لم يكن مشهد إنقاذ الأتوبيس المدرسى الذى جرفته السيول بمنطقة دجلة فى المعادى مجرد لقطة بطولية عابرة عُرضت فى احتفال الشرطة الأخير، بل كان كاشفًا عن تحولٍ عميق فى فلسفة الدور، واتساع واعٍ فى مفهوم الوظيفة، وتطور حضارى فى العلاقة بين رجل الشرطة والمواطن. فما جرى هناك، عند مخر السيل، لم يكن عملية أمنية بالمعنى التقليدى، بل مهمة إنقاذ حياة، كان ثمنها المُحتمل «كما هو معلوم فى مثل هذه اللحظات» روح المنقذ نفسه. هذا المشهد يُعيدنا إلى سؤال قديم متجدد.. ما هى الشرطة؟ وهل يمكن اختزالها فى فكرة حفظ الأمن وحدها؟! الإجابة التى قدمتها الوقائع تقول بوضوح: لا. الشرطة المصرية لم تعد مؤسسة تمارس سلطة، ولا جهازًا يُستدعى فقط لضبط إيقاع الشارع، بل باتت وبالدليل مؤسسة خدمة عامة مباشرة، يكون المواطن فيها هو الغاية، لا الوسيلة، ويكون إنقاذ حياته أولوية تسبق أى اعتبار آخر. الفارق الجوهرى هنا أن «مُقدم الخدمة» قد يذهب إلى الموت طوعًا، ليمنح متلقيها فرصة جديدة للحياة. من الدفاع المدنى إلى إنقاذ المرضى والمسنين، ومن مواجهة الكوارث الطبيعية إلى اقتحام الحرائق لاستخراج مُحتجزين، ومن التعامل مع السيول والانهيارات إلى إنقاذ الحيوانات العالقة فى ظروفٍ قاسية. نحن أمام خريطة أدوار جديدة، تتجاوز الوظيفة التقليدية للشرطة، وتؤسس لوظيفة إنسانية شاملة، قوامها التدخل السريع، والجاهزية العالية، والاستعداد للتضحية. هذا التوسع فى الأدوار لم يكن عفويًا، بل نتاج رؤية أوسع لطبيعة الخدمة الأمنية فى الدولة الحديثة، ورهان واضح على تدريب وتجهيز العناصر الشرطية للتعامل مع السيناريوهات الأكثر قسوة وتعقيدًا، حيث لا يكون العدو مُجرمًا، بل كارثة، ولا تكون المعركة قانونًا، بل وقت وحياة. الأهم من ذلك، أن هذه الأدوار تضيف بُعدًا إنسانيًا وحضاريًا للعلاقة بين الشرطة والمجتمع، وتعيد تعريف الثقة على أساس الفعل لا الخطاب. هنا يصبح شعار «الشرطة فى خدمة الشعب» حقيقة تُقاس بعدد الأرواح التى تم إنقاذها، لا بعدد اللافتات المُعلقة على الجدران. فى عيدها، لا تحتفل الشرطة المصرية بتاريخها فقط، بل تحتفل بتحولها من جهاز يفرض النظام، إلى مؤسسة تحمى الحياة، ومن حارس للأمن، إلى مُنقِذ للأرواح. وحين تصبح مهمة إنقاذ المصريين ومساعدتهم هى أسمى أشكال الخدمة، فإننا لا نكون أمام شرطة قوية فقط، بل أمام دولة تفهم معنى الإنسان.