من حق المحامي أن يدافع عن موكله كما يشاء، وأن يحوله من لص إلي شريف، ومن زنديق إلي وَرِع، وأن يخلع عليه صفات الأنبياء والقديسين والبررة، وأن يجعله مظلوما ومقهورا ومفتري عليه. وكم من محامين أنقذوا موكليهم من حبل المشنقة، أو المؤبد، ليس لأنهم أبرياء، ولكن لوجود ثغرة في القانون، أو لبطلان الإجراءات. ومن ومن حق المتهم أن يوكل محاميا واثنين وعشرة حتي يبرئ نفسه ولو كان مذنبا، فهذا هو القانون. حقنا كشعب ثار علي نظامين، وقام بثورتين مرتبطتين في الأسباب والأهداف وتكملان بعضهما البعض خلال 3 سنوات، أن نرفض ما قاله فريد الديب محامي مبارك في قضية قتل المتظاهرين الشهيرة بمحاكمة القرن، بأن «25 يناير» ليست ثورة.. وطبعا هو يقول هذا الكلام ولا يهمه تشويه تاريخ مصر وإهدار دماء شهداء الثورة، فكل ما يهمه هو تبرئة «مبارك» بأي وسيلة ولو علي حساب دستورنا الذي وافقنا عليه مطلع هذا العام والذي ينص في ديباجته علي: «انتصر جيشنا الوطني للإرادة الشعبية الجارفة في ثورة «25 يناير - 30 يونيو» التي دعت إلي العيش بحرية وكرامة إنسانية تحت ظلال العدالة الاجتماعية والتي أعادت للوطن إرادته المستقلة». وفي فقرة أخري بالديباجة يقول الدستور.. «إن ثورة (25 يناير - 30 يونيو) فريدة بين الثورات الكبري في تاريخ الإنسانية». فقد اعتبر دستور مصر أن 25 يناير و30 يونيو ثورة واحدة، لاتتجزأ وبالتالي فإن من ينكر نصفها فهو ينكرها كلها. وأذن وليس بمستغرب علي محامي الجاسوس الإسرائيلي، أن ينكر الدستور - أبو القوانين التي من المفروض أنه يدافع بموجبها - لكي يبرئ موكله الذي ثار عليه شعب! بصراحة لا لوم علي الدفاع، ولا علي «الفلول» الذين تصوروا أنه مع انتهاء الاحتلال الإخواني لمصر سيعودون مرة أخري للحكم والسلطة والسيطرة. ولكن نلوم أنفسنا لأننا رفضنا من البداية أن تشكل محاكم ثورة لمحاكمة نظام مبارك الذي قضي علي 3 أجيال كاملة، منهم من مات، أو يئس، أو هاجر تاركا البلد.
واذا كان «الإخوان المحتلين» قد ركبوا موجة الثورة، ودعمتهم الولاياتالمتحدة ومازالت تدعمهم.. وسيطروا علي مفاصل الدولة، وغيروا مسار الثورة لما فيه مصلحتهم، ومصلحة أمريكا ومصلحة الدول الكارهة لمصر، فإن ذلك لا يعني مطلقا أن ماحدث في 25 يناير ليس ثورة، فالإخوان هم نتاج حكم غير ديمقراطي، استغلوا فساد النظام وديكتاتوريته، وتزاوج السلطة بالمال، وهم نتاج تزوير الانتخابات البرلمانية في 2010، وهم نتاج سيطرة صفوت الشريف وأحمد عز وجمال مبارك علي مقاليد الحكم في مصر. وأتذكر ما قاله د. فتحي سرور رئيس مجلس الشعب وقتها لأحمد عز مهندس تزوير انتخابات 2010: «اللي ياكل لوحده يِزْوَر» وفعلا «زِوِر» النظام حتي اختنق ومات. الشعب الذي انتخب 88 عضوا إخوانيا في مجلس الشعب عام 2005 لم يخترهم حبا فيهم، ولا لبرنامجهم، ولكن كرها ورفضا ونفورا من الحزب الوطني ورموزه، وهذا ما استغله «الإخوان المحتلين» في 25 يناير.. ولكن عندما سقط قناعهم، وعباءة القديسين التي كانوا يرتدونها، أسقطهم الشعب كما أسقط مبارك ورجاله. التطابق بدا واضحا بين «الحزب الوطني» و«الحزب الوطني بدقن»، فالأول مرشده مبارك، والثاني مرشده بديع، وعز كالشاطر، والكتاتني كالشريف، كلهم لايختلفون إلا في الدقن فقط.
أعذروني لو قلت إنني أشم رائحة هبوب رياح تنبئ بقدوم الفلول مرة أخري، وهذه المرة ستكون الأمور معكوسة وسيميل إليهم البعض ليس حبا فيهم ولكن كرها، وخوفا، من عودة «الإخوان المحتلين». «وسينتخبهم الناخبون بمنطق «نص العمي ولا العمي كله».. والحكم الأخير الذي صدر بأحقيتهم في خوض الانتخابات البرلمانية ينبئ بذلك. فمازال منهم رجال أعمال يسيطرون علي سوق المال، ويملكون آلات إعلامية وينفقون عليها الملايين، ويستعدون لخوض الانتخابات البرلمانية. أتمني ألا يكون ظني في محله، وأن يكون الشعب المصري العبقري صاحب ثورة (25 يناير - 30 يونيو). أصبح أكثر وعيا من عام 2005، وأكثر حنكة من 2011، وعلي قدر ضخامة مسئولية 30 يونيو. آخر كلمة وأنا أكتب كل سطر من سطور هذا المقال كانت ترن في أذني كلمات الرئيس عبد الفتاح السيسي التي قال فيها: «لن أسمح بخلق قيادة موازية تنازع الدولة هيبتها وصلاحياتها» التي تضمنها خطابه في قصر القبة عقب تنصيبه رئيسا لمصر. وأكتبها لعل الفلول يتذكرونها ويتدبرونها.