لم يكن احتفال جمهورية روسيا الاتحادية بالنصر علي ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، لهذا العام مشابهاً للأعوام السابقة.. الرئيس فلاديمير بوتين نفسه بد في ذلك اليوم مختلفاً عن أي يوم مضي..كان الرجل مفعماً بالنشاط والحيوية ويملؤه إحساس بالفخر والنشوة والنصر لدرجة أنه استيقظ في الرابعة فجراً( بدلاً من السادسة صباحا علماً بأنه يذهب لفراشه في الثانية صباحاً)، ومارس الجري لمدة ساعة كاملة أعقبها بساعة أخري في صالة الجيم، كما يفعل يومياً، ثم ذهب ليحتفل مع كبار قادة جيشه في الساحة الحمراء بالعاصمة موسكو في تمام الثامنة، قبل أن يستقل طائرته الرئاسية التي يقودها بنفسه في الثانية عشرة ظهراً، ليواصل الاحتفال في شبه جزيرة القرم، إذ كان في انتظاره حشد من مئات الآلاف، في محيط ميناء سيفاستوبول حيث حضر عرضاً عسكرياً بحرياً وجوياً شاركت فيه أحدث طائرات سلاح الجو الروسي وأكثرها تطوراً. زيارة بوتين للقرم واستعراض عضلاته العسكرية مرتين في يوم واحد، كان باعثاً لغضب واستياء شديدين في واشنطن وكييف، لا سيما تلك الأخيرة التي اعتبرت الأمر انتهاكاً صارخاً للسيادة الأوكرانية ودليلا علي أن روسيا لا تريد حلولاً دبلوماسية فيما قال البيت الأبيض إن زيارة بوتين للقرم لن تؤدي إلا لزيادة التوتر وبينما كان بوتين في سيفاستوبول وقعت اشتباكات في ميناء ماريوبول الأوكراني الواقع علي بحر آزوف(بحر متفرع من البحرالأسود)، بين أوكرانيين موالين لموسكو وآخرين تابعين لكييف، وقضي فيها 20 شخصاً نحبهم. غير أن بوتين لم يعبأ بشيء سوي الاحتفال بالنصر.. احتفال مزدوج بنصر تحقق عام 1945 بدحر القوات النازية ودخول القوات الروسية للجانب الشرقي من ألمانيا، ونصر آخر تحقق بانضمام القرم لروسيا في الثامن عشر من مارس الماضي، علماً بأن القرم في الأصل أرض روسية كان الرئيس الراحل نيكيتا خروتشوف منحها لأوكرانيا كهدية عام 1954 وكان بوتين حريصاً علي أن يوضح: سيبقي 2014 في التاريخ العام الذي شهد علي هذا الشعب وهو يقرر بحزم أن يكون مع روسيا، مؤكداً ولاءه لحقائق التاريخ ولذاكرة أجدادنا. وأضاف بوتين: إن عودة القرم لروسيا ليست إلا تجسيداً للعدالة قالها بينما كاميرات القنوات المختلفة تركز علي سترته وقد زينها وشاح القديس جورج، المزدانة باللونين الأسود والبرتقالي رمز الموالين لروسيا في شرق أوكرانيا والراغبين في اللحاق بالقرم والانضمام لحظيرة الكرملين، وأكمل الرئيس الروسي: علي حلفائنا الغربيين الأخد في الاعتبار حقوقنا المشروعة، سواء حق ترسيخ التاريخ أو حق تقرير المصير ومن فوق إحدي المدمرات البحرية الروسية، موجها حديثه لجنود البحرية قائلاً: أيها الرفاق أهنئكم بالذكري 69 للنصر في الحرب الوطنية العظمي (هكذا يطلق الروس علي الحرب العالمية الثانية) وردد العبارة نفسها متوجهاً بها لكل فرقة علي حدة، ورد عليه الجميع بهتافات حماسية، وكأنه أراد من وضع النصرين في موازاة بعضهما البعض، تذكير أوروبا أنه لولا دحر قوات هتلر علي يد الجنود الروس في الحرب العالمية الثانية، ولولا 20مليون روسي قضوا في تلك الحرب لكانت ألمانيا النازية الآن تحكم القارة العجوز وربما العالم أجمع. في الساحة الحمراء بموسكو كما في سيفاستوبول، كان العرض العسكري الروسي براً وبحراً وجواً، أكثر من رائع، وفي الساحة الحمراء لم يكتف بوتين بالجلوس إلي جوار ضريح الزعيم لينين والمشاهدة كما فعل في الأعوام السابقة، بل استقل هليكوبتر ليشاهد 159 مركبة و11 ألف جندي و69 طائرة هليكوبتر.. انضمام القرم إلي روسيا لم يكن باستفتاء أهلها فحسب، بل باستفتاء الروس أيضاً وموافقتهم بنسبة 82% لذا فقد حيا فيهم بوتين روح المواطنة، وكان سكان موسكو خرجوا إلي الشوارع والمنتزهات العامة منذ الصباح الباكر للاحتفال بالنصر علي ألمانيا النازية مرتدين قبعات عسكرية ووشاح القديس جورج (كان قديساً وزعيماً لفرسان كل الطوائف المسيحية في أوروبا بالقرن الخامس الميلادي وتعتبره بعض المصادر الأوروبية شخصية خيالية لم يكن لها وجود)، وبالقرب من كنيسة «المعراج» في ضاحية «كولومنسكوي» غنت جوقة عسكرية :«سنذهب حتي برلين» وكان في الأمر دلالة تاريخية ذات مغزي، حيث إن كنيسة المعراج أنشئت عام 1532 تكريما للقيصر إيفان الرهيب أمير موسكو العظيم وقيصر عموم روسيا (ولد في 25 أغسطس 1830 وتوفي في18مارس 1584) وهو الابن الأكبر للأمير فلاديمير، وكان أول من أعلن نفسه قيصراً في تاريخ روسيا بينما كان في السابعة عشرة من عمره،و في الفترة من 1547 إلي 1584 كثُرت غزواته العسكرية مما جعل روسيا امبراطورية مترامية الأطراف وبلداً متعدد الأعراق. فكرة أن روسيا تحولت إلي دب شرس يفتح فمه لقضم ما حوله من أقاليم والعودة إلي عصر القياصرة، باتت تسيطر علي كل المسئولين في موسكو، فصحيفة لوموند الفرنسية استغلت زيارة سيرجي كارناجوف أحد المتحدثين الرسميين باسم الكرملين لباريس وسألته : إلي أي مدي يصل طموح روسيا في ضم ما حولها من أقاليم؟، فأجاب الرجل: حمي المواطنة لا تعرف حدوداً.. وشاح القديس جورج يزين كل شيء في موسكو، حتي علب المايونيز وحقائب النساء والأساور التي تحيط بأعناق كلابنا..هناك في موسكو غيرنا خريطة روسيا، القرم أصبحت جزءاً منا وفي الساحة الحمراء خريطة ضخمة توضح ذلك وكتبنا أسفلها القرم وروسيا معاً وللأبد، لا أتصور أن حجم الخريطة سيتوقف عند هذا الحدب. كلمات المسئول الروسي تبدو منطقية ومتماشية مع كل ما يجري علي الأرض، فمع اندلاع الأزمة في أوكرانيا وسقوط الرئيس فيكتور يانكوفيتش الموالي لروسيا علي يد متمردين موالين للغرب، وفي مارس الماضي قام مسلحون تابعون لموسكو ويرتدون زياً عسكرياً بلا شارة توضح هويتهم، بالاستيلاء علي المطارين الرئيسيين بالقرم وعلي المحاور الاستراتيجية بشبه الجزيرة ومخازن المحروقات بها.. مسلحون تطلق عليهم وزارة الدفاع الروسية «رجال مهذبون» وهم أنفسهم الذين ظهروا في مدينة سلوفيانسك شرق أوكرانيا وطردوا منها القوات التابعة لتلك المدينة وتمكنوا مطلع الشهر الجاري من إسقاط مروحيتين تابعتين لكييف، كما كان ظهورهم حاسماً في الخامس من مايو الجاري أيضاً في مقاطعة لوجانيسك، وهو ما يكفي لإعلان انفصال كل تلك المدن عن أوكرانيا ومن ثم الانضمام لروسيا. وزير الدفاع سيرجي شويجو، لم يعد يخفي الأمر وبات يتحدث بشكل أكثر وضوحاً، فعلي هامش احتفالات الساحة الحمراء قال لوكالة إيتار تاس الروسية: بالنسبة للتلميحات عن استخدام قوات روسية خاصة في أوكرانيا، أحب أن أوضح أنه من الغباء أن تبحث عن قط أسود في حجرة مظلمة، خاصةً لو كان هذا القط ذكيا وشجاعا ومهذبا.