فى زمن تُقاس فيه قوة الدول بأرقام الاحتياطى النقدي، ومعدلات النمو، وأسعار السلع فى الأسواق، يبدو الحديث عن الثقافة ترفاً نظريا فى نظر البعض، غير أن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير، فبينما تنشغل العيون بلقمة العيش، يبقى الوعى هو الخبز الحقيقى الذى يحفظ المجتمع من الجوع المعنوي، ويصونه من السقوط فى هاوية التطرف والظلام. لهذا، فإن وزارة الثقافة ليست وزارة خدمات عادية، وليست رفاهية يمكن تأجيلها إلى حين تحسن الظروف الاقتصادية. إنها فى تقديرى أخطر وزارة فى مصر، لأنها الوزارة التى تمسك بمفاتيح الوعي، وتحرس هوية وطن صنع تاريخه بالحرف قبل الحجر، وبالفكرة قبل السيف. مصر لم تكن يوماً دولة غنية بالموارد الطبيعية. لم تُمنح جبالا من الذهب، ولا بحيرات من النفط. لكنها مُنحت ما هو أثمن.الإنسان المصري. مُنحت الموهبة كقدر تاريخي، والخيال كطاقة متجددة، والقدرة على الحكى كهوية حضارية. من رحم هذا المكون البشرى خرجت الحضارة، وارتفعت المعابد، وتكونت مدرسة الفن، وازدهرت الرواية، وتوهج المسرح، وصارت القاهرة عاصمة للثقافة العربية لعقود طويلة. هنا يتعاظم دور وزارة الثقافة باعتبارها وزارة أمن قومى بالمعنى العميق للكلمة. فالأمن ليس فقط حدودا تُحرس، ولا سلاحاً يُشهر، بل عقلاً يُحصَّن، ووجداناً يُربّى، وذوقاً عاماً يُصان. حفظ الهوية المصرية، وتطويرها وتجديدها، والتواصل مع الأجيال الجديدة بلغتها وأدواتها، ليست مهاماً ثانوية؛ إنها معركة وعى لا تقل خطورة عن أى معركة أخرى. حين يجد كل طفل موهوب قصر ثقافة يفتح له بابه، أو مسرحاً يمنحه خشبته، أو دار أوبرا تستوعب صوته، فإننا لا نرعى موهبة فحسب، بل نبنى جدارا منيعاً ضد التطرف. فالموهبة التى تجد طريقها إلى الضوء، لا تبحث عن ظلام تختبئ فيه. ولن تجد مبدعا حقيقيا يقع فى براثن الأفكار الظلامية؛ لأن الفن بطبيعته انحياز للحياة، ورفض للقبح، وتمرد على الانغلاق. الثقافة مصنع مواهب حقيقي، لكنها ايضا مصنع مواطنين أسوياء. هى التى تمنح الإنسان رهافة الحس، وقدرة على الاختلاف دون اقتتال، ونضجا فى التفكير، وتقديرا للجمال. ومن دون هذا المخزون القيمي، يصبح المجتمع هشا ، سهل الاختراق، سريع الاشتعال. ولذلك، ينبغى أن تكون الثقافة أحد أهم أعمدة المبادرات الوطنية الكبرى، وعلى رأسها «حياة كريمة». فالحياة الكريمة لا تقتصر على سكن لائق أو بنية تحتية حديثة، بل تشمل حق الإنسان فى الوصول إلى المعرفة، والفن، والكتاب، والمسرح. أن تمتد قصور الثقافة إلى القرى والنجوع، وأن تتحول إلى منصات لاكتشاف الطاقات الشابة، هو استثمار طويل الأمد فى استقرار الوطن. إن وزارة الثقافة ليست مجرد جهة تنظم معارض أو مهرجانات، بل هى نقطة الضوء التى تمنح مصر مكانتها بين الأمم، وفى محيطها الإقليمي. بها تستعيد القاهرة دورها التنويري، وبها تتجدد القوة الناعمة التى طالما كانت درعا غير مرئى يحمى مصالح الدولة. فى لحظة تتزاحم فيها التحديات الاقتصادية والسياسية، قد يبدو التركيز على الثقافة مغامرة. لكنه فى الحقيقة ضمانة. فالاقتصاد ينهض حين يسانده وعي، والسياسة تستقر حين يحرسها عقل مستنير. إن أخطر وزارة فى مصر هى تلك التى تصنع العقول. ومن يملك العقل... يملك المستقبل.