق وتكون مكافأة للطرفين. وتعلق علي تلك الظاهرة من الناحية الدينية الدكتورة آمنة نصير أستاذ العقيدة والفلسفة فتري:تكمن أسباب ظاهرتي الطلاق المبكر والمتأخر إلي عدم الصبر بين الطرفين والالتزام بنصوص القرآن فالطلاق هو أبغض الحلال عند الله والتسرع في اختيار شريك العمر وسوء الاختيار بعيدا عن تعاليم ديننا الحنيف كذلك عدم معالجة المشكلات والخلافات أولا بأول مما يؤدي إلي تراكمها لسنوات طويلة قد تؤدي إلي الطلاق ولوبعد سنوات طويلة ناهيك عن قلة الحوار والتفاعل بين الطرفين فيشعر كل منهما بأنه يعيش بجزيرة منعزلة عن الآخر. أما عن حق الزوجة في المطالبة بالخلع بعد العشرة الكبيرة مع زوجها فقالت:حلل الشرع قيام الزوجة بذلك إذا كان لها مبررات قوية في ذلك كاستحالة العشرة بينهما أو تصابي الزوج ومراهقته المتأخرة والتي تدفعه إلي القيام ببعض الأفعال غير المقبولة اجتماعيا ولا دينيا ولكن لابد من الابقاء علي آخر شعرة بينهما من الحب والتفاهم واحترام سنوات عمرهما معا.