في قرية بلانة النوبية التابعة لمركز ومدينة نصر النوبة بمحافظة أسوان، نشأت مبادرة أهلية بسيطة تحولت مع مرور الوقت إلى إنجاز طبي عالمي، بطل هذه القصة هو عم عبده ميزان، الرجل التسعيني الذي عرفه الأهالي بصدقه واندفاعه لخدمة الآخرين، وبابتسامته الصادقة التي كانت كافية لإقناع الناس بالتبرع لبناء مقر جمعية أصدقاء المرضى، وذلك بمشاركة أعضاء مجلس الإدارة، ليصبح هذا المبنى فيما بعد جزءًا من مؤسسة الدكتور مجدي يعقوب لعلاج أمراض القلب. البدايات يقول عبده ميزان أن في أواخر التسعينيات، كان المرضى في القرى يعانون من صعوبة الحصول على العلاج، سواء بسبب بُعد المستشفيات أو ارتفاع تكاليف الفحوصات والإشعاعات، من هنا جاءت فكرة تأسيس جمعية خيرية تخفف عن الناس معاناتهم، حيث اجتمع الأهالي بين عامي 1998 و1999، وتم إشهار الجمعية رسميًا عام 2000،البداية كانت متواضعة، تعتمد على التبرعات الصغيرة التي يجمعها "عم عبده" من المنازل والأهالى، لكنها كانت كافية لإطلاق شرارة العمل الجماعي. خطوة نحو الحلم الكبير في عام 2010، قرر مجلس إدارة الجمعية برئاسة عبده ميزان أن يبني مقرًا متعدد الأدوار، ليكون أكثر من مجرد مكتب صغير، شارك الأهالي جميعًا في البناء، كل حسب قدرته، مسلمين ومسيحيين، من داخل القرية وخارجها، حيث خُطط أن يضم عيادات خارجية وصيدلية وربما غرف عمليات مستقبلًا، ليخفف عن الأهالى عناء الإنتقال سواء لمدينة أسوان أو السفر إلى القاهرة. اللقاء مع مجدي يعقوب التحول الأكبر جاء في عام 2015، حين زار الدكتور مجدي يعقوب مقر الجمعية،حيث كانت الزيارة حدثًا استثنائيًا في حياة القرية، إذ شعر الأهالي أن جهودهم لم تذهب سدى، أعجب يعقوب بالمكان، بموقعه الفريد، وبتهويته الطبيعية، وبمساحته الواسعة التي تسمح بإنشاء مركز طبي متكامل، وأعرب "ميزان" عن سعادته بتلك الزيارة قائلاً: " الموتى فى المقابر فرحوا بهذا الصرح الطبى العالمى" يقول "عم عبده" إن الدكتور يعقوب خاطبهم ببساطة وود قائلاً: "أنتم عملتوا لنا المكان ده "، ومن هنا بدأ الاتفاق على أن يستأجر يعقوب المبنى بمقابل أجر رمزى ، تورَّد باسم الجمعية في البنك. ومن جانبه اضاف أشرف جلال الدين، رئيس جمعية أصدقاء المرضى حالياً، أن بعد تلك الزيارة، بدأت مرحلة جديدة، خلال عامين من التجهيزات، تحول المبنى إلى مركز تابع لمؤسسة مجدي يعقوب، مجهز بأحدث الأجهزة الطبية، في عام 2018 تقريبًا بدأ التشغيل الفعلي، لتصبح بلانة على خريطة الطب العالمي. اليوم، كل أسرة في بلانة لها ملف طبي في المركز، وتُجرى لها فحوصات سنوية شاملة، من القلب إلى الأعصاب، ومن الضغط إلى السكر، هذه الخدمة التي يحلم بها كثيرون، أصبحت واقعًا لأهالي قرية نوبية صغيرة، بفضل جهود جمعية أهلية بدأت بتبرعات بسيطة. وأكد الدكتور مصطفى كافى، من أبناء قرية بلانة، أن الحاج "ميزان" يمثل قدوة للأجيال، لأن أثره يمتد عبر الزمن ولا يقتصر على جيل واحد، مشيرًا إلى أن مثل هذه الشخصيات تظل مصدر إلهام وتعليم للأبناء والأحفاد، مضيفاً أنه كان حاضرًا في مختلف المبادرات الاجتماعية والخيرية التي تهدف إلى دعم الأسر المحتاجة وتعزيز روح التكافل بين أبناء القرية، مما جعله رمزًا للعطاء والالتزام بالقيم الإنسانية. وأشار إلى أن إنجازاته لم تكن مجرد مبانٍ أو مشاريع فقط، بل كانت رسائل عملية للأجيال حول أهمية العمل الجماعي والإصرار على تحقيق الأهداف، حيث ظل الحاج ميزان مثالًا حيًا على أن الفرد يمكن أن يكون نقطة انطلاق لتغيير واسع يخدم المجتمع بأسره. بينما أشاد أحمد عبد الرحمن، مدرس من أبناء قرية بلانة، بالدور المجتمعي البارز الذي يقوم به "ميزان" مؤكداً أن الجميع يشهد له بالعطاء والبذل المتواصل منذ سنوات طويلة، حيث كان من الشخصيات التي عاصرت فترة التهجير وحتى الاستقرار في بلانة الجديدة، وظل حاضرًا في مختلف المؤسسات التنموية بالقرية. وأشار إلى أنه يُعد أحد مؤسسي جمعية أصدقاء المرضى، حيث ساهم منذ بداياتها في تطوير خدماتها، بدءًا من المقر القديم وصولًا إلى المقر الجديد الذي تحول لاحقًا إلى مركز مجدى يعقوب لدراسات القلب ببلانة، وهو صرح طبي واجتماعي ينسب الفضل في إنشائه بعد الله سبحانه وتعالى إلى جهوده المتواصلة. وأوضح أن " ميزان " تميز بأسلوبه الفكاهي والودود في جمع التبرعات من أهالي القرية، حيث كان يستثمر علاقاته الطيبة مع مختلف الطوائف، ويحرص على ألا تفوته فرصة لدعم العمل الخيري ومساعدة المرضى، مما جعله رمزًا للعطاء والوفاء في المجتمع .