تتجه القضية الفلسطينية خلال الشهور القادمة نحو فصول حاسمة وفاصلة في تاريخها في ظل انقسام فلسطيني لاسابق له وهشاشة الوضع العربي وانحياز صارخ من وسطاء السلام وفي مقدمتهم أمريكا التي تراجع رئيسها أوباما عن وعوده للعرب والمسلمين نتيجة ضغوط المنظمات اليهودية المتحالفة مع اليمين المتطرف، وجاهر نائبه بايدن بانحيازه للصهيونية عندما أعلن أنه كان يتمني أن يكون يهوديا ليصبح صهيونيا، إسرائيل تواصل تحت سمع وبصر الجميع ابتلاع المزيد من الأرض الفلسطينية وفي مقدمتها القدس العربية أما العرب فلايزالون يأملون في السلام ومد أيديهم لطرف لم ولن يمد يده بالمقابل إلا ليحصد المزيد من المكاسب علي حساب الفلسطينيين والعرب، وأحدث مايقدمه العرب القبول بمباحثات غير مباشرة برعاية أمريكية تقود إلي أخري مباشرة لتحصل إسرائيل علي المزيد من الوقت لإكمال مخططها وفرضها للحل النهائي علي طريقتها علي أرض الواقع وليجد الفلسطينيون أنه لاشيء تبقي ليفاوضوا عليه سوي الفراغ والهواء الذي تقلصت نسبته لضيق مساحة الأرض التي يقفون عليها وعلي طريقة الهنود الحمر, والسؤال الذي يجب طرحه : إلي متي سيظل العرب يدقون أبواب السلام ولا أحد يجيب عليهم أو حتي يسمعهم، ولماذا لايجربون طرق أبواب أخري؟ لم تجد إسرائيل توقيتا مثاليا لإعلان تحديها للعالم ولأمريكا والعرب سوي زيارة جو بايدن نائب الرئيس الأمريكي لكي تعلن عن إطلاق مشروع لبناء 1600 وحدة استيطانية جديدة في القدسالشرقية مما أغضب بايدن ودفع نتنياهو للاعتذار له عن توقيت الإعلان وليس عن الفعل نفسه بالتراجع عنه ولذر الرماد في العيون أظهر بايدن امتعاضا وغضبا وندد -علي الطريقة العربية - بالمسلك الإسرائيلي ولكنه لم يمض لأبعد من ذلك وبعد مغادرة بايدن أعلنت إسرائيل عن مشروع ضخم لإنشاء 50 ألف وحدة جديدة في القدس ومحيطها وكأنها تعلن أنها ماضية في مخططها لابتلاع الأرض الفلسطينية ولتذهب كل صيحات الاستنكار والتنديد والغضب إلي الجحيم، ولكن من غرائب وطرائف هذا العصر أن ذلك يحدث والعرب مازالوا يحرصون علي السلام كخيار استراتيجي ويوافقون علي طلب أمريكي لإجراء مباحثات غير مباشرة تحت رعاية ووساطة واشنطن بعد أن أعلن محمود عباس منذ عدة شهور أن 17 عاما من المفاوضات لم تنتج إلا المزيد من الاستيطان والتهويد وتدمير مكونات بناء الدولة، فريق أوسلو كفر بالتفاوض وما جره من نتائج كارثية علي الشعب الفلسطيني والعرب متمسكون بمبادرة السلام التي أطلقت منذ ثماني سنوات ولم تحقق شيئا سوي ضياع الحقوق العربية بفعل الرفض الإسرائيلي لكل كلمة وحرف بها ومنذ اليوم الأول لإطلاقها في قمة بيروت قامت باجتياح الأراضي الفلسطينية وحاصرت عرفات حتي موته وأقامت الجدار العنصري العازل ومئات من الحواجز وشنت حربا علي لبنان وأخري علي قطاع غزة المحاصر ومع ذلك يظل العرب علي تمسكهم بالسلام كخيار وحيد لايتخلون عنه رغم كل هذه الانتهاكات الصارخة ومواصلة إسرائيل سياستها التوسعية والتهام الأرض الفلسطينية برعاية ومباركة أمريكا وأوروبا والرباعية الدولية مفاوضات بلاحدود بعد أربعة عشر شهرا علي تولي أوباما الحكم لم تتحرك قاطرة السلام خطوة واحدة للأمام ورغم وعوده التي رحب بها الكثيرون باعتبارها تغييرا في لغة الخطاب الأمريكي بعد خطاب بوش الجانح للعنف طوال سنوات حكمه ولكن وضح منذ ذلك الوقت أن أوباما لايملك آليات وقدرات تمكنه من الوفاء بتعهداته الخاصة بالقضية الفلسطينية فعملت إسرائيل علي المناورة للالتفاف علي هذه التعهدات بطرح مايسمي بتجميد الاستيطان لمدة عشرة أشهر دون أن يمتد القرار للقدس أو الوحدات التي يجري بناؤها في الضفة الغربية (3 آلاف وحدة) أو المباني العامة وبدت تل أبيب وكأنها قدمت تنازلا يقتضي مايماثله من الجانب العربي وأتاح استثناء القدس من التجميد أن تمضي بكل قوة لتهويد المدينة المقدسة وإزالة الأحياء العربية وحفر المزيد من الأنفاق لهدم المسجد الأقصي لإقامة الهيكل الثالث (المزعوم) وعلي مدي أكثر من 15 جولة قام بها المبعوث الأمريكي جورج ميتشيل للمنطقة طوال العام لم تتحرك الأمور وظلت المفاوضات متوقفة وسط إلحاح إسرائيلي بضرورة تقديم العرب المزيد من التنازلات كتطبيع العلاقات ومطالبة من الجانب الفلسطيني بوقف الاستيطان كشرط لانطلاق المفاوضات من جديد ووجدت إسرائيل في الانقسام الفلسطيني فرصة سانحة للإفلات من أي التزام بحجة عدم وجود شريك للسلام وأن هناك تهديدا في استمرار وجود المقاومة في غزة بعد نجاح التنسيق الأمني في وقف أي نشاط مسلح في الضفة الغربية طبقا للالتزامات الواردة في اتفاقية أوسلو كما انتهزت تراجع شعبية محمود عباس خاصة بعد موقفه من تقرير جولدستون والغضب في الداخل الفلسطيني تجاهه ومع فشل كل من هيلاري كلينتون وميتشيل في تحقيق أي اختراق في عملية السلام يسمح بانطلاقها من جديد تفتق ذهن البيت الأبيض عن طرح فكرة إطلاق مباحثات غير مباشرة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي بوساطة أمريكية وكالعادة طرحت الفكرة علي وزراء الخارجية العرب الذين سارعوا بعقد اجتماع للجنة متابعة المبادرة العربية للسلام بحضور 13 وزيرا ووافقوا علي المسألة، والغريب أن الطلب الأمريكي قدم للجامعة العربية رغم أن لجنة متابعة مبادرة السلام العربية ليس من مهامها إعطاء تفويض للسلطة الفلسطينية لإجراء مفاوضات غير مباشرة وإنما ينحصر دورها في الترويج للمبادرة، أما فريق رام الله فقد وجد في الطرح الأمريكي طوق نجاة بمظلة عربية للخروج من مأزقه الحالي بعد فشل نهجه السلمي في تحقيق شيء للشعب الفلسطيني علي مدي قرابة عقدين من الزمن وخضوعه للإملاءات الأمريكية والإسرائيلية من خلال التنسيق الأمني الذي يشرف عليه جنرال أمريكي (كيث دايتون) كما أن عباس يدرك جيدا أنه يمكن إزاحته من السلطة وانهيارها إذا ماتوقف الدعم المالي لها إضافة للفضائح التي تورط فيها بعض أطراف في السلطة (اغتيال المبحوح في دبي والشريط الفاضح لرئيس ديوان عباس) وعدم قدرة السلطة علي التصدي للممارسات الإسرائيلية الأخيرة مثل ضم الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال بن رباح لقائمة التراث اليهودي والاقتحامات المتواصلة للمسجد الأقصي من المتطرفين اليهود بحماية الشرطة الإسرائيلية، ولم تعد سلطة رام الله تملك من أمرها شيئا، من هنا سعت للإمساك بفرصتها الأخيرة للبقاء من خلال المفاوضات التي اقترحها الجانب الأمريكي وتكون لأربعة أشهر والذي يلعب دور الوسيط ويستمع لكل طرف علي حدة وكأن المسألة تبحث لأول مرة وهذه هي حقيقة الأمر لأن ميتشيل أبلغ كلا من نتنياهو وعباس أن تفاهمات مابعد مؤتمر أنابوليس عام 2007 لاتلزمهما في هذه المفاوضات أي أن المفاوضات ستعود إلي المربع الأول من جديد وهذا ماتريده إسرائيل وهوأن يتاح لها المزيد من الوقت لوضع يدها علي ماتبقي من الأرض الفلسطينية وهذا يفسر ترحيب نتنياهو بالقرار العربي ولكنه زاد عليه مطالبا بضرورة الاعتراف بيهودية الدولة العبرية وعمل السلطة الفلسطينية علي تفكيك قواعد المقاومة قبل الشروع في المفاوضات ويذكر أن نتنياهو قدم مؤخرا لميتشيل خريطة نهائية تحتفظ فيها إسرائيل بكل الكتل الاستيطانية في الضفة والقدس وكل المناطق علي أطراف الخط الأخضر وأعلن أن حكومته علي استعداد للانسحاب من 56٪ من أراضي الضفة، ولكن القرارات التي صدرت من عدة وزارات إسرائيلية مؤخرا بالإعلان عن إنشاء عدة آلاف من الوحدات الاستيطانية الجديدة وتسريع خطوات تهويد القدس ومصادرة المزيد من المنازل في القدس وخاصة في محيط المسجد الأقصي أدي إلي إعلان بعض البلدان العربية التي وافقت علي المفاوضات غير المباشرة عن سحب تأييدها للقرار. الأزمة في القمة لاشك أن القمة العربية القادمة نهاية الشهر الحالي في ليبيا ستواجه الكثير من المشكلات في مقدمتها مستوي الحضور فيها بسبب الكثير من الخلافات العربية – العربية من المشرق إلي المغرب وجدول أعمالها وإذا قدر لهذه القمة اكتمال عقدها فإن القضية الفلسطينية ستكون حاضرة بقوة علي جدول الأعمال ولابد لهذه القمة أن تحسم أمر مبادرة السلام العربية التي ظلت طويلا علي المائدة دون أن تتجاوب معها إسرائيل أو الرباعية الدولية أو أيا من الأطراف ذات الصلة بالقضية ولابد من حسم وجود المبادرة أو سحبها وأن العرب سيدعمون حق الشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه المشروعة بكل الوسائل التي يتفقون عليها سياسيا واقتصاديا وإنسانيا وبدون اتخاذ قرار بهذا الحسم والوضوح فستظل إسرائيل تمارس نهجها التوسعي الاستيطاني وممارساتها الوحشية ضد الفلسطينيين دون أن تجد أي رد فعل من الجانب العربي الذي يفترض ألا يلعب دور الوسيط وإنما دور الجدار الذي يستند إليه المشروع الوطني الفلسطيني لتحرير الأرض وإقامة الدولة المستقلة، وقد يبدو ذلك من الأماني ولكن العرب يملكون أوراق ضغط مؤثرة وفاعلة لو أحسنوا استخدامها، الفلسطينيون لايحتاجون لمن يحارب نيابة عنهم ولكنهم يحتاجون للدعم السياسي والقانوني والاقتصادي كي يواجهوا المشروع التوسعي الإسرائيلي، كما سيكون علي القمة أن تخرج من طوق الإملاءات الأمريكية ومطالبة واشنطن بأن تتوقف عن التدخل في الشأن العربي لما سببه هذا التدخل من كوارث وأن تدعو القمة لعلاقات مفتوحة ومتنوعة مع كافة القوي الدولية فأمريكا ليست قضاء وقدرا لامناص من الخضوع له وقد لاتبدو الصورة الآن مبشرة بتحقيق مثل هذا الأمر ولكن لابد من الاستماع لصوت الشعوب والامتثال لإرادتها وهناك العديد من النماذج من حولنا لها علاقاتها الوثيقة بالغرب ولكنها تملك هامشا واسعا للحركة مما يجعل علاقاتها متوازنة مثل النموذج التركي والجنوب إفريقي والإيراني وغيرها، والقضية الفلسطينية هي قضية كل العرب والمسلمين وبدون حلها وإعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني فسوف تظل المنطقة علي حافة حروب وصراعات متواصلة تهدد استقرار شعوبها والعالم بأسره إلي مالانهاية، فلابد أن يتحرك العرب قبل أن تضيع القدس ويهدم الأقصي ويغلق ملف فلسطين وهذا لن يحدث طالما أن هذه الأمة صامدة وقد يعتريها بعض الضعف أحيانا ولكنها لن تموت إذا تمسكت بإيمانها بعروبتها وإسلامها.