نعم سأتوقف قليلاً أمام مرافعة الأستاذ فريد الديب فى آخر جلسة لمحاكمة مبارك بتهمة قتل المتظاهرين وتصدير الغاز إلى إسرائيل، وليس أمام مسلسل «المرافعة» الذى عرض فى رمضان الماضى. مجموعة من النقاط الأساسية أثارت انتباهى فيما قاله «الديب» فى دفاعه عن مبارك، وقبل أن أتطرق إلى أولاها أشدد على احترامى للرجل، فقد كان يؤدى واجبه كمحامٍ يدافع عن متهم بمجموعة من القضايا، والمحامى ملتزم أمام موكله بالتماس كل السبل، واستخدام كل مهاراته فى اكتشاف ثغرات القانون ودحض أدلة النيابة، وتوظيف اللغة القادرة على التأثير، ولو اقتضى منه الأمر أن يمسرح مرافعته بعض الشىء، فهذا لا يخصم من رصيد مهاراته، بل يضيف إليه. كلنا مُيسّر لما خُلق له، «وأكل العيش مر»!. أبدأ بالنقطة الأولى التى أريد مناقشتها، وتتعلق بوصف «فريد الديب» لما حدث فى يناير على أنه مؤامرة، وترخصه فى توجيه الأوصاف والاتهامات إلى الكثير من الأسماء ذات الصلة ب«يناير» بصورة مباشرة أو غير مباشرة. من بين هؤلاء الدكتور مصطفى الفقى والدكتور حسام عيسى والكاتب الصحفى مصطفى بكرى. وكان جوهر اتهاماته لأغلبهم يرتبط باختراع الشائعات الهادفة إلى النيل من «مبارك» وتحريض المصريين على مواصلة الثورة ضده حتى خلعه. وللإنصاف ف«الديب» ليس بدعاً فى ذلك، فقد رددت الكثير من الأقلام هذا الكلام. من حق المحامى ومن يذهب مذهبه بالطبع أن يتبنوا الرؤية التى يرونها، والنظرة التى تروق لهم إلى «يناير» وثوار «يناير»، لكنهم ينسون فى غمرة الكيد والتحقير من شأن الثورة المجيدة أنهم يشككون فى شرعية النظام الحالى!. نعم التشكيك فى يناير ليس له سوى نتيجة واحدة تتمثل فى نزع الشرعية عن النظام الذى يحكم مصر حالياً. فمظاهرات 30 يونيو كانت واحدة من موجات ثورة يناير التى تخلى عنها الإخوان، حين حاولوا أخونة الدولة، وضرب مفهوم الدولة الوطنية لحساب أحلام الخلافة، ناهيك عن فشلهم السريع والمريع فى إدارة الحكم والتعامل مع مشكلات المواطنين. شرعية 30 يونيو مستمدة فى الأساس من شرعية 25 يناير، والتشكيك فى الأولى يعنى ببساطة التشكيك فى الثانية. دعنى أقدم لك دليلاً واضحاً -وليس إنشائياً لأننى لا أستطيع أن أبارى محامى مبارك فى ذلك- على ذلك يتعلق بدستور 2014، الذى ينص فى ديباجته على أنه يرتكز على ثورة «25 يناير - 30 يونيو»، التى دعت إلى العيش بحرية وكرامة إنسانية تحت ظلال العدالة الاجتماعية، واستعادت للوطن إرادته المستقلة. وبالتالى ف«الديب» وهو يدافع عن «مبارك» يحقِّر من الدستور الذى يحكم البلاد وينكره ويهد الأساس الذى ارتكز عليه ويريد أن يهيل عليه التراب.. حسناً!. يفعل الديب ما يريد، لكنه ينسى وهو يفعل ذلك أنه ينسف أيضاً شرعية مؤسسة الرئاسة المنتخبة، والمؤسسة النيابية المزمع انتخابها!. فقد تم انتخاب «السيسى» طبقاً لهذا الدستور، وهو مسئول عن حراسة بنوده والالتزام بها، ومحاسَب فى النهاية على ذلك، والأمر نفسه ينطبق على الانتخابات البرلمانية المقبلة. وليس من اللائق أن يبنى محامٍ دفاعه على هدم الدستور. إنه حر بالطبع فى الاعتراض على الدستور ورفض الرئيس الحالى ومجلس النواب الذى لم يولد بعد، قد يقول «الديب» إنه لم يقصد كل ذلك.. ولا أجد رداً يليق ببلاغة المقال سوى الكلمة التى كان يرددها أراجوز «شكوكو»: يا خرااااشى!.