تحولت الموبايلات فى كثير من الأحيان إلى غرف مظلمة تسكنها أشباح رقمية تتسلل بصمت إلى وعى أطفالنا، مهددة بنيانهم النفسى والفكرى. وإدراكا لهذا الخطر الداهم، جاءت مبادرة الرئيس عبد الفتاح السيسى خلال احتفالية عيد الشرطة 74، لتضع القضية على رأس الأولويات الوطنية. لم تكن دعوته لتقنين استخدام الهواتف حتى سن معينة مجرد إجراء تنظيمي، بل اقرار «درع تشريعي» يستلهم تجارب دول كبرى مثل بريطانيا وأستراليا؛ والهدف ليس الوصاية، بل حماية اطفالنا من مخاطر الابتزاز النفسى والفكرى والاغتراب عن الواقع. وشهد الواقع المصرى حوادث هزت الرأى العام من برامج الموت المنتشرة على بعض المنصات مثل «تيك توك»، إلى ألعاب التحريض النفسى «الحوت الأزرق»، وصولًا إلى عصابات ابتزاز تستهدف القاصرات، مخلفة كوارث اجتماعية ونفسية، تؤكد أن الخطر ليس افتراضيًا بل حقيقى وملموس. وتتعدد النماذج العالمية الملهمة فى هذا الصدد، حيث وضعت بريطانيا وأستراليا ضوابط عمرية حازمة، واتخذت فرنسا خطوة جذرية بحظر الهواتف فى المدارس، أما الصين فاعتمدت حلولاً تقنية للحد من الاستخدام الليلى المفرط، وتعكس هذه التوجهات وعياً دولياً متزايداً بأن تحصين الأطفال رقمياً لم يعد ترفاً، بل ركيزة أساسية للأمن القومى. من هنا تنطلق أهمية المبادرة الرئاسية لتعزيز ثقافة حقوق الطفل وحمايته فى الفضاء الرقمى، ومواجهة مخاطر جسيمة كثيرة، مثل ما يعرف ب»الحسابات السوداء»، التى تتخفى خلف أسماء وصور زائفة، وتتسلل إلى غرف الأطفال عبر وسائل التواصل الاجتماعى للاستدراج والتنمر وبث الأفكار المسمومة، وتدخل حين يغيب الوعى وتضعف الرقابة. وفى قلب هذا الخطر ما يُعرف ب»الإنترنت المظلم»، تلك الغرفة السوداء التى تبتلع الشباب بعيدًا عن أعين الرقابة، وفى عالمها الخفى تنشط أسواق الجريمة المنظمة، من تجارة السموم الرقمية إلى بيع البرمجيات الخبيثة، وتعمل عصابات إلكترونية على استدراج الأطفال والمراهقين عبر ألعاب الأونلاين، مستغلة فضولهم وبراءتهم، والأخطر أن هذه البيئة الخفية تمنح المجرمين غطاء، مما يفتح الباب لجرائم ابتزاز مروعة يصعب تتبعها بالوسائل التقليدية. ولا تقل خطورة، التطبيقات المنتشرة على الهواتف الذكية، التى ترتدى ثوب البراءة بينما تخفى أضراراً حادة، وبات اختراق الخصوصية سهلاً عبر «حسابات ظل» توهم الطفل بالصداقة، ثم تطلب صوراً أو معلومات خاصة تُستخدم فى الابتزاز، وبعد ذلك التعرض المبكر لمحتوى عنيف أو متطرف، يلوث الوعى فى سن التكوين، ويحول الهاتف إلى «سارق محترف» لوقت الطفل وقدرته على التفكير. وروشتة الحماية تبدأ بالوعى الأسرى المبكر والرقابة الأبوية، وخلق بدائل اجتماعية ورياضية حقيقية. حماية الطفل تبدأ من البيت، لكنها لا تكتمل إلا بتشريعات من الدولة وتحرك وطنى شامل، يضمن أن تكون التكنولوجيا أداة للبناء لا للهدم، وجسراً للمستقبل لا فخاً يبتلع الأجيال.