في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، يعكس الاتصال الهاتفى الذى تلقاه الرئيس عبد الفتاح السيسى من نظيره الإيرانى مسعود بزشكيان ملامح ثابتة فى السياسة المصرية تجاه الشرق الأوسط، قوامها إدارة الأزمات لا الانخراط فيها، وتغليب منطق الدولة على منطق الصدام، والبحث عن الاستقرار بوصفه شرطًا مسبقًا لأى تنمية أو توازن إقليمى. موقف مصر من تطورات الملف النووى الإيرانى، كما عبّر عنه الرئيس السيسى، لا ينفصل عن رؤية أشمل للمنطقة التى أنهكتها الحروب بالوكالة والصراعات المفتوحة. فالقاهرة تدرك أن أى تصعيد عسكرى جديد لن يكون محدود الأثر، بل ستتدحرج تداعياته سريعًا على أمن الخليج، وأمن الملاحة الدولية، وأسعار الطاقة، وصولًا إلى الأمن القومى العربى برمته. ومن هنا يأتى الرفض المصرى الصريح للحلول العسكرية، والتأكيد على أن الدبلوماسية وحدها قادرة على تفكيك الأزمات المركبة. الدور المصري هنا ليس موقفًا أخلاقيًا مجردًا، بل تعبير عن وزن سياسى وخبرة تاريخية فى إدارة التوازنات. فمصر تحافظ على قنوات تواصل مع مختلف الأطراف المتعارضة، وتتحرك باعتبارها دولة مركزية لا تبحث عن مكاسب آنية، بل عن استقرار طويل المدى. هذا ما يفسر سعيها المستمر لإعادة الولاياتالمتحدة وإيران إلى طاولة المفاوضات، باعتبار أن غياب الحوار يفتح الباب أمام سيناريوهات الفوضى. وفي هذا السياق، تكتسب الإشارة إلى لقاء الرئيس السيسي مع دونالد ترامب على هامش منتدى دافوس دلالة خاصة، إذ تعكس محاولة مصر توظيف علاقاتها الدولية للضغط باتجاه الحلول السلمية، وربط الاستقرار الإقليمى بالاستقرار الدولى، فى زمن لم تعد فيه الأزمات محلية التأثير. أما تقدير الجانب الإيرانى للدور المصرى، فيؤشر إلى إدراك متزايد بأن القاهرة تمثل طرفًا عقلانيًا يمكن البناء عليه فى خفض التوتر، لا سيما فى منطقة تعانى من فائض الاستقطاب ونقص الثقة. وهو ما يعزز موقع مصر كوسيط موثوق، وصوت اتزان فى إقليم يموج بالاضطرابات. خلاصة القول، إن السياسة المصرية فى الشرق الأوسط، كما تجلت فى هذا الاتصال، تقوم على معادلة واضحة: لا استقرار دون حوار، ولا أمن دون توازن، ولا حلول دائمة إلا عبر الدبلوماسية. وهى معادلة تعكس طبيعة القيادة السياسية المصرية التى اختارت أن تكون جزءًا من الحل، لا طرفًا فى الأزمة.