أمريكا نفسها حريصة على الربط بين ما حدث فى فنزويلا وما يمكن أن يحدث مع إيران. وزير الخارجية «روبيو» أكد فى شهادة مهمة أمام مجلس الشيوخ الأمريكى أن إيران كانت تمتلك نفوذا عميقا داخل فنزويلا يتجاوز التعاون العسكرى وصفقات السلاح لتكون مركز نفوذ إيرانى فى نصف الكرة الغربى ولتشكل خطرا على الأمن الأمريكى. قد يكون الهدف هو إقناع الداخل الأمريكى أن «العملية العسكرية» فى إيران ستكون سهلة كما كانت فى فنزويلا «وهو أمر مستبعد»!! والرد على الجناح المعارض للحروب الخارجية أن الخطر ليس بعيدا عن أمريكا بل كان قريبا جدا من حدودها وما تعتبره مناطق نفوذها فى القارة الأمريكية. ويبقى الأهم والأخطر فى الربط بين فنزويلاوإيران حيث يؤكد وزير الخارجية الأمريكى أنه لأول مرة منذ عشرين عاما نبحث بصورة جادة تقويض الوجود الإيرانى والنفوذ الصينى والروسى فى أمريكا اللاتينية. هذا هو بيت القصيد كما يقال. مطاردة النفوذ الصينى والروسى بكل الوسائل بما فيها استخدام القوة العسكرية. وإذا كان الحديث هنا عن أمريكا اللاتينية باعتبارها منطقة نفوذ أمريكى لا يجوز الاقتراب منها «وفقا لمبدأ مونرو الذى أحياه ترامب»!! إلا أن الواقع يقول إن الدائرة أوسع بكثير، والمبررات ستكون جاهزة فى كل الأحوال.. وهذا هو الخطر الأكبر الذى يواجه العالم اليوم بعد أن دخلت القوة العسكرية إلى ميدان الصراع على النفوذ بين القوى الكبرى. حتى الآن مازال الصراع محكوما.. روسيا منشغلة بحسم حربها فى أوكرانيا، والصين تستفيد من الفوضى التى تضرب العلاقات بين دول الغرب والأزمات التى تهدد ما كان من تحالفات بينها. فى الأسابيع الأخيرة حققت الصين العديد من الصفقات المهمة.. اتفاق شراكة تجارية مع أقوى جيران أمريكا«كندا» واختراق مهم فى العلاقات الاقتصادية مع بريطانيا مع زيارة رئيس الوزراء البريطانى ربما تفضى لاتفاق مماثل للاتفاق مع كندا، وتأكيدات أوروبية على تعاون أكبر مع «بكين»، بعد الضغوط الأمريكية. والأهم أن كل ذلك يأتى مع استمرار التقدم الاقتصادى «معدل نمو 7٪ فى العام الأخير» ومع المضى فى ترجمة القوة الاقتصادية إلى نفوذ سياسى وقوة عسكرية. وهذا هو التحدى الأكبر لأمريكا. أمريكا تدرك مخاطر الحرب على إيران. إسقاط النظام هناك ليس سهلا، وإذا سقط فلا يوجد بديل جاهز للحكم، والفوضى لن تقتصر «فى هذه الحالة» على إيران بل ستضرب المنطقة حولها وستكون المصالح الأمريكية هدفا لها، والأخطر من كل ذلك أن إيران ليست فنزويلا بالنسبة للصين وإلى حد كبير لروسيا أيضا. المخاطر كبيرة لكن إغراء القوة كبير أيضا، والقياس على ما حدث فى فنزويلا قد يكون طريقا للحسابات الخطأ فى أوضاع لا تحتمل ذلك على الإطلاق. مصر تبذل جهدها مع الأشقاء فى الخليج والأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة من أجل إيقاف التصعيد والعودة للحلول السياسية والدبلوماسية، والتفاوض الجاد من أجل تسوية شاملة تراعى مصالح كل الأطراف وتدعم استقرار المنطقة. ولعل من حقنا «أو من واجبنا» أن نذكر الجميع اليوم بأن الكثير مما نواجهه اليوم كان من الممكن تلافيه لو أن القوى الكبرى قد استجابت لاقتراح مصر إعلان الشرق الأوسط منطقة خالية من السلاح النووى، وأن الأمر مازال مطروحا ومطلوبا لو خلصت النوايا واختفت الحسابات الصغيرة والانحيازات غير العادلة. فى كل الأحوال، وسواء ذهبت الأوضاع إلى تفاوض جاد ومسئول أو إلى حرب سيخسر فيها الجميع.. يبقى إغراء القوة خطرا على العالم كله، ويبقى التوجه نحو «عسكرة» الصراع بين القوى الكبرى إنذارا للجميع بأن قانون القوة لا يمكن أن يكون بديلا لقوة القانون.