كان يوما مشهودا ومبشرا بالخير، بانطلاق قمة السلام فى شرم الشيخ.. مرحلة جديدة تحمل ملامح التحول فى الشرق الأوسط، حيث تسعى مصر إلى إعادة رسم خريطة المنطقة برؤية قائمة على العقلانية والتعاون والاستقرار، بعد عقود من الصراعات التى أنهكت الشعوب.. نقطة انطلاق استراتيجية نحو واقع مغاير يحاول تجاوز منطق الحروب إلى مسار التنمية والسلام. وجاءت قمة شرم الشيخ لتؤكد على مركزية الدور المصرى فى قيادة حوار إقليمى جديد يعيد التوازن إلى منطقة مضطربة، ويعيد الثقة فى الحلول السياسية بعد سنوات من الجمود، وأعادت القمة طرح خيار حل الدولتين كخيار واقعى وحتمى لإنهاء الصراع الفلسطينى الإسرائيلي، فى وقت تتزايد فيه القناعة بأن السلام الحقيقى يولد من سياسات تتجاوز الحسابات والمزايدات، وفتح مسار جديد يقوم على استعادة الثقة بين الأطراف. اللافت فى القمة كان الموقف الأمريكى الذى أعلنه الرئيس دونالد ترامب، مؤكدًا انتهاء الحرب فى غزة وتوفير ضمانات حقيقية لعدم تجددها، مع نفى ما تردد عن مشروع «ريفيرا غزة»، بما يعنى إغلاق الباب أمام محاولات تهجير الفلسطينيين أو فرض واقع جغرافى جديد فى القطاع، وهذا الموقف يعكس تغيرًا فى أولويات واشنطن التى تبدو أكثر ميلًا إلى تثبيت الاستقرار الإقليمى بعد سنوات من إدارة الأزمات دون حلول جذرية. رغم ذاك الطريق إلى السلام لا يزال مليئًا بالعقبات، فالوضع الداخلى فى غزة يشهد تطورات مقلقة بعد اندلاع اشتباكات بين حركة حماس وعائلة دغمش، ما يثير مخاوف حقيقية من انزلاق القطاع إلى صراع داخلى قد يعرقل أى تسوية مرتقبة، وفى المقابل تبدو حكومة نتنياهو فى موقف حرج بعد فشلها فى تحقيق أهدافها العسكرية فى الحرب الأخيرة، الأمر الذى قد يدفعها إلى البحث عن مخرج عبر العودة إلى التصعيد لاعتبارات سياسية داخلية، وهذه المعطيات تجعل من التهدئة التى دعت إليها قمة شرم الشيخ إنجازًا يحتاج إلى دعم مستمر وإدارة حكيمة. ما حدث فى شرم الشيخ هو محاولة لتأسيس واقع جديد يعيد صياغة معادلة الأمن والتنمية فى المنطقة، وإذا ما كُتب لهذا المسار النجاح، فقد تكون بداية فعلية لشرق أوسط مختلف، يسوده السلام بدلاً من سباق التسلح والصراعات المفتوحة، أما إذا فُقد الزخم السياسى وغلبت لغة المصالح الضيقة، فقد تضيع الفرصة كما ضاعت من قبل. الخلاصة: تبقى قمة شرم الشيخ علامة فارقة فى تاريخ المنطقة، لأنها أعادت إلى مصر دورها القيادى كصاحبة مبادرات سلام فاعلة تسعى إلى بناء شرق أوسط خالٍ من الحروب، زاخر بالاستقرار ومفتوح على التنمية والأمل، وبين التفاؤل والحذر، يبقى الرهان على الإرادة السياسية فى تحويل هذا الزخم إلى واقع يليق بتطلعات شعوب أنهكتها الأزمات وتنتظر فجرًا جديدًا من السلام.