لم يكن تأهل المنتخب الوطنى لكرة اليد إلى نهائى بطولة إفريقيا أمام تونس اليوم مجرد انتصار عابر، بل هو انعكاس طبيعى لتفوق منظومة متكاملة بنيت على مدار سنوات من العمل والتخطيط وتواصل الأجيال حتى أصبحت كرة اليد المصرية واحدة من أقوى المدارس على مستوى العالم. النجاحات المتتالية التى حققتها المنتخبات الوطنية فى مختلف الفئات العمرية سواء على المستوى الإفريقى أو العالمى لم تأتِ من فراغ، بل جاءت نتيجة رؤية واضحة تعتمد على صناعة اللاعب منذ الصغر وإعداده فنيا وبدنيا وذهنيا ليكون قادرا على تمثيل مصر بأفضل صورة فى المحافل الكبرى. وخلال السنوات الأخيرة فرضت المنتخبات المصرية نفسها بقوة فى بطولات كأس العالم محققة نتائج تاريخية ومنافسة كبار اللعبة بندية واحترام فى مشهد يؤكد أن ما نراه اليوم هو حصاد مشروع طويل الأمد لا يعتمد على جيل واحد، بل على تواصل أجيال يسلم فيه الكبار الراية للصغار دون أن تهتز المنظومة. يشارك منتخب مصر الأول حاليا فى بطولة إفريقيا المقامة برواندا بقائمة مكتملة تجمع بين عناصر شابة وأصحاب خبرات. وقبل سفر الفراعنة جمعتنى مكالمة هاتفية مع خالد فتحى رئيس الاتحاد للاطمئنان على أحوال المنتخب ولمست خلالها حالة من القلق المشروع بسبب حافز الفوز القوى ووجود منتخبات منافسة مثل الجزائروتونس، خاصة بعد فتحها باب الاحتراف على مصراعيه. لكن مع انطلاق مشوار البطولة ظهر منتخب مصر بصورة مختلفة تمامًا؛ منتخب متكامل، يمتلك لاعبين مميزين فى كل مركز، ويتمتع بكفاءات كبيرة ما يؤكد أننا أمام منتخب قوى قادر على المنافسة عالميا. فالجمع بين صغر السن والاهتمام الفنى والاحتكاك القوى يعيد مصر مجددا إلى مصاف الكبار فى بطولات العالم. ويمتلك خالد فتحى رئيس اتحاد اليد عقلية متطورة ورؤية واضحة جعلت الاتحاد يعتمد عن قناعة على أبنائه الناجحين فى دعم منظومة اللعبة وتطويرها. ومن هذا المنطلق، منح الاتحاد ثقته لمؤمن صفا أحد خبراء كرة اليد وأمين الصندوق السابق، الذى لعب دورا بارزا فى إحداث نقلة إعلامية ومالية داخل الاتحاد ومع توليه ملف إدارة المنتخبات أصبحت المنظومة تضم مسئولًا فاهما متابعا ويمتلك رؤية فنية كبيرة وهو ما انعكس بوضوح على نتائج المنتخبات خاصة على مستوى الناشئين. فباتت مصر حاضرة بقوة فى كل بطولة يشارك فيها الاتحاد سواء كانت عالمية أو إفريقية أو عربية بفضل اختيارات دقيقة ومنافسة قوية داخل الدورى المحلى. وشهدت كرة اليد المصرية قفزة واضحة على مستوى الدورى الممتاز الذى أصبح قويا ومنتظما نتيجة الاهتمام غير العادى باللعبة خلال السنوات الأخيرة من الاتحاد بتنظيم مسابقة قوية ومنتظمة واهتمام الأندية بفرقها وتدعميها بأفضل الكفاءات التدريبية واللاعبين المميزين ورغم هذه الإيجابيات تظل هناك بعض الملاحظات أبرزها ما يتعلق بالتحكيم فى بعض المباريات، حيث تدار مواجهات كبيرة أحيانًا بواسطة حكام لا تتناسب خبراتهم مع حجم وأهمية المباريات لأن الاتحاد يمنح صلاحيات واسعة للحكام فى سن صغيرة، حيث يبدأ الحكم فى المراحل السنية الصغرى وهو يعامل باعتباره «فتوة» وهو ما يؤدى أحيانًا إلى شعور لاعبى الناشئين بالظلم نتيجة بعض القرارات العكسية الصادرة عن حكام يفتقدون للخبرة الكافية. ولا يمكن إغفال دور الطفرة الإنشائية الكبيرة فى الصالات المغطاة وارتفاع كفاءة الملاعب داخل الأندية، التى ساهمت بشكل مباشر فى اكتمال منظومة كرة اليد. وبفضل هذه العوامل أصبحت كرة اليد اللعبة الثانية فى مصر متفوقة على العديد من الألعاب الأخرى مدفوعة بسلسلة البطولات والإنجازات، فالنجاحات تصنع الشعبية وتزيد من الانتشار حتى بات لاعبو كرة اليد نجوما معروفين لدى الجماهير فى مشهد يعكس مستقبلًا مبشرا للعبة داخل مصر. الدعم الجماهيرى المتزايد خاصة فى البطولات الكبرى التى استضافتها مصر كشف عن ارتباط حقيقى بين الشارع الرياضى وكرة اليد وتحول اللاعبين إلى نجوم يحظون بالتقدير فى مشهد يعكس مدى التأثير الذى وصلت إليه اللعبة. الوصول إلى نهائى إفريقيا أمام تونس اليوم ليس هدفًا فى حد ذاته، بل خطوة جديدة فى مسار منتخب اعتاد المنافسة على الذهب ويؤمن بأن القميص المصرى لا يعرف سوى الطموح وأن كرة اليد ستظل واحدة من أقوى أسلحة الرياضة المصرية على الساحة الدولية. مفيش شك أن إمام عاشور لاعب موهوب وهو الأفضل فى مصر فى الوقت الحالى ولكن على نجم الأهلى ومنتخب مصر ضرورة إدراك أن الموهبة وحدها لا تكفى لكى تحافظ على ما وصلت إليه من مكانة بدون عقلية احترافية تساعدك على المضى قدما فى مشوار التألق والإبداع وانتزاع آهات العشاق والمحبين، الذين سرعان ما ينقلبون لو شعروا بأنك لا تقدر موهبتك أو تعبث بمستقبل وسمعة ناديك. الأزمة الأخيرة التى افتعلها عاشور بسبب «قمصة» أو غيرة من زيزو أو خناقة على ركلة جزاء أو عدم الحصول على راتب سنوى مثله أبعادها ستكون خطيرة على مستقبل اللاعب الموهوب إذا لم يسارع بالاعتذار وتقبل عقوبة المليون ونصف المليون جنيه وإلا سيكون مصيره مثل كثيرين من موهوبى القلعة الحمراء الذين استمعوا لشياطين أهوائهم أو شهوة المال وندموا بعد فوات الأوان.