بينما يحتفل العالم في 14 فبراير بذكرى القديس الروماني فالنتين، الذي تحوّل اسمه إلى رمز للعشق والتضحية منذ القرن الثالث الميلادي، كانت مصر القديمة قد سبقت هذا التاريخ بآلاف السنين في تخليد الحب، لا بكلمات عابرة، بل بمعابد شاهقة، وتماثيل نابضة بالمشاعر، وبرديات تحمل أصدق اعترافات القلب. الحب عند المصري القديم لم يكن مجرد عاطفة، بل قيمة مقدسة، وطقسًا إنسانيًا، ورسالة خالدة نُقشت على جدران المعابد واحتضنتها نصوص الشعر والغزل. ◄ أبو سمبل.. حين بنى ملك معبدًا لحبيبته يشير الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو المجلس الأعلى للثقافة، إلى أن المصريين القدماء جسّدوا الحب قبل ظهور "فالنتين" بقرون طويلة، وخلّدوا قصص العشق في العمارة والفن. ومن أعظم شواهد ذلك معبدا معبد أبو سمبل، حيث لم يكتفِ الملك رمسيس الثاني بتخليد انتصاراته، بل خصّ زوجته الملكة نفرتاري بمعبد كامل يقف إلى جوار معبده، في سابقة معمارية نادرة. وقد وصفها في نقوشه ب"جميلة جميلات الدنيا، المحبوبة التي لا مثيل لها، النجمة التي تشرق مع مطلع كل عام جديد، كانت نفرتاري "الزوجة الملكية العظمى"، وظهرت في النقوش بنفس حجم الملك تقريبًا، في رسالة فنية واضحة تؤكد مكانتها ومحبته لها.. حتى استحقت بجدارة لقب" ملكة جمال مصر القديمة". - في بهو المتحف.. الحب يجلس على العرش في بهو المتحف المصري، تقف شواهد أخرى على عظمة المشاعر الإنسانية في الحضارة المصرية، قصة حب الملك أحمس الأول وزوجته أحمس-نفرتاري، التي قدّسها الشعب بعد وفاتها، وجلسَت مع ثالوث طيبة المقدس (آمون وموت وخونسو)، تجسد مكانة الزوجة المحبوبة التي تتحول إلى رمز روحي. اقرأ ايضا| لعيد الحب.. صور لمشاركتها مع عائلتك وأصدقائك وشريك حياتك أما الملك أمنحتب الثالث، فقد تحدّى التقاليد من أجل محبوبته "تيي" ، رغم أنها لم تكن من دماء ملكية، وأمر بتعديل الأعراف الدينية ليتزوجها، بل أنشأ لها بحيرة شاسعة ومعبدًا خاصًا في صادنقا جنوب وادي حلفا، ويشهد المتحف تمثالًا عملاقًا يجلس فيه الملك إلى جوار "تيي" بالحجم نفسه، في دلالة بليغة على المساواة والاعتزاز. ولم تكن التماثيل مجرد أعمال فنية، بل رسائل عاطفية: زوج يحيط كتف زوجته، أو زوجة تضع يدها برقة على عنق زوجها، أو تتشابك الأيدي في مشهد دافئ يعكس الحب والدعم والمشاركة. دفء أسري خالد من أبرز النماذج تمثال "سنب" القزم وأسرته من الأسرة الخامسة، حيث تجلس الزوجة إلى جواره في حنان واضح، بينما يقف الأبناء في احترام.. لوحة أسرية كاملة تختصر معنى الاستقرار والمودة. وعلى ظهر عرش الملك توت عنخ آمون، يظهر الملك جالسًا في بساطة، بينما تميل نحوه زوجته برقة، تمسك بإناء عطر وتلمس كتفه بحنان، مشهد إنساني دافئ يخرج من إطار الرسمية الملكية إلى دفء العلاقة الخاصة، كما يقف الزوار طويلاً أمام تمثال رع حوتب وزوجته نفرت من الأسرة الرابعة، كأنهما قصة حب صامتة تحكي نفسها بلا كلمات. - رسائل إخناتون.. قلب يتكلم في تل العمارنة، عُثر على مئات الرسائل التي تعود إلى عصر الملك إخناتون، ومن بينها كلمات حب رقيقة لزوجته نفرتيتي، يقول فيها: "أقسمتُ بك يا إلهي أن تجعلها نورًا في قلبي لا ينطفئ،وتجعلني عودًا في ظهرها لا ينكسر، فهي مني وأنا منها، وكلانا سر وجود الآخر. كما تكشف برديات الغزل عن مشاعر فتاة عاشقة تقول: لقد أثار حبيبي قلبي بصوته.. قلبي يسرع حين أفكر فيه.. لم أعد أعرف كيف أرتدي ملابسي أو أضع مساحيق عيني، كلمات تكاد تشبه أغاني الحب الحديثة، لكنها كُتبت منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام. - أنشودة الحب الخالد.. إيزيس وأوزوريس وتظل أسطورة إيزيس وأوزوريس أعظم تجليات الوفاء في التاريخ المصري القديم، حين غدر ست بأخيه أوزوريس وألقاه في النيل داخل تابوت ذهبي، لم تستسلم إيزيس، بل جابت البلاد بحثًا عنه حتى وصلت إلى مدينة بيبلوس في أرض فينيقيا، وبإصرارها وحبها أعادت إليه الحياة رمزيًا، وأنجبت حورس الذي حارب الشر وانتصر للعدل، قصة لم تكن مجرد أسطورة، بل رسالة خالدة بأن الحب قوة قادرة على مواجهة الموت والظلم والانكسار. إذا كان العالم يحتفل اليوم بعيد الحب في ذكرى قديس روماني، فإن مصر القديمة احتفلت به عمليًا منذ فجر التاريخ.. في معابد شامخة، وتماثيل متعانقة، وبرديات تنبض بالعشق، الحب في الحضارة المصرية لم يكن يومًا واحدًا في العام.. بل كان فلسفة حياة، ورسالة خلود، وأنشودة إنسانية لا تزال تتردد بين أحجار المعابد وعلى ضفاف النيل حتى اليوم.