منذ انطلاقتها مساء الخميس الرابع من فبراير، لم تكن الدورة الثالثة والعشرون من «أيام الشارقة التراثية» مجرد تظاهرة احتفالية تعيد عرض الماضى فى قوالب بصرية جذابة، بل جاءت بوصفها مشروعاً ثقافياً متكاملاً يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وتراثه، وبين الذاكرة والحاضر، وتحت شعار «وهج الأصالة» فتحت الشارقة أبواب ذاكرتها على مصاريعها، وقدمت للعالم نموذجاً فريداً فى صون التراث بوصفه فعلاً حياً لا مادة جامدة محفوظة فى المتاحف. امتدت فعاليات «أيام الشارقة التراثية» حتى منتصف فبراير لتتحول الإمارة خلال هذه الأيام إلى مسرح مفتوح للذاكرة الشعبية، ومختبر ثقافى تتقاطع فيه التجارب الإنسانية القادمة من 27 دولة.. فمن قلب الشارقة وفى منطقة التراث شهد الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمى، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة انطلاق الدورة الجديدة فى مشهد حمل دلالاتٍ رمزية عميقة. فى لحظة الافتتاح لم تتقدم الكلمات بل تقدمت الصورة والصوت والحركة فالعيالة والحربية والرزحة والندبة ليست مجرد فنون شعبية ولكنها أنماط تعبيرية تختزن ذاكرة الجماعة، وقوافل الجمال والصقور والعروض التراثية اجتمعت فى مشهدٍ واحد ليصوغ سردية بصرية تعيد وصل الحاضر بجذوره الأولى. وفى خضم الفعاليات جاءت تصريحات الدكتور عبد العزيز المسلم رئيس معهد الشارقة للتراث لتضع الإطار الفكرى لهذه الدورة معتبراً أن النسخة الحالية تمثل محطة مفصلية فى تاريخ الحدث الممتد منذ 23 عاماً، وأكد المسلم أن هذه الدورة هى الأكثر تميزاً من حيث الأرقام والتحول البنيوى لتعود الأيام بروح جديدة وبنية تحتية مختلفة ومساحاتٍ أوسع وساحاتٍ أُعيد تصميمها لتحتضن التجربة التراثية بوصفها تجربة غامرة. وأشار المسلم إلى أن خلق أثر ثقافى عميق هو الهدف الأساسى للدورة الحالية، موضحاً أن التراث ينبغى ألا يُقدم بوصفه فرجة فقط، بل معرفة وسؤالاً وحواراً.. ليذهب أبعد من ذلك ويؤكد أن الحدث بات ملتقى عالمياً للتراث مع طموح بتجاوز 300 ألف زائر واعتراف دولى تُوج بإصدار ستة طوابع بريدية خاصة بالمناسبة بجانب اهتمام منظمة اليونسكو بدور الأيام فى صون التراث الثقافى غير المادى. واخُتيرت البرتغال ضيف شرف للدورة تحت عنوان «حوارات بين الذاكرة والمستقبل»، حيث قدم الجناح البرتغالى نموذجاً لكيفية قراءة التراث بلغة معاصرة.. ففى قلب الجناح تتوسط طاولة كبيرة المساحة فى دلالة رمزية على ثقافة الجلوس إلى المائدة بوصفها فعلاً إنسانياً جامعاً إلى جانب العروض الموسيقية والرقصات التقليدية والغناء الجماعى وورش الحرف مثل: التطريز والنسيج والعزف على الجيتار البرتغالى لتجتمع جميعها وتقدم صورة لثقافة ترى فى التراث مادة حية قابلة لإعادة التأويل. وفى الأيام لا تبدو الأجنحة مجرد مساحات عرض بل تتحول إلى نصوص حية تُقرأ بالعين واليد، وتصاغ من الذاكرة والمهارة والوجدان، ليصبح التراث فعلاً إبداعياً معاصراً ويغدو الحرفى راوياً حقيقياً لتاريخ بلاده وهويته. ويتقدم الجناح المصرى المشهد بوصفه مساحة نابضة بالذاكرة والحرفة حيث تتجاور الفنون اليدوية القادمة من عمق التاريخ مع حكايات إنسانية معاصرة تعكس تنوع التراث المصرى واتساع جغرافيته من الصعيد إلى النوبة. وقدمت منار عبد الرازق ومريم نادر خلاله أعمالاً يدوية من فن «التلى» المُنفذ بخيوط الفضة أو الذهب فى نماذج تستحضر أناقة الحرفة الصعيدية ودقتها. بجانب المنسوجات حضرت مشغولات النحاس الأحمر والأبيض والأصفر المصنوعة بتقنية التقبيب فى تشكيلات جمعت بين البساطة والثراء البصرى، وأكدت قدرة الحرف التقليدية على البقاء والتجدد. ومن أقصى الجنوب شارك عوض أنور على من محافظة أسوان بأعمال تنطلق من اهتمام عميق بالتراث النوبى خاصة منتجات الخوص اليدوية وتميزت مشاركته ببعد اجتماعى لأنه يقود جمعية أهلية فى قريته تهدف إلى تشغيل السيدات فى الصناعات اليدوية، بما يحفظ الحرفة ويحوّلها إلى مصدر تمكين اقتصادى وثقافى. وسجل نور الدين إسماعيل حضوره الأول فى الأيام، مقدماً فوانيس مصنوعة يدوياً، إلى جانب ألواح خشبية نُفذت عليها آيات قرآنية بالحفر والحرق، لتضفى أعماله روحانية خاصة يلتقى خلالها الضوء بالنص، وتتحول القطعة التراثية إلى مساحة تأملية تستدعى الذاكرة الدينية والبصرية. وبجوار الجناح المصرى يتموضع الجناح الأردنى حيث تقدم ماجدة المشارقة تجربة فنية تمزج بين الخط العربى والزخرفة العربية، مستخدمة خاماتٍ متعددة ومنسوجاتٍ يدوية عكست أعمالها التراث العربى والإسلامى والتراث الأردنى. أما الجناح المغربى فقد مثلته حرفة الجلد عبر مشاركة خطابى محمد الذى قدم منتجاتٍ جلدية مصنوعة يدوياً بالكامل، لتستحضر القطع المعروضة مهارة الصناع المغاربة، حيث يلتقى الجلد الطبيعى مع التصميم العملى فى امتداد حى لأسواق المغرب التقليدية. وتخطف أعمال العارضين الأنظار يميناً تارة ويساراً تارة أخرى، لتستقر عند مجسمات منحوتة يدوياً فى جناح الكويت، مع أعمال المهندس أحمد العباسى، حيث تتحول الأخشاب الطبيعية إلى أشكال فنية تحافظ على روحها الأولى، وتؤكد أن الحرفة قادرة على التحول إلى فن معاصر دون أن تفقد أصالتها. ولا تقتصر الأيام على عرض المنتجات بل تقدم عرضاً حياً للتراث ففى ركن البيئة الزراعية، روى التراث بلغة الأرض من اليازرة إلى الداس والعتلة، ومن تنقية التمر إلى خياطة الجربان، حيث قدمت الزراعة بوصفها ملحمة يومية خاضها الأجداد بالصبر والعضلات والمعرفة، ليعيد الركن تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان، وتستعيد الأرض صوتها فى زمن تسارعت فيه الآلة. ولم تكتفِ الأيام بالبقاء فى قلب الشارقة بل امتدت إلى سبع مدن ومناطق هى: الشارقة- الحمرية- كلباء الذيد دبا- الحصن- خورفكان- ومليحة فى تأكيد على أن التراث ليس حكرا على مركز، بل موزع فى الجسد الاجتماعى كله. وفى الحمرية عادت البيئات البدوية والبحرية والزراعية لتحتل المشهد مع الأسواق التراثية والأسر المنتجة والعروض الشعبية فى صورة تعكس تفاصيل الحياة اليومية القديمة وفى كلباء اسُتعيدت ذاكرة المكان عبر المجالس والقهوة والهجن والنخيل فى تجربة حسية متكاملة. ولم تغب الأسئلة الفكرية عن المشهد فخلال فعاليات الأيام انطلقت جلسات ملتقى «دلونى على السوق»، ليتم تفكيك مفهوم السوق فى اللغات السامية القديمة بوصفه فضاء اقتصادياً وثقافياً فى آن واحد، كما أكدت ندوة «الكحل العربى» أن أبسط عناصر الحياة اليومية تحمل فى داخلها تاريخاً ومعرفة تستحق التوثيق. أثبتت أيام الشارقة التراثية رسالة ثقافية واضحة مفادها أن التراث لم يكن يوماً عبئاً من الماضى بل طاقة للمستقبل وأن الهوية لا تُصان بالانغلاق بل تُحفظ بالحوار والانفتاح كما وصفها الدكتور عبد العزيز المسلم بأنها فعالية عالمية بامتياز تتجاوز حدود المكان وتحمل رسالة إنسانية ترى فى التراث جسراً يصل بين الشعوب، ويمنح الذاكرة فرصة جديدة للحياة.