كتاب «العمامة والرصاص: الجغرافيا السياسية للتنظيمات الجهادية من أفغانستان إلى أوروبا... من القاعدة إلى تنظيم الدولة الإسلامية» للدكتور طارق دحروج، الصادر عن «دار دوّن» للنشر.. يقدم لنا دراسة علمية مُمنهجة لخريطة مخيفة، وجغرافيا سياسية لتنظيماتٍ جهادية.. يريد لها البعض أن تحكم القرون الخمسة القادمة. فيقدم شرحاً وترتيباً لتطورات خريطة تلك الجماعات، فيعيد «دحروج» قراءة الظاهرة الجهادية بعيون نقدية: يوضح فيها أن هذه التنظيمات ليست مجرد حركاتٍ دينية متطرفة، بل أدوات سياسية تُستغل فى لعبة النفوذ العالمى. اقرأ أيضًا| ترامب: الولاياتالمتحدة شنت غارات على نيجيريا استهدفت مقاتلي تنظيم داعش ويحذر من خريطة الدم والرعب: فيلفت الانتباه إلى أن استمرار هذه التنظيمات فى التمدد سيؤدى إلى تكريس العنف والفوضى، مما يهدد مستقبل المجتمعات الإسلامية، ويطرح رؤية بديلة تقوم على استعادة الحضارة الإسلامية عبر العلم، والتنمية، والتعايش، بدلًا من الانجرار وراء العنف. ويشير إلى أن مواجهة هذه الظاهرة لا تقتصر على الحلول الأمنية، بل تحتاج إلى إصلاح فكرى وثقافى داخلى، إلى جانب سياساتٍ دولية أكثر عدلًا. هناك رابط بين الجناح الأيديولوجى لجماعة الإخوان فى أوروبا وبين التيارات الجهادية «السبعينيات والثمانينيات» خلقت بنية تحتية تنظيمية وأيديولوجية أسهمت فى إطلاق المشروع الجهادى فى وقت لاحق لآفاق أرحب «العمامة والرصاص» كتاب عن تنظيمات قد تنهزم عسكريًا، لكنها تترك أفكارًا قابلة لإعادة الإنتاج حماية الدين والدنيا هدف مركزى لهذا الكتاب، ولذلك يقدم لنا خريطة تحذرنا من جغرافيا سياسية لتنظيمات جهادية حتى ننتبه لهذا الخطر.. وهذا الخطر يريد له البعض أن يحكم القرون الخمسة القادمة .. فيقدم ترتيباً حصيفاً لتطورات تلك الخارطة، من جماعة الإخوان فى مصر عام 1928، إلى الجماعة الإسلامية فى باكستان عام 1947، إلى نظرية الحاكمية عند أبو الأعلى المودودى وظلالها عند سيد قطب، ثم إلى أحداث عام 1979 ووصول الخومينى إلى السلطة والمزايدات الإيرانية على المسلمين المعتدلين، وهو العام نفسه الذى وصل فيه «أبوحمزة المصري» إلى لندن قادماً من أفغانستان وبدء الموجة اللندنية فى إيواء الجماعات الجهادية، وتصاعد عمليات الجماعة الإسلامية، وتنظيم الجهاد فى مصر حتى مشاركتهما فى اغتيال الرئيس السادات عام 1981، وصولاً إلى عقد التسعينيات الذى شهد كارثة «العشرية السوداء» فى الجزائر عام 1992، ثم تأسيس الجماعة السلفية للدعوة والقتال بها على إثر تأسيس تنظيم القاعدة 1998، ثم كانت أحداث 11 سبتمبر 2001 والتى تلتها حروب أفغانستانوالعراق وهو ما مهد الطريق لجماعات الزرقاوى والبغدادى.. لتضاف «داعش» إلى «القاعدة» فى خريطة مؤلمة. ظلمات بعضها فوق بعض. ويؤكد «دحروج» برؤيته النقدية أن هذه التنظيمات ليست مجرد حركات دينية متطرفة، بل هى جزء من لعبة سياسية أكبر، حيث يتم استخدامها كأدوات لإعادة تشكيل خرائط النفوذ العالمى. وفى المقابل، يطرح المؤلف سؤالًا جوهريًا: هل يستطيع العالم الإسلامى أن ينتصر بخريطة السلام والبناء على خريطة الدم والرعب؟ اقرأ أيضًا| العربي الناصري: الإخوان تنظيم إرهابي لا مكان له في أي دولة تحترم الأمن والاستقرار سؤال منهجى ويتبادر إلى الذهن سؤال أولى.. هل التنظيمات الجهادية إلى زوال، أم أنها فقط غيّرت شكلها؟ سؤال يبدو بسيطًا، لكنه فى الحقيقة مفتاح لفهم واحد من أكثر الملفات تعقيدًا فى العالم المعاصر. فكلما أعلنت دولة ما هزيمة تنظيم، أو تفكيك خلية، أو مقتل قائد، عادت الظاهرة للظهور فى مكان آخر، بلغة جديدة، وأدوات مختلفة، وخرائط أكثر تشابكًا. وكأن «الجهاد المسلح» لم يكن يومًا مجرد تنظيمات، بل طريقة تفكير، ومنهج حركة، وقدرة دائمة على التكيّف مع الزمن. من هذا السؤال الإشكالى ينطلق الكتاب ليقدّم قراءة تتجاوز التناول الأمنى أو الإخبارى، وتسعى إلى تفكيك البنية الذهنية والجغرافية للتنظيمات الجهادية: كيف تفكر؟ كيف ترى العالم؟ ولماذا تتحرك حيث تتحرك؟، ولا يلاحق العمليات، ولا يكتفى بسرد الوقائع، بل يذهب إلى ما هو أعمق: العقل الجهادى بوصفه نتاج تفاعل مُعقد بين الدين والسياسة والجغرافيا. وهو، بذلك، عمل تحليلى يهم القارئ العام، كما يهم الباحث وصانع القرار. لا مجرد مسرح ويدور الكتاب حول فكرة مركزية يمكن تلخيصها فى جملة واحدة: «التنظيمات الجهادية لا تتحرك فى الفراغ، بل تصنع جغرافيتها الخاصة». فالمكان، فى هذا السياق، ليس مجرد أرض تُحتل أو تُحرر، بل عنصر أساسى فى تشكيل الخطاب، وتحديد العدو، وبناء الشرعية. ومن هنا يطرح المؤلف مفهوم «الجغرافيا السياسية للتنظيمات الجهادية» بوصفه إطارًا لفهم كيفية انتقال هذه الجماعات من بقعة إلى أخرى، ولماذا تفشل فى أماكن وتنجح – مؤقتًا – فى أماكن أخرى. كما لا يتحدث «العمامة والرصاص» عن الماضى فقط، بل عن حاضر لم يُحسم بعد. عن تنظيمات قد تنهزم عسكريًا، لكنها تترك أفكارًا قابلة لإعادة الإنتاج مرة أخرى. وعن العنف الذى لم يقل كلمته الأخيرة، وعن عالم لا يزال عاجزًا عن الإجابة على سؤال بسيط: كيف نمنع الفكرة قبل أن تتحول إلى رصاصة؟، فيتناول تطورات الظاهرة الجهادية من زاوية تاريخ العلاقات الدولية؛ وذلك بهدف متابعة أصول العلاقة بين ظاهرة الإسلام السياسى والتيارات الجهادية، وعقيدة تقسيم العالم بين دار السلم ودار الحرب وتداعيات هذا التقسيم على المسلمين وغير المسلمين، ومن محصلة هذه التطورات التاريخية بروز يقظة الفكر الإسلامى على يد جمال الدين الأفغانى ومحمد عبده ورشيد رضا فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين فى مواجهة الاستعمار الأوروبى؛ إذ أدت تلك المرحلة إلى ظهور جماعة الإخوان الأم فى مصر عام 1928 بروافدها المختلفة فى العالمين الإسلامى والعربى، وكانت النواة الأولى لتيار الإسلام السياسى والتى لعبت دوراً كبيراً فى أسلمة القواعد الاجتماعية، وأسهمت مع عوامل أخرى إقليمية ودولية مثل الاحتلال السوفيتى لأفغانستان عام 1979 والثورة الإيرانية عام 1980 فى بروز تيار السلفية الجهادية الجديد المتمثل فى تنظيم القاعدة. اقرأ أيضًا| «الإخوان» و «كير» إرهابيين.. تصنيف أمريكي تاريخي يفضح أخطر تنظيم عابر للحدود مسارات الإسلام السياسى وتحت عنوان «مسارات الإسلام السياسي» يقوم المؤلف بتأصيل الظاهرة الجهادية ليوضح للقارئ أبعاد التقاطع بين مسار الأسلمة فى شبه القارة الهندية وبروز مشروع القاعدة؛ حيث وظفت قيادات التنظيم الحالة الجهادية المتصاعدة على الساحة الباكستانية على مدار عقدى السبعينيات والثمانينيات لخلق بنية تحتية تنظيمية وأيديولوجية أسهمت فى إطلاق المشروع فى وقت لاحق لآفاق أرحب من مجرد مقاومة الاحتلال السوفيتى. كما حرص على تقسيم فصول هذا الباب بشكل يخدم التقاطعات بين الجماعة الإسلامية الباكستانية وتوأمها الشرق أوسطى جماعة الإخوان منذ الاستقلال عن الهند فى 1947 فى تمهيد الساحة لخروج المشروع الجهادى لتنظيم القاعدة إلى النور على خلفية العراب الإخوانى الرئيس للسلفية الجهادية عبد الله عزام. وعن «مسارات الإسلام السياسى فى باكستانوجنوب آسيا»، يتناول مسارات الأسلمة فى جنوب آسيا من جماعات الإسلام السياسى إلى الجيل الأول لتنظيم القاعدة، والبيئة المُمهِدة لظهور الجيل الأول من تنظيم القاعدة والذى اعتبر الساحة الباكستانية مع ساحة الجهاد الأفغانى نقطة الانطلاق الرئيسية، بما فى ذلك الأدوات الباكستانية وعلى رأسها: الجماعة الإسلامية الباكستانية التوأم لجماعة الإخوان المسلمين فى مصر والتى تشكل ذراعاً رئيسية للتنظيم الدولى للإخوان على الساحة الدولية، ثم ينتقل إلى «الجيل الأول لتنظيم القاعدة والاعتماد المُتبادل بين جنوب آسيا وبريطانيا»، وفيه يقدم بالتفصيل بدايات ومسار الأفغان العرب وتنظيم القاعدة واهتمام الدولة الباكستانية بتسليح المقاتلين الأجانب العرب والأوزبك والمغاربة المتوجهين إلى أفغانستان. وذلك بالتنسيق مع الولاياتالمتحدة والمملكة العربية السعودية، وما تبع ذلك من نشأة تيار السلفية الجهادية بمفهومه المعاصر مع الدعم الإسلامى للمقاتلين العرب فى أفغانستان ضد الاحتلال السوفيتى بدءاً من عام 1979، على يد عبد الله عزام أحد رموز الإخوان المسلمين فى الأردن، والذى يُعد النواة لتنظيم القاعدة فيما بعد بتعاونه مع أسامة بن لادن، مما ساعد فى خلق فرصة ذهبية للجيل الأول من تنظيم القاعدة لتوظيف باكستان كمنشأ وكنقطة انطلاق إلى أوروبا وتحديداً بريطانيا؛ حيث يمتزج تيار الإخوان مع الجماعة الإسلامية. كما يقدم السرد التاريخى لبداية العلاقة بين عبد الله عزام وأسامة بن لادن من خلال مركز الدعوة والإرشاد وكيف كانت علاقتها نواة لتنظيم القاعدة، وحرص بن لادن على توسيع رقعة التنظيم من خلال إيجاد موطئ قدم على الأراضى البريطانية كمركز للتنظيم تمهيداً للتحرك الأفقى إلى أوروبا والرأسى إلى شمال إفريقيا. وأصبحت العاصمة البريطانية لندن بمثابة المركز الأيديولوجى الرئيسى لقادة وكوادر جماعات الإسلام السياسى المعارضين للأنظمة العربية والإسلامية، وتيارات السلفية الجهادية من الشرق الأوسط وباكستان والبوسنة، بالإضافة إلى أفواج من الأفغان العرب الذين شاركوا فى القتال ضد السوفيت فى أفغانستان. ويقدم أيضاً رصداً تفصيلياً لتحركات تنظيم القاعدة فى بؤر الجهاد الدولية عقب انهيار الشيوعية فى بداية التسعينيات. من «الإخوان» إلى «القاعدة» ويركز الكتاب على رصد رؤية شاملة لتزاوج ظاهرتى الإسلام السياسى وحركة الجهاد العالمى، من خلال التركيز على الإسلام السياسى والدعوى فى أوروبا وعلاقته بالتيار الجهادى عبر إلقاء الضوء على الخيط الرابط بين الجناح الأيديولوجى لجماعة الإخوان فى أوروبا وبين التيارات الجهادية وعلى رأسها: تنظيم القاعدة وروافده النشطة فى أوروبا بدءاً من عقد التسعينيات وتحديداً الجماعة الجزائرية الإسلامية المسلحة التى كانت تُعد بمثابة العرّاب الرئيسى للجهاد وتنظيم القاعدة فى الفضاء الأورومتوسطى. كما يرصد تطور وجود ونشاط الجاليات المسلمة فى أوروبا التى تم استهداف بعض فئاتها المُهمشة اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً فى وقت لاحق من جماعة الإخوان ثم القاعدة. وذلك عبر المركز الرئيسى فى لندن باعتبار أن بريطانيا كانت المحطة الأولى للتنظيم فى أوروبا والمراكز الفرعية فى ألمانياوفرنسا وبلجيكا. من أجل كل ذلك؛ خصص «دحروج» باباً كاملاً يرصد فيه الوجود الإسلامى على الأراضى الأوروبية الذى مر بمرحلتين رئيسيتين، الأولى مرحلة الإسلام الهادئ منذ الستينيات وحتى أواخر الثمانينيات، حيث كان ينظر إلى المسلمين المهاجرين باعتبارهم عمالاً مؤقتين.. ولم تكن قضية الهوية قد برزت على السطح، أما المرحلة الثانية فبدأت عام 1989 ومستمرة حتى الآن ويطلق عليها الباحثون الأوروبيون مرحلة «إسلام الأزمات»، والتى تمثلت فى حدثين رئيسيين عام 1989. الأول: أزمة كتاب «آيات شيطانية»، والثاني: أزمة الحجاب الإسلامى، وكانا بمثابة البداية الحقيقية لعلانية صراع الهوية بين المسلمين والمجتمعات الأوروبية. كما يرصد المؤلف فى هذا الجزء توافد عدد كبير من زعماء التيار الجهادى فى أفغانستان خاصة بعد انتهاء الاحتلال السوفيتى، فضلاً عن عدد من قادة تيارات الإسلام السياسى فى دول الشرق الأوسط، مثلأ: مصر وسورياوالأردنوالجزائر، وتوجهت تلك القيادات إلى المملكة المتحدة وعدد من الدول الأوروبية من بينها: فرنساوألمانيا وبلجيكا. وقد دشنت أحداث الحادى عشر من سبتمبر 2001 مرحلة جديدة من الأزمات فى الدول الأوروبية، حيث تتابعت الأزمات اللاحقة والمتمثلة فى أزمة الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم عام 2005 بالدنمارك، وأزمة منع الرموز الدينية فى المؤسسات الرسمية الفرنسية عام 2004، فضلاً عن عدد من الأحداث الإرهابية على مستوى أوروبا؛ على رأسها: تفجيرات مدريد 2004، ولندن 2005، وكان من نتيجة ذلك خروج سياق الصراع من صراع على الهوية إلى دخول حركات الجهاد العالمى إلى المعادلة على الأرض، وبدأت فى تجنيد عناصرها من الجيل الثانى للمهاجرين مما أسهم فى إضفاء صورة سلبية عن الإسلام فى الغرب. وينتقل الكتاب بعدها إلى محطة أخرى مهمة ، وهى رصد الدور الذى لعبته جماعة الإخوان وروافدها الباكستانية والأفغانية على صعيد تعبئة المقاتلين العرب والأجانب للجهاد فى أفغانستان، فيما عُرف بالأفغان العرب، وهوما يبرز الدور الذى لعبته الجماعة الإسلامية الباكستانية باعتبارها توأم جماعة الإخوان فى شبه القارة الهندية كخيط رفيع رابط مع تيار السلفية الجهادية بمفهومه الحديث فى فترة ما قبل وأثناء الجهاد الأفغانى ضد الاحتلال السوفيتى، وصولاً إلى أحداث الحادى عشر من سبتمبر 2001 والتى شهدت تداعياتها تحولاتٍ سلبية كبيرة فى وضعية الإسلام والمسلمين فى الغرب. وارتباطاً بذلك، كان من العوامل الرئيسية التى مثلت نقلة نوعية على صعيد الجهاد العالمى، تداعيات اغتيال أسامة بن لادن عام 2011 بباكستان على تنظيم القاعدة، وما نجم عن ذلك من انحسار فى دور التنظيم وما ترتب على ذلك أيضاً من انشقاقاتٍ داخل التنظيم أفضت إلى ظهور تنظيم الدولة الإسلامية فى العراق والشام، واندلاع حرب باردة بين جناحى الجهاد العالمى، وهى التى ما زالت مستمرة حتى الآن. التطورات الإستراتيجية «للجهادية» وفى الباب الثالث يتم التركيز على التطورات الإستراتيجية للتنظيمات الجهادية التى تُعد نتاج حقبة أحداث الربيع العربى، والحرب الباردة بين القاعدة وداعش، وذلك فى سياق رصد وتحليل مسارات التنظيمين على صعيد الجغرافيا السياسية خلال عقد من الزمان فى ظل خروج تنظيم داعش من رحم القاعدة كمحصلة للصراع قبل وأثتاء حقبة الربيع العربى. إذ اتسعت رقعة نشاط الجماعات الجهادية فى منطقة شمال إفريقيا واليمن بشكل كبير، فضلاً عن بروز جبهة النصرة فى سوريا عام 2011 التى تحولت إلى هيئة تحرير الشام عام 2017 بقيادة أحمد الشرع (انضم لتنظيم القاعدة فى العراق 2003) والتى لعبت دوراً محورياً على الساحة السورية خاصة على صعيد مناوئة تنظيم داعش منذ عام 2014 والاصطفاف بجانب تنظيم القاعدة فى مواجهة أبى بكر البغدادى. أما المرحلة الأخيرة فقد بدأت عام 2021 وتمثلت فى تولى الجماعات الجهادية لمقاليد الحكم بدءاً بحركة طالبان الأفغانية التى سيطرت على أجزاء كبيرة من أفغانستان عقب الانسحاب الأمريكى، أعقبها تولى أحمد الشرع أمير هيئة الشام منصب رئيس الجمهورية السورية فى ديسمبر 2024، وهى تطورات نوعية تؤشر إلى نهج جديد لدى الأطراف الدولية الفاعلة فى تعيين جهاديين فى مناصب الحكم يتولون إدارة بقية الجماعات الجهادية الموجودة، مع السعى إلى تقليص نفوذ الجماعات الأخرى مثل: داعش. أدوات للفهم و«العمامة والرصاص» لا يقدّم إجابة جاهزة بقدر ما يقدّم أدواتٍ للفهم. فالدكتور طارق دحروج لا يتعامل مع التنظيمات الجهادية بوصفها ظواهر طارئة أو شذوذًا أمنيًا، بل كنتاج تاريخى وجيوسياسى مُعقّد، تشكّل عبر تداخل الدين مع السياسة، والهشاشة مع الصراع الدولى، والجغرافيا مع الخيال العقائدى. ومن هنا تأتى أهمية الكتاب: فهو لا يكتفى بتشريح الماضى، بل يضع الحاضر تحت المجهر، ويطرح سؤال المستقبل بلا مواربة. الكتاب يقول بوضوح: إن هزيمة التنظيمات عسكريًا لا تعنى بالضرورة هزيمة الفكرة، وإن تفكيك الشبكات لا يمنع إعادة إنتاجها ما دامت الشروط التى صنعتها قائمة. فالجهاد المسلح، كما يكشف هذا العمل، ليس مجرد تنظيمات تتبدل أسماؤها من القاعدة إلى داعش، بل سردية عابرة للحدود، قادرة على التلون والانتقال وإعادة التموضع. كما يذكر «دحروج» أن ((الجغرافيا السياسية للجهاد ليست مجرد حركة عسكرية، بل هى خريطة دم تُرسم بأدوات القوى الكبرى على جسد العالم الإسلامى.)) ويوضح أنه «بين خريطة الدم والرعب وخريطة السلام والبناء، يقف المسلمون أمام خيار حضارى مصيرى.» ويرى أن «التنظيمات الجهادية ليست كيانًا مستقلًا بذاته، بل هى جزء من لعبة النفوذ العالمى، تُستخدم حينًا وتُستنزف حينًا آخر.» ويرى أنه «لا يمكن مواجهة هذه الظاهرة بالحلول الأمنية وحدها، بل تحتاج إلى إصلاح فكرى وثقافى يعيد للعالم الإسلامى توازنه.» من هنا، يصبح «العمامة والرصاص» كتابًا ضروريًا لفهم عالم لم تنتهِ حروبه بعد، ولم تُحسم معاركه الفكرية. كتاب يذكّرنا بأن أخطر ما فى التطرف ليس الرصاصة ذاتها، بل الفكرة التى تُطلقها؛ وتظل تبحث عن جغرافيا جديدة.