مع بداية كل موسم رمضاني، تمتلئ مواقع التواصل الاجتماعي بمحتوى متنوع بين وصفات الطعام، ومقاطع الدعاء، ولحظات الإفطار الجماعي، لكن في السنوات الأخيرة لم تعد صفحات السوشيال ميديا المختلفة مجرد مساحة لتبادل الأجواء الروحانية للشهر الكريم، بل تحولت أحيانًا إلى ساحة جدل واسع حول حدود ما يجوز وما لا يجوز نشره. فخلال الأيام الماضية تصدرت عدة مقاطع مصورة الترند بعد أن أثارت غضبًا واسعًا بين المتابعين، كان أبرزها فيديو لفتاة تصور محتوى داخل أحد المساجد، وأخرى ظهرت بملابس اعتبرها كثيرون غير مناسبة أثناء أداء الصلاة، فالمشترك بين هذه الوقائع لم يكن فقط يثير الجدل الديني أو الأخلاقي، بل سرعة تحولها إلى ترند واسع الانتشار، أعادت فتح نقاش قديم يتجدد كل عام. للأسف لم يعد الترند في رمضان يقتصر على برامج المقالب أو المسلسلات فقط، فمع تزايد استخدام الهواتف الذكية وانتشار فكرة التوثيق اللحظي لكل تفاصيل الحياة اليومية، أصبح الحد الفاصل بين الحياة الخاصة والمحتوى العام أكثر ضبابية، فالكثيرون لم يعودوا ينظرون إلى الكاميرا باعتبارها أداة إعلامية فقط، بل جزءًا من حياتهم اليومية حتى داخل دور العبادة. خلال الأيام الأخيرة، أعادت عدة مقاطع مصورة إشعال الجدل مجددًا على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما اعتبرها كثير من المتابعين تجاوزًا لحرمة أماكن العبادة أو استغلالًا للشعائر الدينية في صناعة محتوى يسعى لتحقيق الانتشار. ففي إحدى الوقائع التي أثارت حالة واسعة من الغضب، تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لفتاة داخل أحد المساجد، ظهرت خلاله وهي تسجل مقطعًا عبر تطبيق تيك توك على أغنية خاصة بشهر رمضان، الأمر الذي اعتبره كثيرون سلوكًا غير لائق داخل مكان له قدسيته. وأثار الفيديو موجة من الاستياء بين المستخدمين، حيث طالب بعضهم باتخاذ إجراءات حاسمة تجاه الواقعة، مؤكدين أن المساجد ليست مكانًا مناسبًا لتصوير المحتوى الترفيهي أو السعي وراء تحقيق نسب مشاهدة، فيما تساءل آخرون عن الضوابط التي ينبغي الالتزام بها عند استخدام الهواتف المحمولة داخل دور العبادة. وقائع أخرى لم تكن هذه الواقعة الوحيدة التي تصدرت الجدل؛ إذ انتشر أيضًا مقطع فيديو آخر ظهرت خلاله ثلاث فتيات وسيدتان، وهن يقدمن بشكل ساخر بعض المواقف التي قد تحدث بين السيدات أثناء أداء صلاة التراويح داخل المساجد خلال شهر رمضان. المقطع الذي نشرته إحدى صانعات المحتوى عبر تطبيق تيك توك، قوبل بموجة واسعة من الانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر كثير من المتابعين أن الشعائر الدينية وقدسية الصلاة لا يمكن أن تكون مادة للسخرية أو التناول الكوميدي، مهما كان الهدف من تقديم المحتوى، كما أثارت واقعة أخرى جدلا كبيرًا بعدما كشفت وزارة الداخلية ملابسات تداول مقطع فيديو لفتاة ظهرت خلاله وهي تؤدي الصلاة مرتدية ملابس خادشة للحياء، مع قيامها بأفعال اعتبرها كثيرون منافية للآداب، في الوقت ذاته تمكنت الأجهزة الأمنية من تحديد هوية الفتاة الظاهرة في مقطع الفيديو وضبطها، وتبين أنها تبلغ من العمر 18 عامًا. وبمواجهتها أقرت بأن الواقعة تعود إلى نحو ثلاث سنوات، عندما كانت تقيم لدى عمتها عقب انفصال والديها، وأوضحت الفتاة خلال التحقيقات؛ أن زوج عمتها طلب منها آنذاك تصوير المقطع بهذه الطريقة، فيما تمكنت الأجهزة الأمنية من ضبطه، حيث اعترف بتصوير الفيديو عبر مواقع التواصل الاجتماعي بهدف تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة. عكست هذه الوقائع المتكررة ظاهرة أوسع تتعلق بتحول بعض الممارسات اليومية، وحتى بعض الشعائر الدينية أحيانًا، إلى محتوى رقمي قابل للتداول والانتشار السريع على منصات التواصل الاجتماعي، في ظل سعي بعض المستخدمين لتحقيق الشهرة أو زيادة عدد المتابعين، ومع اتساع هذا الجدل، يطرح كثيرون تساؤلات حول الدوافع النفسية حول السعي المستمر وراء الترند، حتى وإن كان ذلك على حساب الخصوصية أو قدسية بعض الأماكن والمناسبات، وهو ما يفتح الباب أمام قراءة نفسية واجتماعية لهذه الظاهرة، إلى جانب تساؤلات أخرى تتعلق بالجانب القانوني وحدود المسئولية في مثل هذه الوقائع. خلل نفسي بالتواصل مع د.رشا عبدالجبار، أخصائية الصحة النفسية بدأت حديثها قائلة: إن السعي وراء الترند على مواقع التواصل الاجتماعي لم يعد مجرد رغبة في الترفيه أو مشاركة اللحظات اليومية، بل تحول لدى بعض الأشخاص إلى نوع من السلوك المرتبط بالحاجة إلى لفت الانتباه والحصول على التقدير الاجتماعي. كما أوضحت، أن منصات التواصل تعتمد في الأساس على نظام التفاعل السريع، مثل الإعجابات والتعليقات والمشاركات، وهو ما يمنح المستخدم شعورًا فوريًا بالاهتمام والقبول من الآخرين، الأمر الذي قد يدفع بعض صناع المحتوى إلى البحث عن أفكار أكثر إثارة أو صادمة حتى لو كانت مرتبطة بموضوعات حساسة أو أماكن لها قدسية خاصة. وتابعت د.رشا، أن هذا النوع من المحتوى ينتشر بشكل أسرع لأنه يثير الجدل، فكلما كان المقطع أكثر استفزازًا أو غرابة، زادت فرص تداوله بين المستخدمين، وهو ما يشجع البعض على تجاوز الحدود الاجتماعية أو الدينية في سبيل تحقيق مزيد من المشاهدات، كما أن المشكلة لا تكمن فقط في صانع المحتوى، بل أيضًا في طبيعة التفاعل الجماعي على السوشيال ميديا، إذ أن كثرة التعليقات والمشاركات، حتى وإن كانت غاضبة أو رافضة، تسهم في زيادة انتشار المقطع وتحويله إلى تريند. ليستكمل إسلام محمد المحامي قائلاً: فيما يتعلق بالمحتوى الخادش للحياء عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فقد حدد قانون العقوبات عدة مواد تجرّم هذا السلوك؛ حيث نصت المادة 178 من قانون العقوبات على أنه يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه كل من نشر أو عرض أو وزع مواد أو مقاطع مصورة خادشة للحياء عبر وسائل النشر المختلفة أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كما نصت المادة 269 مكرر (أ) على أنه يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر كل من وجد في طريق عام أو مكان مطروق يحرض المارة على الفسق بإشارات أو أقوال، وإذا عاد الجاني لارتكاب الجريمة خلال سنة من تاريخ الحكم عليه نهائياً، تكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنة وغرامة لا تقل عن 500 جنيه ولا تزيد على ثلاثة آلاف جنيه، مع وضع المحكوم عليه تحت مراقبة الشرطة مدة مساوية لمدة العقوبة، كذلك نصت المادة 306 مكرر (أ) على أنه يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على سنتين وبغرامة لا تقل عن 500 جنيه ولا تزيد على ألفي جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من تعرض لشخص بالقول أو الفعل أو الإشارة على نحو يخدش حياءه في طريق عام أو مكان مطروق ويسري الحكم ذاته إذا وقع خدش الحياء عن طريق الهاتف أو أي وسيلة من وسائل الاتصال السلكية أو اللاسلكية، بما في ذلك مواقع التواصل الاجتماعي، ويشترط لثبوت هذه الجرائم توافر القصد الجنائي، أي أن يكون الجاني قد ارتكب الفعل عن علم وإرادة مع إدراكه أن ما يقوم به من شأنه خدش الحياء أو الإساءة للآخرين. اقرأ أيضا: