مع أذان المغرب فى شهر رمضان، تمتد موائد الإفطار عامرةً بأصناف لا تُحصى من الطعام، فى مشهد يعكس روح الكرم والاحتفاء بالشهر الكريم، لكن خلف هذه الصورة المُبهجة، تتراكم كميات كبيرة من الطعام فى صناديق القمامة، لتكشف عن وجه سلبى وهو إهدار الطعام تحت مسمى «العزومات»، ولا يقتصر الأمر على المنازل فقط ، فالمطاعم والفنادق تشهد هى الأخرى فائضًا ملحوظًا فى بوفيهات الإفطار والسحور، ورغم أن بعض المؤسسات بدأت تبنى بعض السياسات لإعادة توزيع الفائض، فإن جزءًا مُعتبرًا ينتهى به المطاف كنفاياتٍ عضوية. اقرأ أيضًا| a href="https://akhbarelyom.com/news/newdetails/4789533/1/%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A8-%D8%A7%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9%D9%86%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%8A%D9%83%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AA%D8%B1-%D9%8A%D8%B2%D9%8A%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%A6%D8%AF" title="بالحب اتجمعنا.. "الويكة والأتر" يزينان موائد رمضان في النوبة "بالحب اتجمعنا.. "الويكة والأتر" يزينان موائد رمضان في النوبة أثبتت آخر الدراسات أن متوسط حجم الهدر الغذائى للفرد الواحد فى مصر يبلغ حوالى 91 كيلوجرامًا من الطعام سنويًا، وفقاً لتقديرات المركز الوطنى للبحوث الاجتماعية والجنائية، وتتزايد نسبة الغذاء المُهدر فى المناسبات الخاصة والأعياد والمهرجانات، حيث يتم التخلص من 60 ٪ على الأقل من الأطعمة الصالحة للأكل. موروثات مترسخة فى هذا الصدد، أكد محمد رمضان دريوة، استشارى الطب النفسي، أن الإفراط فى إعداد الطعام واستهلاكه ينبغى ألا يتم النظر إليه فقط باعتباره سلوكًا فرديًا أو اضطرابًا نفسيًا، بل كظاهرة اجتماعية موروثة ترسخت عبر الأجيال، وتفاقمت بفعل ضغوط نفسية وديناميات اجتماعية متشابكة.. وأوضح أن الطعام فى الثقافة المجتمعية لم يعد مجرد وسيلة لإشباع الجوع، بل تحوّل إلى أداة رمزية للتعبير عن المشاعر، خاصة الحب والاهتمام، فكثيرًا ما يُقاس الود بوفرة الأطباق وتنوعها، حتى أصبحت المائدة العامرة دلالة على عمق العلاقة وقوة الترابط، وهو ما يعكس بُعدًا نفسيًا يتجاوز الاحتياج البيولوجى إلى الاحتياج العاطفي.. وأشار دريوة إلى أن القلق يلعب دورًا محوريًا فى هذا السلوك، لافتًا إلى أن الخوف من الجوع أو الحرمان يدفع بعض الأسر إلى إعداد كمياتٍ كبيرة من الطعام، خصوصًا فى مواسم الصيام أو المناسبات، بدافع التعويض النفسي، غير أن الواقع غالبًا ما يكشف عن فجوة بين ما يُعد وما يُستهلك فعليًا، لتتحول الوفرة إلى هدر دون داعٍ حقيقي. وعلى المستوى الاجتماعي، اعتبر أن ثقافة «إثبات الكرم» تمثل أحد أبرز العوامل المحركة لهذه الظاهرة، حيث تتشكل حالة من التنافس غير المُعلن بين الأسر لإظهار السخاء عبر موائد تفوق الحاجة، أحيانًا على حساب الإمكانات المادية، ويرتبط ذلك بالخوف من نظرة المجتمع أو من تصنيف الأسرة بأنها أقل من غيرها، مما يعكس حضور المقارنة الاجتماعية كدافع رئيسي. وأضاف: أن المناسبات والاحتفالات باتت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بوفرة الطعام، حتى أصبح من الصعب تخيل احتفال بلا مائدة ممتدة أو بوفيه مفتوح، ومع تصاعد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، تضاعف هذا الاتجاه، إذ لم تعد المظاهر مُوجهة للضيوف فحسب، بل لجمهور أوسع عبر الصور والمنشورات، مما عزز النزعة إلى تضخيم المشهد الغذائى لإبراز صورة اجتماعية معينة. واختتم استشارى الطب النفسى حديثه بالتأكيد على أن معالجة الظاهرة تبدأ بالوعى بطبيعتها المُركبة، والتمييز بين الاحتياج الفعلى والدوافع النفسية والاجتماعية الكامنة وراءه، داعيًا إلى إعادة الاعتبار لفكرة الاعتدال، بحيث يعود الطعام إلى وظيفته الأساسية كضرورة للحياة، لا كوسيلة لإثبات المكانة أو تبديد القلق. وبرزت مبادرات أهلية تسعى إلى تقليل الإهدار وتوجيه الفائض إلى مستحقيه، وتعمل جمعيات مثل: بنك الطعام المصرى على جمع فائض الطعام من الفنادق والمطاعم وفق ضوابط صحية، ثم إعادة توزيعه على الأسر الأولى بالرعاية، كما أطلقت بعض المبادرات الشبابية حملات توعية عبر وسائل التواصل الاجتماعى تحث على التخطيط المُسبق للوجبات وشراء الاحتياجات الفعلية فقط. وقال الدكتور رضا سكر، المدير التنفيذى لبنك الطعام المصري: إن قضية الفاقد والمُهدر من الغذاء لا ترتبط فقط بسلوك المستهلك داخل المنازل، بل تبدأ مبكرًا من مراحل الإنتاج والنقل والتداول، موضحًا أن هناك إحصائيات صادرة عن برنامج الغذاء العالمى ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة تشير إلى أن نسب الفقد فى الغذاء الطازج، منذ خروجه من المزرعة وحتى وصوله إلى المستهلك، تتراوح بين 20% و60%، وفقًا لنوع المُنتج وظروف تداوله.. وأضاف أن نسب الفقد تختلف باختلاف طبيعة السلع الغذائية، فاللحوم والأسماك تتأثر بدرجة كبيرة بظروف الحفظ وسلاسل التبريد، بينما تتعرض الخضراوات والفاكهة لخسائر ملحوظة نتيجة النقل والتخزين غير الملائمين، فى حين تتباين نسب الفاقد فى الحبوب بحسب أساليب الحصاد والتخزين. وأشار سكر إلى أن هذه الأرقام تعكس حجم التكلفة الاقتصادية المُهدرة، إذ أن إنتاج الغذاء يستهلك موارد ضخمة من مياه وطاقة وجهد بشري، مما يجعل فقدانه خسارة مُضاعفة، سواء على مستوى الاقتصاد أو الأمن الغذائي. وأكد أن هذه المعطيات دفعت الهيئات الدولية إلى إطلاق برامج ومبادرات تستهدف تقليل الفاقد والمُهدر من الطعام، عبر تحسين سلاسل الإمداد، وتطوير تقنيات التخزين، وتعزيز الوعى المجتمعى بأهمية ترشيد الاستهلاك، مشددًا على أن الحد من الفقد ليس خيارًا ترفيًّا، بل ضرورة اقتصادية وتنموية فى ظل التحديات العالمية الراهنة.. وأوضح أن بنك الطعام يوفر عربات مُجهزة بثلاجات وهناك فنادق ومؤسسات متعاقدة لتوريد فائض الطعام ويتولى البنك نقله للمحتاجين بشكل سليم. أبعاد اقتصادية إهدار الطعام لا يعنى فقط خسارة مالية للأسرة، بل يحمل أبعادًا اقتصادية أوسع، فى ظل ارتفاع أسعار السلع الغذائية وتزايد معدلات التضخم، كما أن تراكم المخلفات العضوية يسهم فى زيادة انبعاثات الغازات الناتجة عن تحللها فى المدافن، مما يشكل عبئًا بيئيًا إضافيًا. فى هذا السياق، أكد د. عبد المنعم السيد، رئيس مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، أن الأسواق تشهد فى شهر رمضان حالة من زيادة الطلب الطبيعى على السلع الغذائية، وبعض التجار يستغلون هذه الزيادة كذريعة لرفع الأسعار بصورة مُبالغ فيها، بما يفوق الزيادات الحقيقية فى التكلفة. وأوضح أن التقارير والبيانات الصادرة عن جهاتٍ مُعتمدة خلال السنوات الماضية تشير إلى أن حجم إنفاق المصريين يوميًا على مائدة الإفطار فى رمضان يتراوح ما بين 2 إلى 2.5 مليار جنيه، خاصة على بعض السلع الأساسية وعلى رأسها: الدواجن واللحوم، وهو ما يعكس حجم الاستهلاك الكبير خلال الشهر الكريم. وأضاف الخبير الاقتصادي: أن هذا الرقم مُرشح للزيادة سنويًا، سواء نتيجة النمو الطبيعى فى الاستهلاك خلال رمضان أو فى ظل معدلات التضخم التى تؤثر على الأسعار بوجه عام، لكنه شدد على ضرورة ألا تتحول تلك الزيادة إلى مبرر للمغالاة غير المُبررة فى الأسعار أو لتحقيق أرباح استثنائية على حساب المواطنين. وأشار إلى أهمية تكثيف الرقابة على الأسواق لضبط الأسعار ومنع أى ممارساتٍ احتكارية، إلى جانب رفع وعى المواطنين بترشيد الاستهلاك، بما يحقق التوازن فى السوق ويحمى المستهلك من أى زيادات غير عادلة خلال الموسم الرمضاني.