يوم الشهيد صفحة فارقة فى سجل الخلود، وتتوقف الكلمات أمام عظمة من وَهبوا أرواحهم طواعية ليبقى الوطن حياً، شامخاً وآمناً، الشهيد الذى يسمو على الحياة من أجل أن تستمر الحياة، ويرتقى منزلة سامية، مصداقا لقوله تعالى: «أحياءٌ عندَ ربهم يُرزقون». ويظل التاريخ شاهداً على عظمة الأبطال رجال القوات المسلحة المصرية، دفاعاً عن تراب الوطن، وحفاظاً على رايته خفاقة عالية، وهم الحصن الذى تحطمت عنده أطماع كل من تسول له نفسه المساس باستقلالها. ويرتبط يوم الشهيد بذكرى استشهاد الفريق أول عبد المنعم رياض فى التاسع من مارس عام 1969، القائد الذى جسَّد معنى القيادة الحقيقية حين قرر أن يكون فى قلب الميدان بين جنوده وضباطه، وفى ذلك اليوم توجَّه إلى الخطوط الأمامية للجبهة، بصحبة وزير الدفاع الفريق محمد فوزى لتفقّد القوات، وانفجرت إحدى القنابل الإسرائيلية بالقرب منه، ورفض النزول إلى الخندق، وظل ثابتاً فى موقعه حتى أصابته الشظايا وسقط شهيداً. استشهد «الجنرال الذهبى» وسط جنوده دفاعاً عن سيناء الغالية، الأرض التى ارتوى كل شبر فيها بدماء الشهداء، ومهدت صرخته الملهمة الطريق لنصر أكتوبر المجيد، واستعادة المصريين أرضهم وكرامتهم فى ملحمة ستظل مفخرة للأجيال. ولم تتوقف تضحيات الشهداء بعد تحرير سيناء، وواجهت أرض الفيروز خطرًا لا يقل شراسة عن الاحتلال، وظن الإرهابيون أن بإمكانهم تحويلها إلى ملاذ للإرهاب ومنطلقًا للفوضى، وأن تصبح وطناً لكل من لفظتهم مستنقعات الدم والنار فى أنحاء العالم، ولكن مصر التى حررت سيناء بدماء أبنائها لم تكن لتتركها فريسة للإرهاب. وتقدّم شباب مصر الصفوف، مستلهمين روح العبور العظيم، وأقسموا ألا يتركوا شبراً من أرضها تحت دنس الإرهاب، وتتبعوا الإرهابيين فوق الأرض وتحتها، وهدموا أوكارهم وبنيتهم التحتية، حتى استعادت سيناء أمنها واستقرارها بفضل بطولات أبناء القوات المسلحة والشرطة. الجبناء هم الذين يهربون من الخوف، أما الشجعان فيفر الخوف منهم، ووراء كل شهيد حكاية بطولة وسيرة عطرة تُلهم الأجيال.. رجال قاتلوا حتى النفَس الأخير فى حربهم المقدَّسة ضد الإرهاب، بينما كان الإرهابيون يفرون أمام شجاعة أبناء مصر. ويأتى يوم الشهيد مناسبة للفخر والاعتزاز، فالتلميذ الذى فقد والده فى معركة الشرف، لا يراوده الحنين فقط، ويحمل أيضًا وسام البطولة، ويرفع رأسه بين زملائه قائلاً بفخر: «أنا ابن الشهيد»، مستبدلاً الدموع بعبق السيرة الطيبة لوالده. وفى هذا اليوم أيضاً تتجه الأنظار إلى نساء الصبر والبطولة، أمهات وزوجات الشهداء، اللواتى قدمن لمصر أعظم ما يملكن، هن نماذج نادرة للقوة والإيمان، يمسحن دموع الحزن بالصبر، ويحولن الفقد إلى طاقة من العزيمة والإرادة، ودعواتهن المضيئة تُذكِّر الجميع بأن الوطن يستحق التضحية، وأن مصر ستظل عصية على الانكسار. وتبقى ذكرى يوم الشهيد رسالة واضحة لكل متآمر: المصريون يقفون صفاً واحداً خلف دولتهم وجيشهم، مستعدين للدفاع عن وطنهم وحماية استقلاله.