مع أول موجة برد، تتغير ملامح الشوارع المصرية حركة أقل، الناس يهرولون إلى بيوتهم طلبًا للدفء، والمقاهي تعج بالزوار الباحثين عن كوب شاي ساخن أو جلسة دافئة لكن خلف هذه الأجواء الهادئة، يطرح سؤال مهم نفسه: هل تؤثر برودة الشتاء فعلًا على حياتنا الأسرية، وبالتالي على معدلات الجريمة؟والسؤال الذي تجيب عليه الدراسة أيضًا: هل تقل حدة العنف مع انخفاض درجات الحرارة، كما يعتقد كثيرون؟ دراسة حديثة بعنوان «الطقس وعلاقته بجرائم العنف الأسري» تكشف أن الطقس ليس مجرد خلفية، بل عامل مؤثر في توقيت وشكل وقوع الجريمة وبينما ترتفع معدلات العنف صيفًا مع اشتداد الحرارة، فإن الشتاء يغير خريطة الجريمة بشكل واضح. الباحثان د.طلعت إبراهيم، ود.علياء المفتي، في دراستهما المنشورة بمجلة كلية التربية للعلوم الإنسانية والأدبية بجامعة عين شمس حللا بيانات من 6 محافظات مصرية تمثل الوجهين البحري والقبلي: القاهرة، الإسكندرية، الغربية، بني سويف، أسيوط، أسوان. اعتمد البحث على بيانات رسمية لدرجات الحرارة وساعات ضوء الشمس من هيئة الأرصاد، إلى جانب إحصاءات وزارة الداخلية لجرائم العنف مثل القتل، السرقة بالإكراه، الاعتداء، الخطف والاغتصاب، على مدار عام كامل. اعتمدت الدراسة على منهج التحليل الإحصائي المقارن بين الفصول الأربعة، مع التركيز على شهور الصيف (يونيو–أغسطس) والشتاء (ديسمبر–فبراير)، نظرًا لاختلاف درجات الحرارة بشكل ملحوظ بينهما. شملت العينة تحليل بيانات رسمية من أقسام الشرطة، والسجلات الجنائية، إلى جانب مقابلات ميدانية مع أسر مرتكبي الجرائم والمجني عليهم. أظهرت النتائج؛ أن معدلات جرائم العنف ترتفع في فصل الصيف بنسبة 27% مقارنة بفصل الشتاء، وتشمل هذه الجرائم: المشاجرات، جرائم القتل، الاعتداءات البدنية، والجرائم الأسرية. في المقابل، ينخفض المعدل العام لهذه الجرائم بشكل ملحوظ مع دخول فصل الشتاء، ليس فقط في المناطق الريفية بل حتى في المناطق الحضرية المزدحمة. كما بيّنت الدراسة أن جرائم العنف الأسري تحديدًا تنخفض في الشتاء بنسبة 18%، بينما ترتفع في الصيف بسبب تزايد الضغوط المعيشية والاجتماعية وتكدس أفراد الأسرة لفترات طويلة في بيئة منزلية غير مهيأة. ومن المثير أن الدراسة رصدت اختلافات جغرافية واضحة:في محافظات الوجه البحري كان الانخفاض في معدلات العنف الشتوي أوضح، نظرًا لشدة البرودة وتقليص ساعات النشاط الخارجي. بينما في محافظات الصعيد، لوحظ أن التأثير أقل حدّة، بسبب اعتدال درجات الحرارة نسبيًا في الشتاء واستمرار الأنشطة الاجتماعية. فسّرت الدراسة هذه الظاهرة بعدة عوامل مناخية واجتماعية؛ أهمها: انخفاض درجات الحرارة يقلل من التجمعات الخارجية، وبالتالي تقل فرص الاحتكاك والمشاجرات في الأماكن العامة. قِصر ساعات النهار في الشتاء يحد من النشاط الليلي، وهو الوقت الذي تُرتكب فيه نسبة كبيرة من جرائم العنف في مصر. تأثير البرودة على المزاج العام؛ إذ أشارت المقابلات الميدانية إلى أن الأفراد يميلون للبقاء في المنزل وتجنّب الصدامات في الطقس البارد. انخفاض المناسبات الاجتماعية الكبرى مثل الأفراح والاحتفالات الصيفية، التي غالبًا ما تكون بيئة خصبة للمشاحنات والمشاجرات. لكن اللافت أن هذا الانخفاض لا يعني "اختفاء الجريمة"؛ بعض أنواع الجرائم مثل السرقات الليلية أو الجرائم المنزلية قد لا تتأثر بالطقس بنفس الدرجة، بل أحيانًا تنتقل إلى الفضاءات المغلقة. رغم أن محافظات الوجه القبلي أكثر حرارة في المجمل، إلا أن تأثير الشتاء يظل قائمًا؛ الأهالي يقللون من التنقل في الصباح الباكر أو المساء البارد، مما يخفض معدلات الاحتكاك. أما في الوجه البحري، فالتأثير أوضح، حيث تنخفض درجات الحرارة أكثر، وتقل التجمعات الليلية في الشوارع، خاصة في القرى والمدن الصغيرة. نتائج الدراسة تفتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول كيف تتفاعل العوامل البيئية مع السلوك البشري. الشتاء لا يغير فقط درجة الحرارة، بل يغير إيقاع الحياة اليومية: مواعيد الخروج، طول النهار، شكل التجمعات، وحتى الحالة النفسية للأفراد. واختتمت الدراسة بتطوير برامج توعية مجتمعية مرتبطة بالمواسم، لتشجيع سلوكيات أكثر هدوءًا في الصيف، والاهتمام بالعلاقات الأسرية خلال الشتاء الذي يقل فيه الاحتكاك المنزلي. تشجيع وسائل الإعلام على تقديم محتوى توعوي موسمي، يراعي تغير السلوك الاجتماعي مع اختلاف الطقس، بدلًا من المعالجات النمطية الثابتة. إجراء مزيد من الدراسات الطولية لمتابعة تأثيرات التغير المناخي العام (الاحتباس الحراري) على أنماط الجريمة مستقبلاً، خاصة مع تزايد موجات الحر. خبراء النفس والاجتماع وهنا يظهر دور الخبراء، لتحليل ما وراء الأرقام وتفسير الظواهر الاجتماعية والنفسية التي تعطي لهذه النتائج معناها الحقيقي. دكتور محمد البغدادي أستاذ علم الاجتماع معلقا على الدراسة: أن العلاقة بين الطقس والجريمة لا يمكن اختزالها في مجرد ارتفاع أو انخفاض درجات الحرارة، بل ترتبط بمنظومة متكاملة من العوامل الاجتماعية والنفسية والسلوكية التي تتأثر بالمناخ بشكل غير مباشر. ويوضح أن المجتمع المصري يتميز بطبيعة مناخية حادة بين الصيف والشتاء، وهو ما ينعكس بقوة على أنماط الحياة اليومية وبالتالي على السلوك الاجتماعي. ففي فصل الصيف، تتزايد معدلات الحركة في الشوارع، وتطول ساعات النهار، وتكثر المناسبات الاجتماعية والاحتفالات التي تضم أعدادًا كبيرة من الناس، مما يؤدي بطبيعته إلى زيادة فرص الاحتكاك بين الأفراد، سواء في الأماكن العامة أو داخل الأسر. كما أن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى زيادة التوتر والانفعال العصبي، خاصة في ظل ضغوط اقتصادية ومعيشية متزايدة، فتكون النتيجة ارتفاعًا في معدلات المشاجرات والعنف اليومي. أما في فصل الشتاء، فالعوامل تتغير بوضوح؛ إذ تميل الأسر إلى البقاء في المنازل، وتقلّ التجمعات العامة، ويصبح الناس أقل ميلًا للخروج أو السهر، مما يقلل من فرص الصدامات. لكن ذلك لا يعني أن الشتاء يخلو من العنف، بل إن طبيعة العنف تتحوّل من المجال العام إلى المجال الخاص، أي من الشارع إلى المنزل، حيث تزيد في بعض الحالات الضغوط الأسرية الناتجة عن العزلة أو التكدس في مساحات صغيرة لفترات طويلة. ويضيف دكتور البغدادى: أن التغيرات المناخية العالمية قد تلعب دورًا مهمًا في السنوات المقبلة، إذ يشهد العالم ارتفاعًا تدريجيًا في درجات الحرارة، ما يعني أن ما كان يُعتبر "فصلًا باردًا" قد لا يظل كذلك مستقبلاًوبالتالي فإن الأنماط الموسمية للجريمة قد تتغير مع الوقت، الأمر الذي يتطلب من مؤسسات الدولة والمجتمع المدني تحديث خطط الوقاية والتدخل بشكل مستمر بما يتناسب مع الواقع المناخي المتغير. كما يشدد على أن الطقس لا يُنتج الجريمة من تلقاء نفسه، بل يعمل كمحفّز أو كابح للسلوكيات الاجتماعية الموجودة أصلاً؛فالجرائم لا تحدث لأن الجو حار أو بارد.. بل لأن هناك عوامل اجتماعية ونفسية واقتصادية تتفاعل مع هذه الظروف المناخية لتُنتج سلوكًا معينًاالطقس مجرد عامل مهيئ، وليس سببًا مباشرًا. وفي ختام حديثه، يؤكد أن هذه النوعية من الدراسات مهمة جدًا، لأنها تفتح الباب أمام تحليل أكثر واقعية للسلوك الإجرامي، بدلًا من النظر للجريمة باعتبارها ظاهرة معزولة عن سياقها البيئي والاجتماعي، مشيرًا إلى أن إدماج العوامل المناخية في الدراسات الأمنية والاجتماعية يساعد على وضع سياسات وقائية أكثر ذكاءً وفاعلية. دكتورة جيهان جمال أستشاري العلاقات الاسرية تقول: موسمية الجريمة في مصر ظاهرة واضحة، لكنها غير مستغلة في التخطيط الاجتماعي بالشكل الكافي لو ركزنا على مواسم الذروة والهدوء، ممكن نوجّه حملات توعية وخطط وقائية بشكل أكثر فاعلية. الشتاء يخلق حالة من الانكماش الاجتماعي، الناس تقضي وقت أطول في البيوت، وذلك يقلل فرص النزاعات العلنية، لكنه ليس بالضرورة يقلل التوتر داخل الأسر أحيانًا. وتضيف أن تقليص ساعات النهار يلعب دورًا مهمًا في الصيف؛ الناس تظل خارج البيت للساعة 10 أو 11 مساءا في الشتاء، 7 أو 8 ونجد الشوارع فاضية وبالتالي يقلل الحوادث العشوائية والنزاعات في الأماكن العامة. وتقترح أن يتم استغلال شهور الشتاء في معالجة الأسباب الاجتماعية العميقة للعنف، من خلال حملات مجتمعية وتدريبية، بدلًا من التركيز فقط على التعامل الأمني في الصيف. دكتور جمال فرويز أستاذ الطب النفسي قال: "البرد يؤثر على الحالة النفسية بطرق معقدة في ناس يصابوا ما يُعرف ب"الاكتئاب الموسمي"، وذلك من الممكن أن يقلل نشاطهم الخارجي ويجعلهم أكثر انعزالًا، لكنه في بعض الحالات يزيد من حدة التوتر داخل البيت . ويشير إلى أن انخفاض درجات الحرارة قد يقلل من الانفعالات الحادة الفورية في الشارع، لكنه لا يُلغي الأسباب العميقة للعنف. وفى النهاية من وجهة نظري الشتاء ليس مجرد فصل مناخي، بل عامل اجتماعي مؤثر يغيّر ملامح الحياة في مصر، ومن بينها ملامح الجريمة. الدراسة البحثية أظهرت بالأرقام أن العنف يتراجع نسبيًا مع انخفاض درجات الحرارة، لكن آراء الخبراء أوضحت أن المسألة أعقد من مجرد "حر يزود الجريمة وبرد يقللها". ففي النهاية، الطقس يغيّر المسرح، لكنه لا يغيّرالسلوك الإجرامي حيث يتشكل من خليط معقد من العوامل الاقتصادية والنفسية والاجتماعية، يلعب الطقس فيه دورًا محفّزًا أو مهدئًا، لا أكثر ولا أقل، ومع دخولنا موسم الشتاء، قد يكون الوقت مناسبًا للتفكير في كيفية استغلال هذا الهدوء النسبي لبناء خطط وقائية. اقرأ أيضا: مأساة جديدة للعنف الأسري.. أب ينهي حياة نجله بالضرب في سمالوط