■ كتب: هويدا حافظ رمضان ليس شهرا عابرا في حياتنا، ولكنه محطة مضيئة تمر بالقلب كل عام ونافذة من نور في حياةٍ مثقلة بالانشغالات، لتذكر القلب بما يمكن أن يكون عليه إذا اقترب أكثر من الله، فنجد أنفسنا نتسابق في الخيرات وكأن الأرواح تستيقظ فتبحث عن طريق يقودها إلى رضا الله. يمضي رمضان سريعًا، كأنه صفحة مضيئة فى كتاب العمر.. ما إن يبدأ حتى نشعر بأن أيامه تتسرب برفق بين أصابعنا، حتى نجد أنفسنا فى يوم الوقفة، ذلك اليوم الهادئ الذى يقف بين زمنين: زمن الصيام والقيام الذى عشنا أيامه ولياليه، وزمن العيد الذى يتهيأ أن يطرق الأبواب بفرحه وتكبيراته.. ففى زحام الاستعدادات، وبين شراء الحلوى وترتيب الملابس واستقبال التهاني، يبقى فى القلب حديث آخر... حديث هادئ لا يسمعه أحد، لكنه يمس أعماق الروح. فيوم «الوقفة» ليس فقط مجرد وقفة زمنية بين يومين، ولكنه وقفة روحية بين حالين..حال كنا عليه قبل رمضان، وحال نرجو أن نكون عليه بعده.. هو لحظة تأمل عميقة، وموعد صادق مع النفس يشبه المرآة التى نقف أمامها لنرى أنفسنا كما نحن، لا كما نحب أن نظهر أمام الناس، فهو فرصة لمراجعة هادئة دون قسوة أو لوم، لنراجع فيها الطريق لنواصل المسير، أو أن نحاول تصحيح المسار ونبدأ من جديد. رمضان ليس شهرا عابرا فى حياتنا، ولكنه محطة مضيئة تمر بالقلب كل عام ونافذة من نور فى حياةٍ مثقلة بالانشغالات، لتذكر القلب بما يمكن أن يكون عليه إذا اقترب أكثر من الله، فنجد أنفسنا نتسابق فى الخيرات وكأن الأرواح تستيقظ فتبحث عن طريق يقودها إلى رضا الله.. ثلاثون يوما حاولنا فيها أن نكون أفضل نسخة منا، وأن نعيد ترتيب علاقتنا مع الله ومع أنفسنا ومع من حولنا. ثلاثون يوما من الصيام والقيام والدعاء وتهذيب ومجاهدة النفس.. تتصافح الأيدى التى ربما ابتعدت قليلا، وتلين القلوب التى حملت بعض الضيق، وتعود الكلمات البسيطة لتصنع جسورا من المودة، فرمضان يشبه أمطار الخير.. قد تنزل أياما معدودة، لكنها تغير شكل الأرض شهورا طويلة، فإذا كان القلب أرضا طيبة، فإن بذور الخير التى زرعت فى رمضان ستظل تنبت طوال العام.. لقد تعودنا فى رمضان على أشياء بدت فى البداية صعبة، ثم صارت مع الأيام جزءا من حياتنا تبدلت فيه عاداتنا اليومية، وتغيرت ساعات نومنا ويقظتنا، وأصبح للصلاة والقرآن والدعاء حضور أقوى فى أيامنا..هذه الأشياء الصغيرة تدريب هادئ للنفس، يذكرها أنها قادرة على التغيير.. ولهذا فإن يوم «الوقفة» ليس وداعا لرمضان فقط، بل وقفة لفهم ما حدث بداخلنا وفى حياتنا خلال هذا الشهر، فقد مر رمضان كنسمة عطرة عبر أيامنا، دخل إلى قلوبنا المتعبة والمثقلة بالهموم و الانشغالات، والحياة المزدحمة بالتفاصيل الصغيرة التى تسرق منا هدوءنا دون أن نشعر، ثم أخذ بأيدينا شيئا فشيئا إلى عالم أكثر جمالا وهدوءا، فتغير شيئا خفيا داخلنا.. إن رمضان لم يكن مجرد أيام صيام وقيام، بل حكاية حب بين القلب وربه، ترك خلفه نورا فى زوايا الروح، فهو كضوء هادئ، دافئ يلمس الأرواح، فيجعلها أكثر صفاء وأكثر قدرة على أن ترى نفسها بوضوح.. لتدرك أن القلب يمكن أن يبدأ من جديد فى أى وقت.. فإن تعثرنا بعد رمضان، يمكننا أن نعود..وإذا فترت الهمة يمكن أن نوقظها، فالطريق إلى الله لا يغلق بانتهاء رمضان، بل يظل مفتوحا لكل من يريد أن يكمل المسير.. أو أن يبدأ أول خطوة للسير فيه؛ ولهذا فإن أجمل ما يمكن أن نفعله فى وقفة العيد هو أن نحفظ ذلك الضوء الذى مر، وأن نتركه يسكن القلب، ليضئ أيامنا العادية ويذكرنا بأن الطريق ألى الله يبدأ بخطوة صغيرة ولكنها صادقة. وفى وقفة العيد أيضا نتذكر معنى «الامتنان» ونشكر الله أن أعاننا على الصيام و القيام ونحن فى أمان، وأمد فى أعمارنا حتى أدركنا هذه الأيام المباركة.. وقبل أن يرحل رمضان، تاركا خلفه أثرا يشبه العطر الذى يبقى فى المكان بعد انصراف أصحابه. وقبل أن تأخذنا الحياة إلى صخبها المعتاد، علينا أن نهمس لقلوبنا ببعض الأسئلة : ماذا فعلنا فى رمضان ؟ وماذا سنفعل بعده؟ ما العادة الجميلة التى اكتسبناها فى رمضان ونريد أن تبقى معنا ؟هل سنحتفظ بلحظات دعاء صادقة قبل النوم؟ ما الذنب الذى قررنا أن نتركه بلا رجعة بإذن الله؟ ما العمل الصالح الذى سنجعله جزءا ثابتا فى حياتنا؟ هل ستبقى قلوبنا أقرب إلى التسامح عما كانت؟.. وهنا ندرك أن العيد ليس نهاية الحكاية بل بدايتها..بداية عام جديد من المحاولة ومن السعى لأن نكون أفضل مما كنا.. وربما كان هذا هو المعنى الأعمق لرمضان: أن نتعلم كيف نتخفف من ثقل الدنيا على أرواحنا، وكيف نعيد اكتشاف البساطة فى الأشياء.. ربما نتذكر فى هذا اليوم لحظة دعاء صادق رفعنا فيها أيدينا إلى السماء، أو دمعة نزلت فى سجدة لم يرها أحد. وربما نتذكر شعورا بالسكينة مر بالقلب ونحن نستمع إلى آية من القرآن فى صلاة التراويح.. تلك اللحظات الصغيرة هى التى تصنع التحول الحقيقى فينا، فهل سنترك تلك اللحظات تمضى مع الشهر الراحل؟ أم سنحاول أن نحمل معنا شيئا منها فى أيامنا القادمة؟ إن التغيير الكبير لا يحدث دفعة واحدة، لكنه يبدأ بخطوة صغيرة، وبقرار صادق بين الإنسان ونفسه.. وفى يوم «الوقفة» أيضا تمتلئ القلوب بمزيج من المشاعر: شيء من الحنين لأن رمضان يوشك أن يرحل، وشىء من الرجاء بأن يكون الله قد تقبل ما قدمناه، وشىء من الفرح لأن العيد يقترب.. ذلك الرجاء هو أجمل ما فى هذه اللحظة. فالإنسان لا يملك أن يتأكد من قبول عمله، لكنه يملك أن يأمل فى رحمة الله الواسعة؛ ولهذا يرفع قلبه بالدعاء: اللهم تقبل منا ما قدمنا، واغفر لنا ما قصرنا فيه، واجعل رمضان بداية خير فى حياتنا لا نهاية له. لكن الوقفة مع النفس لا تقف عند حدود الأعمال والعبادات فقط، بل تمتد أيضا إلى الذكريات التى تسكن القلب.. فهناك وجوه رافقتنا فى الحياة، كانت تجعل للأيام طعما مختلفا، وللأعياد معنى أعمق.. وجوه كانت تملأ البيت سعادة ودفئا وحركة ودعاء صامتا، ومع اقتراب العيد، تمر تلك الوجوه فى الذاكرة كأنها نسمة حنين إلى.. أبى و أمى وأختى هالة.. وفى هذه اللحظة، أستحضر صورة أمى بمناسبة احتفالنا بعد أيام بعيد الأم.. أمى التى كانت تبدأ الاستعداد للعيد قبل الجميع، وتملأ البيت بحركة لا تهدأ. كانت الدعوة التى تسبقنا إلى السماء، والطمأنينة التى لم نشعر بقيمتها كاملة إلا حين غابت.. ثم يأتى يوم ندرك فيه أن البيت لم يعد كما كان... لأن تلك اليد التى كانت تجمع خيوط الفرح قد رحلت.. لكن الأمهات لا يرحلن أبدا.. إنهن يبقين فى تفاصيل الحياة الصغيرة: فى رائحة البيت صباح العيد، فى ذكرى طبق كانت تعده بحب، فى لحظة حنين مفاجئة تملأ القلب دون سبب واضح، فى كلماتها الحكيمة التى نتذكرها، متأخرين، فى مواقف حياتنا.. وفى يوم الوقفة، ونحن نرفع أيدينا بالدعاء، يكون لها نصيب خاص من القلب. فأدعو الله: اللهم ارحم أمى رحمة واسعة، واجعل قبرها روضة من رياض الجنة، واملأه نورًا وسكينة، اللهم اجعلها سيدة من سيدات اهل الجنة، وأطعمها من طعام الجنة واسقها من شراب الجنة وألبسها من لباس الجنة واجعلها من الضاحكين المستبشرين، اللهم كما أضاءت حياتنا بحنانها، فأضئ قبرها برحمتك، واجعل كل ما قدمته لنا من حبٍ وتعبٍ ودعاء صدقةً جارية فى ميزان حسناتها. يا رب... اجمعنا بها وبكل أحبابنا فى جناتك، حيث لا ألم ولا فراق بعده.. وهكذا يصبح يوم "الوقفة" أكثر من مجرد يوم يسبق العيد. إنه لحظة يهدأ فيها القلب قليلا، ويتخفف من ضجيج الأيام، ويستعيد المعانى التى كادت الحياة السريعة أن تنسيه إياها. نودع رمضان بالشكر والامتنان، ونستقبل العيد برجاءٍ جديد، ونحمل في قلوبنا دعاء لمن أحببناهم ورحلوا.. فما أجمل أن يكون لنا فى يوم الوقفة... وقفة مع النفس، ووقفة مع الذكريات، ووقفة وفاء لمن صنعوا في قلوبنا و حياتنا معنى الفرح... ومعنى العيد.