»المترو« وسيلة المواصلات الوحيدة التي تعمل بكفاءة وانتظام في مدينة حائرة بين الفوضي والمأساة، فهو أسرع وسائل التنقل في مصر والأرخص ثمنًا والأكثر توفيرًا للوقت مقارنة بالوسائل الأخري، (من المفترض أن يكون هكذا) لكن الواقع يقول إن مترو الأنفاق بحالة من السوء تجعله أقرب إلي مرتع للفوضي والعشوائية. بات المترو ملاذًا لمن ضل طريقه وفقد لقمة عيشه، فأبوابه مفتوحة دائمًا للمتسولين واللصوص والباعة الجائلين فلا رقيب ولا حسيب يحكم هؤلاء، فكانت عربات القطار هي منزلهم وأرصفته راحة لهم، وزملاؤهم في المهنة أسرتهم، هذه هي الصورة التي باتت متصدرة للمشهد أمام الجميع ولايمكن لأحد إنكارها. تجولت "آخر ساعة " داخل العربات لنكتشف ما تحمله علي مدار ساعتين منذ أن تستقل المترو من محطة المرج وصولاً لنهاية الخط الأول في حلوان، بداية وجدنا سيدة منتقبة تصعد من محطة »حلمية الزيتون« وتحمل طفلاً مصابا بحادث في رأسه والدماء كادت تغطي وجهه ، وإذا بالركاب ينهالون عليها بالنقود والمساعدات متأثرين بمنظر الطفل ، وكانت السيدة ترد (ارحموا ابني مش معاية فلوس أعالجه) . المثير في الأمر أنني حينما تتبعت تلك السيدة فور نزولها محطة حمامات القبة التي تمتاز بخلوها دائمًا من الركاب، فوجئت بها تسلم طفلها لسيدة أخري كاشفة لوجهها وقاموا بتغطية الطفل وتغيير ملابسه وصعدت السيدة الثانية بالطفل مجددًا لتسيطر علي عواطف ووجدان الركاب وتسلب منهم أموالهم استعانة بطفل لا أحد يعلم إن كان ولدها فعلا أم لقيطا، وعندما واجهتها بما رأيته بعيني أنكرت ورفعت صوتها مهللة لأجد نفسي وسط 3 من النساء من أعوانها فتركتهن خشية حدوث أي شيء. وفي محطة الدمرداش وجدنا " إسماعيل ش. (22 عاما ) مصابا بقدمه ويبيع منتجات الحلوي والنعناع ومناديل ورقية" أكد حصوله علي أكثر من 052 جنيها يوميًا من تلك المهنة مشيرا إلي أنه بدأ نشاطه هذا منذ 6 أشهر بعد أن كان يعمل حارس عقار وتركه إثر ترك السكان له، وأضاف: لم أحصل علي هذا المبلغ من مهنتي الأصلية لذلك قررت ألا أترك هذه المهنة. واشتكي مما وصفه بالمضايقات التي تحدث عن طريق أمناء الشرطة المتواجدين في المحطات وواصل: بعض الزملاء دلوني علي الوسيلة المثلي حيث ذهبت الي (المعلم) ودفعت له المعلوم وانتهت المشكلة ولم يعترضني أي شرطي منذ ذلك الوقت موضحا أن المعلم هو شخص معروف لكل المتسولين فهو يأخذ نسبة من الإيراد يوميا مقابل الحماية بحيث يكون هناك أحد رجاله في المترو لكي يحمونا إذا حدث أي معوق يمنعنا فلا يدخل أي منا إلي العربات بمفرده بل يتبعنا رجاله.!! سماح هي الأخري سيدة احترفت العمل كبائعة متجولة في عربات المترو كانت منتظرة في المحطة ذاتها حين يذهب رجل الأمن حيث إنهم متركزون في تلك المحطة (حسب قولها) وروت ما جعلها تلجأ لتلك المهنة فقالت: لم يكن أمامي سوي هذه المهنة فأنا لا أملك مصدر رزق آخر وزوجي متوفي منذ عامين وترك لي ولدين ورفضت أن يعملا لأنهما في مرحلة الدراسة. وأضافت أنها لا تخجل مما تمتهنه مشيرةً إلي أنها لا تغصب أحدًا علي الشراء منها (مستحضرات التجميل) وأكدت أن الرئيس الجديد الدكتور محمد مرسي علي عاتقه حمل كبير فعليه أن يجمعها وزملاءها ويوفر لهم فرص عمل مناسبة وبعدها يمنعون أي بائع من دخول المترو قائلة وهي تبكي (معندناش بديل ربنا يعيننا وسيبونا في حالنا لو عندك مساعدة قدميها معندكيش بطلوا تتكلموا عننا كأننا ناس غيركوا إحنا كلنا ولاد تسعة وكلنا بني آدمين). أمن المترو غائب حاولنا التعرف من الأمن المتواجد داخل المحطات أمام ماكينات الدخول عن كيفية دخول المتسولين والباعة من بوابات الدخول، فأكدت سميرة حصولها علي دبلوم تجاري وتعمل في المحطة منذ 7 أشهر وقالت "حصلت علي الوظيفة بعد تقدمي لإحدي شركات الأمن الخاصة المتعاقدة مع هيئة مترو الأنفاق وأعمل منذ 6 صباحا إلي 3 ظهرا وأحصل علي راتب 027 جنيها ولدينا تعليمات بمراقبة حركة دخول وخروج المواطنين من الماكينات ومراقبة الاشتراكات وفي حالة مخالفة أي من المواطنين تطبق الغرامة التي تصل إلي 01 جنيهات أو تحرير محضر وغالبا ما يدخل المتسولون والباعة بشكل طبيعي كأي راكب ولا يبدو من مظهرهم أنهم متسولون أو باعة لذلك يصعب ضبطهم قبل الدخول. اما محمد منصور ويعمل بالأمن منذ عام ونصف بالفترة الثانية من 3 ظهرا إلي 21 مساء فيقول "عملت بوظيفة الأمن بأكثر من شركة خاصة ثم تم تعييني بالمترو ولاحظت أثناء فترة العمل محاولة الكثيرين التهرب من شراء التذكرة والمرور وراء آخرين، أو المرور من باب الخروج لأن ماكيناته غالبًا معطلة. وأضاف: أغلب هؤلاء يرفضون دفع الغرامة فتنشب المشاجرات وتنتهي بتحرير محضر ويصعب ضبط الباعة أو المتسولين لما يملكونه من مهارة في التنكر مشيرا إلي أن السيدات تتخفي وراء النقاب ومن يتم ضبطه يسلم للأمن فورًا وتتطبق عليه غرامة أكثر من 05 جنيها. المواطن يصرخ ظاهرة التسول أصبحت مخيفة في المترو هذا ما قالته (نورهان محمد) تعمل (مندوبة مبيعات)، مشيرةً إلي أن الأمن لا يهتم بمساعدة المواطنين في تجنب المتسولين بالمترو، فمرة لفت نظري متسولا في عربة السيدات وحين أعطته راكبة مبلغ 52 قرشًا صرخ وقال: (إيه ده.. هي دي فلوس) ؟!. وأكد رمضان قائلا: "ظاهرة التسول غريبة في المترو، ومفتعلة وأصبح معروفا لمستقلي المترو يوميًا التفرقة جيدًا بين المحتاج والمدعي، وقال: لاحظت سيدة تشير وكأنها خرساء إلي أنها قدمت لتبيع.. فوقفت ممسكة بيد الشنطة والأخري بالرضيع، ولأن الجلسة في المترو مملة جرت العادة أن نسلي بعضنا بالفرجة علي بعض، بعد ذلك قامت السيدة بوضع آيات قرآنية تتخذها وسيلة لجلب الأموال". ويري مصطفي أحمد (موظف) أن أخطر مشاكل المترو هي التسوُّل؛ حيث يمارس المتسولون داخل القطار طريقة الاستعطاف بإلحاح ممل يزيد من الضغط العصبي علي الراكبين، وأكد أن خط حلوان تحوَّل إلي "أتوبيس نقل عام" أو رصيف في العتبة، وتساءل: كيف يمر هؤلاء علي مرأي ومسمع من مشرفي الغرامات الذين أرهقوا الناس ليل نهار علي أرصفة المحطات. وأضاف محمد أنور أن حالة الانفلات الأمني التي سادت المجتمع خاصة بعد الثورة انعكست علي حالة مترو الأنفاق بشكل كبير وخلقت جوًا مناسبًا لتواجد الباعة الجائلين والبلطجية واللصوص. وروي أنور أن هناك عددًا من اللصوص يتواجدون بمحطات (عين شمس والملك الصالح والشهداء) ممن يقومون بسرقة الهواتف المحمولة من الركاب بعد لحظات من تحرك المترو دون وجود لأي من أفراد الأمن المنوط بهم مواجهة هؤلاء. والتسول لم يكن المشكلة الوحيدة التي تواجه الركاب فقد روي لنا محمد الشاعر طبيب أن أكثر ما يثير تعجبه في المترو عدم وجود أطباء في المحطات. وقال إنه تعرض أكثر من مرة لهذا حينما يسمع نداءات عبر ميكروفونات المترو تطلب من أي طبيب أو طبيبة بين الركاب التوجُّه فورًا لمكتب معاون المحطة، وإنه يقوم في كل مرة بتلبية النداء ليكتشف أن كل محطات المترو لا يوجد بها حجرة إسعاف إلا أربع محطات هي: شبرا الخيمة، الدقي، رمسيس، عزبة النخل.. وهذه الوحدات الإسعافية الأربع لا يوجد بها طبيب واحد، والقائم بالرعاية الطبية فيها هو مسعف وليس طبيبًا، وكل إمكانياته هو تقديم القليل من الإسعافات الأولية. من ناحية أخري تقول شيماء حسن (طالبة) إنها تخرج كل يوم للجامعة وأكثر ما تحمله من هم هي تلك الفترة التي يستغرقها المترو من محطة عين شمس لمحطة الجامعة، حيث إنها تصاب باختناقات منتظرة لحظة الخروج من (العلبة الصفيح) حسب وصفها. وأكدت شيماء أنه منذ فترة أجري المسئولون في المترو استطلاعًا للرأي حول مشاكل المترو وإمكانية رفع سعر تذكرة بعض العربات في مقابل أن تزوَّد بخدمة مكيَّفة، ولكن الأغلبية رفضوا لأنهم رأوا أن هذا جزء من مقدمات لرفع أسعار تذاكر المترو بشكل عام. شركة المترو بريئة أكد المهندس علي حسين رئيس الشركة المصرية لإدارة وتشغيل مترو الأنفاق أنه يقوم يوميا بجولات ميدانية للمحطات والورش للوقوف علي حقيقة الوضع والمشكلات علي الطبيعة مع الاهتمام في الوقت نفسه بالحفاظ علي المظهر الحضاري لهذا المرفق الحيوي. وأضاف ، أن هناك عمليات تطوير وتحديث بالخط الأول للمترو تأتي لمواكبة الزيادة المطردة والسريعة في أعداد الركاب والتي تضاعفت أكثر من 01 مرات منذ إنشاء المترو وافتتاحه عام 7891 وحتي الآن، حيث بدأت ب 052 ألف راكب يوميا إلي أن وصل إلي ما يقرب من 3 ملايين راكب يوميا. في سياق متصل أكد أحمد عبدالهادي نائب رئيس الشركة المصرية لإدارة وتشغيل مترو الأنفاق أن تواجد الباعة الجائلين والمتسولين داخل القطارات ليس من اختصاص الشركة وإنما يقع علي عاتق شرطة النقل والمواصلات المتمثلة في شرطة مترو الأنفاق . وأضاف عبدالهادي أن هناك حملات يومية تدشنها الشرطة داخل القطارات للعمل علي حفظ الأمن للركاب والقبض علي المتسولين والشحاذين المتواجدين داخل المحطات. وأكد عبدالهادي أن الشركة دشنت حملة تحت شعار " لا تشتري من متجول ولا تعطي متسول" للحد من تواجد هؤلاء، مشيرًا إلي أن الركاب هم من يخلقون جوًا ملائمًا للباعة ليكون المترو هو مصدر رزقهم. وذكر عبدالهادي موقفًا تعرض له أثناء تواجده ذات مرة في المترو عندما وجد سيدة منتقبة وتبيع منتجات معينة فقام بالاتصال بغرفة التحكم المركزي (سي سي بي) وتم تسليمها للشرطة مما أثار غضب الركاب وأخذوا يقولون: (حرام عليك سيبها تسترزق مش أحسن ما تسرق). وأكد عبدالهادي أنه عند الإمساك بأي من هؤلاء يتم تطبيق غرامة مالية عليه قدرها 001 جنيه ويتم تحرير محضر ضدهم ولكنهم يأتون مجددًا دون أن يكترث أحدهم للعقوبة. أما عن الصيانة فأكد أن الشركة تقوم بصيانة يومية لكافة عربات المترو خاصة عربات الخط الأول مشيرا إلي أنها تعمل منذ أكثر من 52 عامًا إلي الآن. وأكد أن الزيادة المطردة في عدد السكان هي من خلقت زحامًا شديدًا ففي محطة منشية الصدر – علي سبيل المثال - كانت تقل منذ افتتاحها 01 آلاف راكب وأصبحت الآن تقل أكثر من 73 ألف راكب يوميًا . وأضافً: المترو يحمل 0061 رحلة يومية علي الثلاثة خطوط ويقل نحو 7.2 مليون مواطن يوميًا مشيرًا إلي أن الشركة قامت بوضع سلالم كهربائية في كافة المحطات العلوية مثل الدمرداش وغمرة وحدائق المعادي ودار السلام.