محمد سليمان قلوب تبنى وأيادٍ تمنح.. سير لنماذج ملهمة لصناع الأمل، حين تصفو القلوب، تتجدد حكايات الخير، بعيداً عن الأضواء وضجيج الشعارات، حيث لا يقاس العطاء بحجمه، بل بصدقه، ولا تروى القصص بحثاً عن مجد، بل لتذكير الناس بأن الخير ممكن كل يوم، وأن التضامن ليس موسماً، بل سلوك حياة، وأن العطاء الصامت يصنع أثراً يبقى طويلا ًفى قلوب وعقول الناس. فى قرية بلانة النوبية التابعة لمركز ومدينة نصر النوبة بمحافظة أسوان، نشأت مبادرة أهلية بسيطة تحولت مع مرور الوقت إلى إنجاز طبى عالمى، بطل هذه القصة هو عم عبده ميزان، الرجل التسعينى الذى عرفه الأهالى بصدقه واندفاعه لخدمة الآخرين، وبابتسامته الصادقة التى كانت كافية لإقناع الناس بالتبرع لبناء مقر جمعية أصدقاء المرضى، ليصبح هذا المبنى فيما بعد جزءًا من مؤسسة الدكتور مجدى يعقوب لعلاج أمراض القلب. وحكى عبده ميزان عن بداية الفكرة قائلاً إن فى أواخر التسعينيات، كان المرضى فى القرى يعانون من صعوبة الحصول على العلاج، سواء بسبب بُعد المستشفيات أو ارتفاع تكاليف الفحوصات، من هنا جاءت فكرة تأسيس جمعية خيرية تخفف عن الناس معاناتهم، حيث اجتمع الأهالى وتم إشهار الجمعية رسميًا عام 2000. البداية كانت متواضعة، تعتمد على التبرعات الصغيرة التى يجمعها «عم عبده» من المنازل والأهالى، لكنها كانت كافية لإطلاق شرارة العمل الجماعي. وفى عام 2010، قرر مجلس إدارة الجمعية برئاسة عبده ميزان أن يبنى مقرًا متعدد الأدوار، ليكون أكثر من مجرد مكتب صغير، شارك الأهالى جميعًا فى البناء، كل حسب قدرته، مسلمين ومسيحيين، من داخل القرية وخارجها، حيث خُطط أن يضم عيادات خارجية وصيدلية وربما غرف عمليات مستقبلًا، ليخفف عن الأهالى عناء الانتقال سواء لمدينة أسوان أو السفر إلى القاهرة. التحول الأكبر جاء فى عام 2015، حين زار الدكتور مجدى يعقوب مقر الجمعية، حيث كانت الزيارة حدثًا استثنائيًا فى حياة القرية، إذ شعر الأهالى أن جهودهم لم تذهب سدى، أعجب يعقوب بالمكان وبموقعه الفريد وتهويته الطبيعية وبمساحته الواسعة التى تسمح بإنشاء مركز طبى متكامل، وأعرب «ميزان» عن سعادته بتلك الزيارة. وقال عم عبده إن الدكتور يعقوب خاطبهم ببساطة وود قائلاً: «أنتم عملتوا لنا المكان ده»، ومن هنا بدأ الاتفاق على أن يستأجر يعقوب المبنى بمقابل أجر رمزى، تورَّد باسم الجمعية فى البنك. ومن جانبه أضاف أشرف جلال الدين، رئيس جمعية أصدقاء المرضى حالياً، أن بعد تلك الزيارة، بدأت مرحلة جديدة، وخلال عامين من التجهيزات تحول المبنى إلى مركز تابع لمؤسسة مجدى يعقوب، مجهز بأحدث الأجهزة الطبية. وفى عام 2018 بدأ التشغيل الفعلي، لتصبح بلانة على خريطة الطب العالمى. اليوم، كل أسرة فى بلانة لها ملف طبى فى المركز، وتُجرى لها فحوصات سنوية شاملة، من القلب إلى الأعصاب، ومن الضغط إلى السكر، هذه الخدمة التى يحلم بها كثيرون، أصبحت واقعًا لأهالى قرية نوبية صغيرة، بفضل جهود جمعية أهلية بدأت بتبرعات بسيطة. وأكد الدكتور مصطفى كافى، من أبناء قرية بلانة، أن الحاج «ميزان» يمثل قدوة للأجيال، لأن أثره يمتد عبر الزمن ولا يقتصر على جيل واحد، مشيرًا إلى أن مثل هذه الشخصيات تظل مصدر إلهام وتعليم للأبناء والأحفاد، مضيفاً أنه كان حاضرًا فى مختلف المبادرات الاجتماعية والخيرية التى تهدف إلى دعم الأسر المحتاجة وتعزيز روح التكافل بين أبناء القرية، مما جعله رمزًا للعطاء والالتزام بالقيم الإنسانية. وأشار إلى أن إنجازاته لم تكن مجرد مبانٍ أو مشاريع فقط، بل كانت رسائل عملية للأجيال حول أهمية العمل الجماعى والإصرار على تحقيق الأهداف، حيث ظل الحاج ميزان مثالًا حيًا على أن الفرد يمكن أن يكون نقطة انطلاق لتغيير واسع يخدم المجتمع بأسره.. بينما أشاد أحمد عبد الرحمن، مدرس من أبناء قرية بلانة، بالدور المجتمعى البارز الذى يقوم به «ميزان» مؤكداً أن الجميع يشهد له بالعطاء والبذل المتواصل منذ سنوات طويلة، حيث كان من الشخصيات التى عاصرت فترة التهجير وحتى الاستقرار فى بلانة الجديدة، وظل حاضرًا فى مختلف المؤسسات التنموية بالقرية. وأشار إلى أنه يُعد أحد مؤسسى جمعية أصدقاء المرضى، حيث ساهم منذ بداياتها فى تطوير خدماتها، بدءًا من المقر القديم وصولًا إلى المقر الجديد الذى تحول لاحقًا إلى مركز مجدى يعقوب لدراسات القلب ببلانة، وهو صرح طبى واجتماعى ينسب الفضل فى إنشائه بعد الله سبحانه وتعالى إلى جهوده التى لا تتوقف.