رئيس الطائفة الإنجيلية: رسائل الرئيس السيسي في إفطار الأسرة المصرية تؤكد أن الأسرة أساس تماسك المجتمع    خلال العشر الأواخر من رمضان.. توزيع عدد (1100) كرتونة مواد غذائية بقرى مركز ابو قرقاص    واشنطن تتهم طهران بنشر ادعاءات كاذبة بشأن حاملة طائراتها أبراهام لينكولن    صاروخ إيراني يحمل رؤوسا متفجرة يسبب عددا من الإصابات والخسائر بتل أبيب    وزير الخارجية الإسرائيلي: نتوقع من الحكومة اللبنانية خطوات جادة لمنع حزب الله من إطلاق النار    السفارة الأمريكية في بغداد تجدد دعوة رعاياها إلى مغادرة العراق فورا    "بدون ليزر أو شماريخ".. المساكني يوجه رسالة خاصة إلى جماهير الترجي قبل مواجهة الأهلي    بعد جهود 15 ساعة متواصلة.. قوات الحماية المدنية بالدقهلية تسيطر على حريق مصنع عقل    بورصة أسعار الدواجن بأسواق ومحلات الأقصر اليوم الأحد 15 مارس 2026    الهلال الأحمر يعزز مد غزة بالمستلزمات الإغاثية والشتوية عبر قافلة «زاد العزة» 156    «عوض» توجه بسرعة التعامل مع شكاوى المواطنين وتعزيز كفاءة منظومة النظافة    توروب يراجع التعليمات مع لاعبي الأهلي بالمحاضرة الختامية قبل مواجهة الترجي    وزير الدولة للإنتاج الحربي يتابع إنتاج منظومة الهاوتزر «K9A1EGY»    تجديد حبس المتهم صاحب واقعة سيارة "العلم الإسرائيلي" في كرداسة    العثور على جثة شاب بها طلق ناري داخل منزله في قنا    ملتقى الهناجر الثقافي رمضان ومحبة الأوطان.. المطرب محمد ثروت: نعيش فترة تحتاج إلى مزيد من التلاحم    اتحاد كرة اليد ينعى أحمد شهده لاعب بورفؤاد    جوارديولا: لم نخسر ضد وست هام.. سباق الدوري لم ينته لكننا نحتاج أهداف هالاند    36.8% زيادة في إيداعات صندوق التوفير عام 2024-2025    زيلينسكي: ربط قروض الاتحاد الأوروبي بإعادة تشغيل خط «دروجبا» ابتزاز    زراعة البحيرة ترفع درجة الاستعداد بمناسبة إجازة عيد الفطر    الإسكندرية تشهد انخفاضا طفيفا في درجات الحرارة مع فرص لسقوط أمطار    إصابة 7 أشخاص إثر انقلاب ميكروباص على طريق القاهرة- إسكندرية الصحراوي    وفاة الأنبا مكسيموس الأول يعيد الجدل حول خلافه مع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية    محافظ أسيوط: الأنشطة الثقافية والتوعوية تمثل أحد الأدوات المهمة في نشر الوعي المجتمعي    موسم عيد الفطر السينمائي.. منافسة بين رهان الكوميديا ومحاكاة الواقع وتحدي الجريمة    صحة الدقهلية: 69343 مستفيدًا من جميع المبادرات الرئاسية خلال أسبوع    طريقة عمل البسبوسة، تحلية رمضانية مميزة وبأقل تكاليف    «عبد الباري»: تشغيل 3 أجهزة إيكمو حديثة بالقصر العيني لتعزيز الرعاية الحرجة    وزير الصحة يتابع نشاط المشروعات والمرور الميداني على 29 مستشفى بالمحافظات    الرعاية الصحية: إجراء 112 عملية قسطرة لتبديل الصمام الأورطي بمحافظات التأمين    تحت إشراف طاقم طبي أجنبي، هاني شاكر يبدأ رحلة الاستشفاء في باريس    سميرة عبدالعزيز: سألت الشعراوي هل التمثيل حرام؟ فجاء الرد حاسمًا    رئيسة القومي للطفولة تتابع مبادرة «صحة ووعي» بالإسكندرية    وفاة شخص إثر سقوطه من سيارة بالمنيا    استقرار سعر الريال السعودي في بداية تعاملات اليوم 15 مارس 2026    بعثة الزمالك تصل إلى القاهرة بعد التعادل مع أوتوهو بالكونفدارلية    آس: مبابي جاهز للعودة أمام مانشستر سيتي في أبطال أوروبا    الزكاة تزكية للنفس!    الدين والملة.. وكشف أكذوبة مصطلح «الديانة الإبراهيمية»    تحذير أمني أمريكي.. واشنطن تأمر الموظفين غير الأساسيين بمغادرة سلطنة عُمان بعد سقوط مسيّرات في صحار    الإساءة للدين استغلال الأئمة والعمامة الأزهرية فى جمع التبرعات    الأحد 15 مارس 2026.. أسعار الخضروات والفاكهة بسوق العبور    أسرة «روزاليوسف» تجتمع على مائدة واحدة فى حفل إفطارها السنوى    كبار القراء ونجوم «دولة التلاوة» يحيون ليلة 25 من رمضان بتلاوات خاشعة    60 دقيقة متوسط تأخيرات القطارات بمحافظات الصعيد.. الأحد 15 مارس 2026    توجيه عاجل من الرئيس السيسي للحكومة بشأن إطلاق حزمة اجتماعية جديدة    رسائل للوحدة الوطنية من مائدة إفطار بالكنيسة الإنجيلية الثانية بإمبابة    عضو بالشيوخ: كلمة الرئيس في إفطار الأسرة المصرية كشفت مصارحة ضرورية في توقيت إقليمي شديد التعقيد    الحرس الثوري الإيراني: صواريخنا استهدفت القطاعات الصناعية في تل أبيب    نوران ماجد عن نجاحها في أولاد الراعي: سعيدة بردود الأفعال وانتظروا مفاجآت    طارق لطفي: السوشيال ميديا سلاح ذو حدين والنجاح الحقيقي يظهر بالشارع    حكومة دبى: الأصوات فى المارينا والصفوح نتيجة اعتراضات ناجحة    حكومة دبي: الأصوات التي سمعت في منطقتي المارينا والصفوح ناتجة عن عمليات اعتراض ناجحة    الأهلي يضرب موعدا مع الزمالك في نهائي كأس مصر لآنسات الطائرة    المفتي: القرآن كله متشابه في الإعجاز والبلاغة.. والإحكام والتشابه ثنائية مذهلة وصف الله بها كتابه العزيز    مانشستر سيتي يتعادل مع وست هام ويقرب أرسنال إلى لقب الدوري    دعاء ليلة رمضان الخامسة والعشرين..نفحات إيمانية وبداية رحمة ومغفرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



يوسف شاهين.. حكاية عن الحرية والهوية والإنسان
نشر في بوابة أخبار اليوم يوم 17 - 01 - 2026


محمد ‬كمال
يوسف شاهين لم يكن مخرجًا يبحث عن الإجماع، بل عن الحقيقة، لم يسعَ إلى إرضاء الجميع، بل إلى إيقاظهم، كان صوته حادًا، وطبعه صعبًا، لكنه كان صادقًا، مؤمنًا بأن السينما فعل مقاومة، وبأن الفن لا يعيش إلا بالحرية، في مسيرته، ترك لنا أكثر من مجرد أفلام؛ ترك لنا أسئلة، وجرأة، وطريقًا مفتوحًا للتجريب والاختلاف، سيظل يوسف شاهين علامة فارقة في تاريخ السينما العربية، لا لأنه كان الأفضل فحسب، بل لأنه كان الأصدق، والأكثر إيمانًا بأن الصورة قادرة على أن تغيّر العالم أو على الأقل، أن تضيء عتمته، لم يكن يوسف شاهين مجرد مخرج سينمائي مرّ في تاريخ الفن العربي، بل كان ظاهرة فنية وفكرية وإنسانية، تشكّلت عند مفترق طرق بين الشرق والغرب، وبين الذات والآخر، وبين الحلم والواقع، كان صوته عاليًا، وكاميرته جريئة، وروحه قَلِقة لا تعرف السكون، آمن بالسينما لا بوصفها وسيلة للترفيه، بل كفعل وجودي، وسؤال مفتوح عن الحرية والهوية والإنسان، منذ بداياته، كان شاهين مخرجًا لا يهادن، يطرح الأسئلة بدل تقديم الإجابات الجاهزة، لم تكن أفلامه سهلة أو مريحة، لكنها كانت صادقة، تنبض بالحياة، وتشتبك مع الواقع بجرأة غير مألوفة.
ولد يوسف جبرائيل شاهين في 25 يناير عام 1926 بمدينة الإسكندرية، نشأ في أسرة متوسطة، متعددة الثقافات، فوالده من أصول لبنانية، ووالدته تنتمي إلى أصول يونانية، ما أتاح له منذ طفولته تماسًا حيًّا مع لغات وثقافات متباينة، في الإسكندرية، تعلّم معنى الاختلاف، وتشرّب روح البحر، واختبر باكرًا فكرة التعايش، وهي الأفكار التي ستصبح لاحقًا أعمدة أساسية في مشروعه السينمائي.
درس شاهين في كلية فيكتوريا الشهيرة، حيث برز شغفه بالمسرح والفنون، لم يكن طالبًا عاديًا، بل كان شابًا متمردًا، مشاكسًا، يرى في الفن خلاصًا من القيود الاجتماعية والفكرية، سافر لاحقًا إلى الولايات المتحدة ليدرس التمثيل والإخراج في معهد باسادينا المسرحي بولاية كاليفورنيا، وهناك انفتح على المدارس السينمائية العالمية، وتعرّف على السينما بوصفها لغة كونية، لا تعترف بالحدود.
عاد يوسف شاهين إلى مصر في نهاية الأربعينيات، محمّلًا بالحلم والطموح، ليبدأ أولى خطواته في عالم السينما، في عام 1950 قدّم فيلمه الأول "بابا أمين" الذي لم يحقق نجاحًا جماهيريًا كبيرًا، لكنه كشف عن مخرج يمتلك رؤية مختلفة وحساسية إنسانية واضحة، من خلال تقديم فكرة غير تقليدية في هذا التوقيت، فيلم يبدو كابتسامة حزينة في وجه القدر، حكاية بسيطة تخفي تحتها قلقًا وجوديًا مبكرًا، الموت هنا ليس فاجعة صاخبة، بل زائر خفيف الظل، يخلخل يقين الحياة اليومية ويكشف هشاشة الطمأنينة العائلية من خلال تسائل مهم هل نعيش حقًا إلا حين نواجه فكرة الفقد؟
بعد البداية الصادمة في "بابا أمين" جاءت مرحلة الخمسينيات لتشكل تجربته الأولية خلال مرحلة التكوين والتمرد في آن واحد، هي سينما قلق وسؤال، تضع الفرد في مواجهة مجتمع يتغير أسرع من قدرته على الفهم والتكيف، ومن خلال هذه الأفلام، أعلن شاهين مبكرًا انحيازه إلى سينما ترى الإنسان في ضعفه، وتكشف التوتر بين الحلم والواقع دون أن تقدم عزاءً سهلًا، إنها مرحلة لا يمكن اختزالها في بدايات مخرج كبير، بل يجب قراءتها بوصفها الأساس الفكري والجمالي لمشروع سينمائي ظل، لعقود لاحقة، مشغولًا بالسؤال نفسه: كيف يعيش الإنسان حريته داخل عالم يضيّق الخناق عليه.
2 / 4
الانطلاقة الحقيقية ليوسف شاهين جاءت مع فيلم "ابن النيل" عام 1951، حيث قدّم صورة شاعرية عن الصراع بين الريف والمدينة، بين الجذور والطموح، فيلم حمل بصمته الخاصة، يطرح ثنائية الريف والمدينة لا بوصفها انتقالًا جغرافيًا فقط، بل كرحلة اغتراب نفسي، المدينة ليست وعدًا بالخلاص، بل فضاء قاسٍ يبتلع الحلم الفردي ويعيد إنتاج الفقر بصورة أكثر عنفًا، بينما في صراع في الوادي وصراع في الميناء، تتخذ المواجهة شكلًا أكثر مباشرة مع البنية الطبقية، الإقطاع، استغلال العمال، وتحالف السلطة والمال، كلها عناصر لا تُقدَّم كخلفية محايدة، بل كقوى فاعلة تُحدّد مصائر الشخصيات.
تُظهر أفلام الخمسينيات ميلًا واضحًا نحو الواقعية، ليس فقط على مستوى التصوير الخارجي والفضاءات المفتوحة، بل في اختيار الوجوه، اللهجات، والتفاصيل اليومية، هذا التأثر بالواقعية الإيطالية لا يأتي تقليدًا شكليًا، بل كموقف أخلاقي يرى في السينما أداة كشف لا تزويق.
تبلغ سينما شاهين في الخمسينيات ذروتها مع "باب الحديد" عام 1958، الفيلم الذي شكّل صدمة جمالية وفكرية في تاريخ السينما المصرية، هنا ينتقل شاهين من نقد البنية الاجتماعية إلى الغوص في أعماق النفس البشرية، "قناوي" الشخصية المهمشة، ليس شريرًا نمطيًا، بل نتاج قمع اجتماعي طويل، وفشل في التواصل، وكبت جنسي تحوّل إلى عنف، في هذا الفيلم، يصبح الجسد موضوعًا سينمائيًا مركزيًا، لا كوسيلة إغراء، بل كمجال للصراع والحرمان، الرغبة، حين تُقصى وتُشيطن، تتحول إلى قوة تدميرية.
في نفس العام يقدم شاهين فيلم "جميلة" عن المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد، الفيلم الذي تطرق إلى الثورة الجزائرية في ذروة اشتعالها، والذي قدم السينما نفسها بوصفها أداة نضال سياسي وأخلاقي، ويخرج من خلاله شاهين من الإطار المحلي المصري إلى الفضاء العربي، معلنًا انحيازًا واضحًا لقضايا التحرر الوطني، فلا يقدّم الفيلم جميلة بوحيرد كبطلة أسطورية مجردة، بل كامرأة تتشكل بطولتها عبر الألم والصمود.
في مرحلة الستينيات، لم يكن يوسف شاهين يصنع سينما متجانسة، بل سينما متصارعة مع ذاتها، من الحب إلى التاريخ، ومن الحلم القومي إلى خيبة الجماعة، كان يبحث عن إجابة لسؤال واحد.. كيف يمكن للسينما أن تكون شاهدًا، من خلال سينما تبحث عن وطن داخل الإنسان، ل تكن مجرد مرحلة زمنية، بل كانت منجزا روحيًا وفكريًا، اختبر فيه المخرج علاقته بالسلطة، وبالتاريخ، وبالإنسان المصري وهو يتشكل تحت ضغط الحلم القومي والانكسار المؤجل، في هذه السنوات انتقل شاهين من الميلودراما الرفيعة إلى السينما الفكرية ذات النفس الملحمي، ثم إلى الواقعية القاسية التي تضع الإنسان وجهًا لوجه أمام الأرض والقدر.
البداية في الستينيات كانت مع "نهر الحب" عام 1961، المأخوذ عن "آنا كارينينا" هو فيلم عن العاطفة حين تصطدم بالبنية الاجتماعية، ثم مع "الناصر صلاح الدين" في 1962 يدخل شاهين فضاء الملحمة التاريخية، لا بوصفها استعادة للماضي، بل بوصفها مرآة للحاضر، الفيلم، بكل زخمه الإنتاجي وخطابه القومي، يعكس ذروة الحلم الناصري، غير أن شاهين، بعين فنان لا يطمئن تمامًا للشعارات، يزرع داخل الملحمة أسئلة عن السلطة، وعن القائد، وعن الإنسان الذي يذوب داخل الفكرة الكبرى، وفي "فجر يوم جديد" تبدأ نبرة مغلفة بتوقعات الانكسار، فيلم عن التغير الاجتماعي وتآكل القيم، يقترب شاهين من الواقع الطبقي، من الإنسان الذي يستيقظ على وعود جديدة لكنه لا يجد نفسه قادرًا على اللحاق بها.
3 / 4
الفجر في العنوان ليس يقينًا، بل احتمالًا هشًا، ثم يختبر الحلم الاشتراكي مع فيلم "النيل والحياة" فقد أصبح النيل شاهدًا صامتًا على صراع الإنسان مع السلطة ومع التنظيم ومع ذاته.
سينما يوسف شاهين في السبعينيات هي سينما الجرح المفتوح، إنها سينما لا تطمئن، ولا تُريح مشاهدها، لكنها تمنحه القلق، وفي هذا القلق تتجلى قدرة يوسف شاهين، لا كمخرج مرحلة، بل كضمير سينمائي لعصر كامل، لم تكن السبعينيات عند يوسف شاهين استمرارًا لما قبلها، بل قطيعة مؤلمة معه، بعد أن حلم في الستينيات بجماعة تتشكل، وبوطن يمكن إنقاذه، دخل السبعينيات وكأن الكاميرا قد انكسرت داخل المرآة، فلم تعد ترى سوى الشظايا، تحوّلت السينما من خطاب عام إلى اعتراف، ومن ملحمة الأرض إلى متاهة الذات، ومن سؤال الوطن إلى سؤال من نحن بعد الهزيمة؟..
ومع فيلم "الأرض" يطرح العلاقة بين الإنسان والتراب، بين الفلاح والسلطة، بين الجسد والمقاومة، كاميرا يوسف شاهين تنحاز للأرض بوصفها كائنًا حيًا، وتحوّل الصراع الاجتماعي إلى ملحمة صامتة تنتهي بجسد يُسحل، لكنه يترك وراءه معنى لا يُسحل، أنه ملحمة سينمائية عن الفلاح المصري، وعن العلاقة المقدسة بين الإنسان والأرض.
ومع "الاختيار" يطرح بيان مبكر عن زمن فقد بوصلته، ليس فيلمًا بوليسيًا بقدر ما هو تشريح لانقسام المثقف العربي بين الفعل والتواطؤ، بين الثورة والامتياز، الشخصية المزدوجة تصبح استعارة لبلد يعيش بشخصيتين بعد الهزيمة، أما "العصفور" فقد كان فيلم الهزيمة بامتياز، لا بوصفها حدثًا عسكريًا، بل نتيجة طبيعية لفساد وتواطؤ وصمت طويل، تتراجع البطولة الفردية لصالح الجماعة المكسورة، ويصبح العصفور كائنًا هشًا يصرخ قبل أن يُسحق.
في "عودة الابن الضال" يحكي عن الثورة التي تأكل أبناءها، وعن الحلم حين يعود محمّلًا بالخيبة، فإن العودة لا تعني الخلاص، بل الانفجار، ومع نهاية عقد السبعينيات، يلفت شاهين إلى ذاته، إلى الذاكرة، إلى المدينة الأولى، "إسكندرية ليه؟"، ليس هروبًا من السياسة، بل إعادة تعريف لها عبر السيرة الذاتية، المدينة تصبح مسرحًا عالميًا، والطفولة نافذة لفهم الانقسام الطبقي، والاستعمار، والحلم بالسينما، مزج بين السيرة الذاتية والخيال، بين التاريخ الشخصي والتاريخ الوطني، مستعيدًا طفولته وشبابه وأحلامه الأولى.
تواصل هذا المسار في أفلام قدمها في مراحل لاحقة "حدوتة مصرية"، و"إسكندرية كمان وكمان"، ثم "إسكندرية نيويورك"، حيث تحوّلت السينما إلى مرآة ذاتية، يواجه فيها شاهين نفسه، نجاحاته وإخفاقاته، غروره وندمه، علاقته بالسلطة وبالجمهور وبالعالم، لم يكن يخشى الاعتراف، ولا التعرّي أمام الكاميرا، فكانت أفلامه أشبه باعترافات فنية، شديدة الصدق، وشديدة القسوة.
في الثمانينيات يمكن أن نطلق عليها سينما المواجهة.. مواجهة الذات والتاريخ والسلطة، أنها مرحلة الوجع حين صار التاريخ مرآة والذات ساحة صراع، لم يكتفي يوسف شاهين بتأمل الواقع من نوافذه الاجتماعية الواسعة، بل صار سينمائيًا يحفر في الزمن، ويخوض حوارًا حادًا مع التاريخ، والهوية، والذات، سينما تمزج بين الاعترافات والأسئلة، في "حدوتة مصرية" تلك السيرة الجريحة تتحول الذات إلى مادة للمشاهدة، والجسد المريض إلى استعارة لوطن مثقل بالتناقضات، الفيلم ليس سيرة ذاتية بقدر ما هو محاكمة للذاكرة، حيث تختلط الحقيقة بالتمثيل، والاعتراف بالإنكار، وتصبح السينما نفسها موضع شك
4 / 4
في "الوداع يا بونابرت" يعود شاهين إلى لحظة مفصلية في التاريخ وهي الحملة الفرنسية على مصر، لكنه لا يكتب التاريخ من موقع الضية بل من موقع المثقف الذي يرى في كل احتلال وعدًا كاذبًا بالتنوير، أنه تأمل ممزوج بالمرارة حول العلاقة بين الشرق والغرب، بين العلم والسلطة، بين الحلم والخديعة، في "اليوم السادس" كان الجسد في مواجهة القدر، الكوليرا ليست مرضًا فقط، بل قدرًا جماعيًا، وسعاد ليست أمًا فقط، بل صورة لمصر التي تحارب الموت بالحب.
التسعينيات كانت مرحلة سينما البحث عن المصير والمكاشفة، المبدع الذي يُجادل العالم ويُحاكم التاريخ ويضع الإنسان العربي في مواجهة ذاته والآخر، بلا وسائط ولا أقنعة، أفلام بحثت عن الحرية على كل مستوايتها.. حرية الفرد.. حرية الاختلاف.. حرية الحلم.. كان مبدعا يقف في قلب العاصفة، ويصرّ على أن يكون صوته أعلى من الصمت، في "إسكندرية كمان وكمان" حيث الفن في مواجهة العالم يعكس أزمة الفنان في عالم لا يحتمل الأسئلة، ولم يكن يبحث عن حكاية متماسكة في "القاهرة منورة بأهلها" بقدر البحث عن نبض المدينة وهي تتنفس بأجساد أهلها وأصواتهم وهشاشتهم، فيلم عن الحب الصامت، حب المكان كما هو.
ومع "المهاجر" مستلهمًا قصة النبي يوسف، يصنع حكاية عن الاختلاف، والمعرفة، والخوف من القادم، تجربة عن العقل حين يُطارَد، وعن الإنسان حين يُقصى لأنه يرى أبعد، وفي "المصير" ومن خلال العودة إلى حضارة الأندلس، إلى ابن رشد، ليكتب بيانًا سينمائيًا ضد التطرف وضد اغتيال العقل، صرخة تتعالى بإن الأفكار لا تُحرَق، ومع "الآخر" يتم تفكيك لعلاقة السلطة بالمال، وللوهم الذي تصنعه العولمة، وللعلاقة الملتبسة بين الشرق والغرب، الحب نفسه يصبح ساحة صراع، والسياسة تتسلل إلى الجسد والعاطفة.
في الألفية الجديدة قدم يوسف شاهين 3 أفلام فقط، نشعر وكأنه يكتب وصيته السينمائية، أو السطر الأخيرة في مسيرة طويلة، لا بوصفه مخرجًا يختتم الرحلة، بل فنانًا يزداد جرأة كلما اقترب من الحافة، كانت تلك المرحلة خلاصة فكرٍ طويل، ومرآةً لقلقٍ شخصي وجماعي، تتقاطع فيها السيرة الذاتية مع مصير الوطن، ويذوب فيها الواقع في نبرة شعرية حادة، لا تخلو من غضب ولا من حنين، في "سكوت حنصور" لا يكتفي بسرد حكاية مخرج عجوز يتأمل حياته، بل يجعل من الجسد نفسه ساحة للصراع، جسد يشيخ، وصوت يخفت، لكن الرغبة في التعبير لا تموت، وفي "إسكندرية.. نيويورك" يبدو كقصيدة حب ممزقة بين ضفتين، المدينة التي شكّلت وعيه الأول تعود، لا بوصفها مكانًا جغرافيًا فحسب، بل كحلمٍ قديم يتصارع مع واقعٍ جديد، من خلال الانقسامات بين الشرق والغرب، الفن والسياسة، الحب والخيانة، وفي الإطار مواجهة لأمريكا التي حملت مزيج بين الحب والكره.
أما "هي فوضى" آخر فيلم ليوسف شاهين يأتي كصرخة مدوية قاسية، في مواجهة مباشرة وصريحة مع الواقع حيث السلطة المتوحشة، والفساد المتجذر، والمواطن المسحوق بين الخوف والغضب، وفي النهاية يؤكد شاهين بأن الغضب الشعبي مهما تأخر، لا بد أن يجد طريقه وأن يسمع صوته، كأن شاهين في تجربته الأخيرة يسلّم الراية والكاميرا إلى الشارع المصري الذي انفجر بعد 3 أعوام من وفاته، وجاءت الثورة في يوم 25 يناير، وهو اليوم الذي ولد فيه يوسف شاهين.
اقرأ أيضا: أكاديمية الفنون تستعد للاحتفال بمئوية المخرج العالمي يوسف شاهين


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.