ديڤيد بيرى ترجمة: أسماء يس ربما لا توجد مهنة وإن محفوفة بالمخاطر، تكمل الفن أكثر طبيعية من النقد. فمن ذا الذى يملك، فى نهاية المطاف، رؤية أفضل للخلفية الضرورية والتحديات الفريدة التى تنطوى عليها صناعة الفن من شخص يمارسه بنفسه؟ لكن، بالنظر إلى كل شىء بدءًا بالتحيزات الشخصية (إذا لم تمارسه بالطريقة التى أمارسه بها، فلا جدوى منه) وصولاً إلى احتمال تدمير العلاقات الشخصية (وربما ضياع فرص عمل مستقبلية)، قد يكون من الوهم، بل ومن الخطورة، إبداء رأيك للاستهلاك العام. إذا ما طمسنا الخط الفاصل بين النظرية الجمالية الفلسفية والنقد الرائج، لوجدنا أن الفنانين يمارسون النقد بشكل غير مباشر منذ بدايات ظهور النظرية الجمالية فالكثير من الفلسفة اليونانية والرومانية تتناول ما نسميه اليوم النظرية الجمالية باعتباره عنصرًا أساسيًّا فى تصورنا للعالم، مع أن مشروعها العام لا يتوافق تمامًا مع مفهومنا للفن. ويعتبر هؤلاء الفلاسفة، على نحو أدق، روادًا للتقليد العريق فى نقد الأشياء دون ممارستها أولاً (وهو ما أؤيده بشدة، على الأقل عندما يكون المرء مستعدًا للتفكر فيه بعمق). أما أقدم الفنانين النقاد الذين نعرفهم، فقد جاءوا من خلفيات بعيدة عن التقاليد الغربية مؤلف كتاب ناتياشاسترا، الذى قدم لنا المفهوم الهندى للراسا- الجوهر العاطفى للعمل الفنى، ذلك الشىء الذى يحركنا ولا يمكن وصفه- غير معروف، وربما كان هناك عدة مؤلفين على مر السنين، لكنه نص كتب بأسلوب شعرى مميز يشير إلى أنه من صنع يد ممارس للفن. كان شيهى رسامًا وكاتبًا صينيًّا من القرن السادس الميلادى، عمله الوحيد الباقى هو «سجل تصنيف الرسامين القدماء»، الذى يتضمن إطاره لفهم الرسم، أى «المبادئ الستة». وقبل أكثر من ألف عام من ظهور النظرية الجمالية الغربية، تناول شيهى الجدل الدائر حول الحرفية والفن حتى لو كان الفنان ماهرًا، فلن يتمكن من الارتقاء بنفسه فوق مستوى الحرفى العادى.. ربما يطلق على فنه اسم الرسم، لكنه فى الحقيقة لن يكون فنًا حقيقيًّا. فصدى الروح هبة من السماء، وموهبة فطرية يُولد بها الإنسان، تتدفق مباشرة من روحه». أما الشاعر والأمير العربى عبد الله بن المعتز، فقد وضع كتابه فى الشعر بعنوان «البديع» فى القرن التاسع الميلادى، قبل توليه لاحقًا عرش الخلافة العباسية (مات بن المعتز خنقًا، لكنها كانت مسألة سياسية، ليست انتقامًا من شاعر غاضب) ومع ذلك، فكلا العملين بمثابة تمارين ذهنية خالصة أكثر منهما وسيلة لكسب العيش: كان شيهى يرسم فقط كجزء من وظيفته كموظف مدنى فى التقاليد الكونفوشيوسية، وكان اهتمام ابن المعتز الدنيوى الوحيد هو الأعداء السياسيون. لنقدنا الحديث، الذى يتسم بنزعته الرأسمالية الجشعة، جذور راسخة فى القرن الثامن عشر فقد تتلمذ چوناثان ريتشاردسون الأكبر على يد چون رايلى، رسام البلاط الملكى للملك الإنجليزى ويليام أوف أورانج، وحاز حياة رغدة كرسام بورتريهات للعديد من النبلاء والوجهاء خلال النصف الأول من القرن الثامن عشر. إلا أنه حقق نجاحًا باهرًا بتأليفه عدة كتب حول كيفية تقدير فن الرسم فى العقدين الثانى والثالث من القرن الثامن عشر، وأبرزها «مقال فى نظرية الرسم» و«مقال فى فن النقد برمته» ( فى الأخير وردت أول الاستخدامات المُسجلة لكلمة «نقد»). وعلى الرغم من أنها كانت نثرية إلى حد ما، حتى مقارنة بعمل شيهى - إذ قام ريتشاردسون بتفصيل مقياسه الخاص المكون من ثمانية عشر نقطة فى سبع فئات منفصلة لتحديد «قيمة» اللوحة - فقد نالت شعبيتها الكبيرة لدى الطبقات الوسطى والتجارية المزدهرة، الذين يملكون ما يكفى من المال لشراء اللوحات، تمامًا مثلما نالت عند نبلاء كانوا يحاولون محاكاتهم، ولا يملكون، بالضرورة، ما يكفى لتوظيف الخبراء والمستشارين. دائمًا كان هناك توتر كبير حول مدى جدية النقد الفنى وتأثيره على الروح، ومدى كونه فنًا بحد ذاته، ومكانته كدليل استهلاكى غير رسمى فى بداياته، كان النقد نتاجًا تجاريًّا بحتًا فى إنجلتراوفرنسا، ومع انتشار الكتيبات والصحف الموجهة خصيصًا للطبقة الوسطى، أصبح النقد وسيلة جيدة لكسب الأموال لكل من يمتلك معرفة ولو بسيطة بالرسم، وقدرة على صياغة بعض الكلمات. ومثلما هو الحال فى النقد الحديث، كان مفيدًا أيضًا الإلمام بكيفية مخاطبة الجمهور: فأقدم نقد باقٍ عن صالون باريس، المعرض السنوى لرسامى الأكاديمية الملكية الفرنسية، هو كتيب مجهول المؤلف يتضمن انتقادًا لاذعًا للنبلاء الذين حضروا، ويشيد بالجمهور العام لكونه أكثر دراية بالفن الجيد. حتى وإن لم يتجاهل النبلاء الاهتمام بتحسين ذائقتهم: ففى أواخر حياته، اعتمد العالم الفرنسى الموسوعى ديدرو جزئيًّا على مراجعاته لمعرض الصالون الأدبى فى ستينيات وسبعينيات القرن الثامن عشر، التى كان ينشرها فى مجلته «المراسلات الأدبية والفلسفية والنقدية». كما أسهم حظر المراجعات عمومًا، والمراسلات خصوصًا، فى فرنسا، فى تعزيز مكانته الدولية، إذ دفعه ذلك إلى إرسالها للخارج، واقتناص دعم مستمر من كاترين العظيمة. تدريجيًّا أصبحت الصحف والمجلات الدورية المنبر الرئيسى للنقد الفنى، وبمجرد أن ترسخت هذه الممارسة - لدرجة أن الكتاب توقفوا عن استخدام الأسماء المُستعارة (لتقليل ردود الفعل السلبية على المراجعات) وتوقفوا عن قبول «الهدايا» من رعاياهم- أصبح نقد مختلف أشكال الفن وسيلة مضمونة للشهرة وكسب الرزق. أمضى ويليام هازليت عشرينياته رسامًا للبورتريه، ورغم إحباطه من افتقاره للموهبة، كما وصف نفسه، وعدم رغبته فى رسم بورتريهات أكثر إطراءً للأثرياء الذين كانوا يدفعون له، فإن دراسته أفادته كثيرًا عندما عُيِّن صحفيًّا. وسرعان ما انتقل إلى كتابة المراجعات النقدية للرسم، ثم للأعمال الأدبية، وانغمس فى كلا المجالين طوال مسيرته المهنية التى أوصلته إلى أن أصبح أحد أبرز كُتَّاب المقالات فى الإنجليزية (عملت لفترة فى مؤسسة تحمل اسمه، مع أننى لم أكن قد سمعت به قبل توظيف أعتذر لويليام ولكل من أسهم فى توظيفى). ولعل الشخص الذى كان له الأثر الأكبر والأكثر ديمومة على كل من النقد وفنه المفضل هو شارل بودلير من المفترض أن من يشتق اسمه ليصبح صفة لا يحتاج إلى مقدمة طويلة، لكن لحسن حظنا فى هذا السياق، أنه بالإضافة إلى الاحتفاء به بوصفه عبقريًّا حدد ملامح عصر كامل فى النقد والشعر، كان سيئًا للغاية فى إدارة المال، ويبدو أن هذا قد أسهم فى إنتاجه النقدى بقدر ما أسهم فيه شغفه المشتعل بتفسير سبب كون الجميع مخطئين فى فهمهم للعالم. ولد بودلير عام 1821، لعائلة ميسورة الحال توفى والده وهو فى السادسة، وأصبح زوج أمه سفيرًا فيما بعد، مما وفر لوالدته حياة يسيرة. ويبدو أن إسراف بودلير وكسله طوال حياته كانا تمردًا مباشرًا على والده، إن لم يكن غيرة فرويدية صريحة؛ فقد كان شارل شديد التعلق بوالدته. ومع أنهم شجعوه على دراسة القانون أو الدبلوماسية مثل زوج أمه، قرر أن يصبح كاتبًا بعد أن حصل على أموال تعادل صندوقًا اتئمانيًّا فى القرن التاسع عشر، وهو فى الحادية والعشرين. بدد بودلير أمواله بسرعة، وأصبحت بقية حياته عبارة عن دوامة من انتظار عمل كتابى شبه مُربح، والتنقل هربًا من الدائنين، والتوسل لوالدته للحصول على المال ولم تكن والدته راضية عن ذلك، حتى إنها كتبت ذات مرة: «يا له من أمر محزن! لو سمح شارل لزوج أمه بتوجيهه... لما ترك بصمة فى الأدب، هذا صحيح، لكن كنا سنصبح أسعد حالاً» وقد يساعد هذا والدتك التى تسألك عن سير كتابة السيناريو على فهم الأمور بشكل أفضل. كانت أول أعمال بودلير التى حظيت باهتمام جاد هى مقالاته النقدية لمعرضى 1845 و1846، التى، إلى جانب كونها مفعمة بالحياة وقاسية فى بعض الأحيان، سبقت (وربما ألهمت) نقد الانطباعيين للأكاديمية بنحو ثلاثين عامًا، مع العلم أنه لم يعش ليرى نتائجها فى هذه المقالات رسخ بودلير أسلوبه فى التفاعل العميق مع العمل الفنى، جاعلاً الوصف الحرفى للوحات ثانويًّا أمام المشاعر والأفكار التى أثارها العمل فى نفسه. مع أن هذه التوجهات ستزدهر فى نقده اللاحق، لا سيما مقالته «رسام الحياة الحديثة» عام 1863 وهى دراسة عن صديقه قسطنطين جاى نُشرت فى صحيفة «لو فيجارو» وابتكر فيها مصطلح «الحداثة»، فإن النموذج الذى وضعه للنقد الحديث قد ترسخ منذ البداية. منذ ذلك الحين واصل بودلير نشر النقد بشكل شبه متواصل كلما سنحت له فرصة الكتابة، ولكن بعد عقد من الزمن، طغى نشر ديوان «أزهار الشر» (من المفارقات أنه صدر فى نفس عام وفاة زوج أمه)، الذى كان يعمل على أجزاء منه منذ أن بدأ يجنى المال، على شهرته كناقد يقدم الديوان نظرة ثاقبة، وإن كانت آسرة، على الجنس والفناء والكآبة وقسوة الحياة الباريسية الحديثة آنذاك، وقد أثار إعجاب الفنانين بقدر ما أثار استياء عامة الناس. قوضى بودلير وناشره وغرما بتهمة الإساءة إلى الأخلاق العامة، كما مُنعت عدة قصائد فى الديوان منعًا باتًا، وحُذفت من الطبعات اللاحقة. لم يؤثر ذلك على سمعته كصوتٍ جديد جرئ، لكنه بالتأكيد لم يحسن مواهبه فى توفير الأموال. بعد عقد من صدور ديوانه «أزهار الشر» توفى بودلير، لكنه كان شاهدًا على بعض آثاره اللاحقة، إذ دافع عنه فيكتور هوجو علنًا، وتضاعفت شهرته بعد وفاته، وأشاد به رامبو وبروست وإليوت كأفضل شاعر فى عصره لم تسهم شهرته المتزايدة فى تحسين وضعه المالى أو ظروف عمله، رغم أنه حظى نسبيًّا بفترة وجيزة من الاستقرار والإنتاجية عندما سمحت له والدته بالعودة للعيش معها عام 1859. إلى جانب النقد والشعر والترجمة، كتب بودلير مقالاً عن تعاطيه الأفيون والحشيش، وعندما انتقل إلى بروكسل عام 1864 قرر أن يعيش تلك الحياة على أكمل وجه، بالكثير من الشرب والقليل من المال. وبعد أقل من عامين، أصُيب بجلطة دماغية قاسية، وقضى العام الأخير من حياته شبه مشلول غير قادر على الكلام بعد وفاته، سددت والدته ديونه (المتلتلة)، ورضيت فى نهاية المطاف بمكانته فى عالم الأدب. ورغم تشتت حياته، يتميز إنتاج بودلير المهنى بوحدة بديعة ثمة ترابط عميق بين نقده وشعره، بما فى ذلك هوس يكاد يكون جنونيًّا باستخلاص جمال ما يراه أمامه، سواء أكان حياة أم فنًا، بغض النظر عن الرأى السائد لكن بالنظر إلى الماضى، نجد أن قدرته على دفع كلا الشكلين نحو آفاق جديدة تبدو شبه مستحيلة، فالفن والنقد ليسا متناقضين روحيًّا كما يتصور بعض الفنانين، فهما فى جوهرهما محاولات لفهم شىء لا يوصف، وكما يبين بودلير نفسه، فإن النظرة الثاقبة والدقيقة، والمعرفة التاريخية، وموهبة الوصف الدقيق، فى أى وسيلة كانت، تفيد كليهما فائدة كبرى. مع ذلك، فإن الدافع الأساسى للفن هو تجسيد هذه الروح دون تفسيرها بالضرورة، وكشف الطاقة الكامنة فى رفة جناحى الفراشة؛ أما النقد فيهتم أكثر بتحديد ماهية الفراشة وفهم آلية عملها. كلاهما يساعد على استشعار المعنى الكامل للفراشة، لكن الوصول للنتيجة نفسها لا يعنى بالضرورة سلوك الطريق نفسه. تأمل هذا المقطع من كتاب «رسام الحياة الحديثة»، إذ يشرح بودلير مفهومه للحداثة، ولماذا يبدو جاى وكأنه يجسدها «يسعى جاى، من جانبه، لاستخلاص ما قد تحمله الموضة من جمال شعرى كامن فى التاريخ، واستنباط الأبدى من الزائل... من الأسهل، منذ البداية، الإقرار بقبح كل ما يتعلق بأزياء عصر ما، بدلاً من بذل الجهد لاستخلاص الجمال الغامض الذى قد تحمله، مهما كان ضئيلاً، الحداثة عابرة، وهاربة، وعرضية، ذلك النصف من الفن الذى يمثل النصف الآخر الأبدى والثابت». لكننى أعتقد أن هذا التناقض ليس مجرد جزء من الأصالة التى جعلته بالغ الأهمية، بل هو جزء مما يميز النقد عن النظرية الجمالية الأكاديمية، خاصة بعد بودلير. فهو لا يقيّم الأشياء وفق إطار محدد، بل يستجيب لما يراه ويشعر به فى اللحظة الراهنة، وأى اتساق فى أعماله إنما هو رهن بحدود مزاجه وأفكاره عن العالم. إنه جزء من «الصدى الروحى» وحيوية العمل الذى تحدث عنهما شيهى. وأى فكرة أو سرد أوسع نطاقًا هو نتاج عفوى، غير مُقيد بمفهوم عقلانى أو منطقى بحت. ونقده متسق ومدروس كحالته المزاجية ومشاعره، لكنه مُحدد بدقة (ومُصاغ ببراعة فى كثير من الأحيان) ويحمل شعر بودلير النزعة نفسها، لكن دون قيود. لم يفتقر بودلير لعقبات تعترض سبيل كتابته، ولكنى أتساءل عما إذا كان جزءًا من أسلوبه البطىء والمتقطع يعود إلى محاولته الموازنة بين هذه الدوافع المتضاربة (أو هروبه منها تمامًا عندما يعجز عن إيجاد أى توازن). كمبدأ تنظيمى، فالسياق المطلوب للنقد الجيد يكاد يكون مناقضًا للفن الجيد: فإذا كان الفن يدور حول التقاط خصوصية رؤية أو شعور ما، فالنقد يدور حول استيعاب تلك المشاعر، وإيجاد مكانها، وموازنتها مع بعضها بعضًا. قد يكون الالتزام برؤيتك مُحبطًا جدًا إذا واجهت سياقها الأوسع إذ تصبح المقارنة سارقة للبهجة: لماذا تبدع شيئًا ما بينما يعبر هذا الشىء، وذاك الشىء الآخر، عن الشعور نفسه؟ ما جدوى كلمات تبدو أقل شأنًا من العبقرية التى ألهمتك كتابتها؟ وإذا لم يجد عملك مكانه الأوسع، حتى وإن بدا فريدًا فى وجهة نظره أو أسلوبه، فهل يعنى ذلك أنك بعيد كل البعد عن نطاق المعنى أو القيمة فلا يستفيد منه أحد على الإطلاق؟ ربما شعر بودلير يومًا بهذه المشاعر، لكنه تجاوزها فى النهاية (كتب إلى والدته وسط ردود الفعل العامة الغاضبة، فيما يمكن اعتباره عملاً مذهلاً، سواء كان ثقة أو تظاهرًا بالرضا «أعلم أن هذا الكتاب بمزاياه وعيوبه، سيجد طريقه إلى ذاكرة الجمهور المثقف، جنبًا إلى جنب مع أفضل قصائد هوجو وجوتييه وحتى بايرون»). لكن حقيقة أن الأمر تطلب عبقرية تاريخية عالمية للتغلب على هذه التحديات، تشير إلى خطورة هذا العمل تحديدًا كهواية يكمن الخطر الكامن فى قضاء وقت طويل فى أى شىء آخر غير الفن فى أنه سيضعف أى حساسية أو غريزة تتيح لك الإبداع فى المقام الأول. وربما يتضاعف هذا الخطر عندما يكون عملك الآخر هو فحص تلك الغريزة بدقة شديدة لدرجة أنك قد تحتاج إلى قتلها تمامًا لفهمها. لا أقصد المبالغة ربما أريد فقط تبرير أسلوبى البطىء والشاق، وإن الأقل انحلالاً. من المؤكد أن الكثيرين ممن جاءوا بعد بودلير خاضوا غمار هذه المعضلة، غالبًا مع استخدام أقل للأفيون والتسول الفرويدى. ظهر أحد أنقى تعبيرات النزعة البودليرية فى خمسينيات وستينيات القرن الماضى فى مجلة «ARTnews»، التى وظفت مجموعة من الشعراء سيُعرَفون لاحقًا ب«مدرسة نيويورك» لمراجعة المشهد الفنى الحديث. شعراء أمثال راندال جاريل، وفرانك أوهارا، وچون آشبرى، وهم الذين لم يجنوا فى الغالب حتى مستوى معيشى لائق من نشر الشعر، حتى فى عصر تبدو فيه الكتابة مزدهرة كوسيلة لكسب العيش، وجدوا موضوعًا مثاليًا فى التعبيرية التجريدية وفن البوب Pop Art اللذين شاع استخدامهما: موهبة التعبير الموجز، أو ببساطة الإحساس الموسيقى الكامن فى الكلمات التى ساعدتهم كثيرًا عندما كُلفوا بالتعبير عن المساحات اللونية أو سرير مُلطخ بالطلاء مُعاد استخدامه. ومثل بودلير، مالت هذه المراجعات، إن لم تكن دائمًا خالية من التفاصيل الوصفية، إلى أن تكون أقل اهتمامًا بوصف شكل الشىء، وأكثر اهتمامًا بتجسيد الانطباع الذى يتركه فى مراجعة لمعرض روبرت راوشنبرج، كتب چون آشبرى، الذى لم يكن قد فاز بجائزة بوليتزر بعد، عن إحدى لوحاته المصنوعة بأسلوب الكولاچ «إنها لا تحمل ذلك الشعور بالمرور العابر، كما هو الحال فى لوحات شويترز... الفنان يمنحنا الإذن بألا نستمد من النظر إلى لوحاته سوى متعة الحياة البسيطة». ويتماشى هذا تمامًا مع بعض أعمال آشبرى الشعرية، التى مالت كذلك لتجنب اللغة أو الوصف المُنمق، مفضلة العمق البسيط المُتقن. إن عبارة «متعة الحياة البسيطة» تحمل من الثقل ما يكفى لترد فى كتاب، فضلاً عن مجلة (استمر آشبرى فى كتابة المراجعات والتحرير فى منافذ إعلامية مثل: نيويورك، ونيوزويك، وبارتيزان ريڤيو، حتى بعد فوز قصيدته «بورتريه شخصى فى مرآة محدبة» بجائزة بوليتزر عام 1975، بدافع الضرورة على الأرجح).