الجمعة العظيمة في لبنان.. طقس روحي جامع    «العدل»: تُطبيق نظام العمل عن بُعد يوم الأحد من كل أسبوع    رجال الدين: «الالتزام» مطلب شرعى.. فى ظل الظروف المالية    "تسنيم" تنشر صورة لمقاتلة أمريكية أُسقطت في وسط إيران    الحزن يخيم على محافظة الشرقية بعد وفاة المهندس حسام صادق خليفة في الإمارات    مصطفى بكري: أمريكا تستهدف الاستيلاء على كميات من اليورانيوم المخصب في إيران    مصدر بالزمالك يكشف عن تمديد عقد أحمد خضري منذ شهرين    ذهبيتان لمصر في بطولة المستقبل الدولية لتنس الطاولة البارالمبي بتركيا    عمرها عام.. مصرع رضيعة بطلق ناري على يد شقيقها بقنا    بينهم أطفال، إصابة 8 أشخاص في حادث تصادم سيارة بالدقهلية    أحمد مالك أفضل ممثل، وهذه أبرز الأفلام الفائزة في ختام مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية    على حافتين معاً: شعرية التفاصيل    «حماس» تختتم محادثات القاهرة بتأكيد الفصائل على ضرورة البدء الفوري بتنفيذ اتفاق غزة    عضو بالشيوخ: استجابة وزير الصناعة لمقترح تطوير التعدين خطوة مهمة لتعظيم القيمة المضافة    طهران اخترقت الحدود.. السفير نبيل نجم يروي كيف بدأت الحرب الإيرانية العراقية    بمشاركة دونجا، النصر يتقدم 2-1 على النجمة في الشوط الأول بالدوري السعودي    محافظ الإسكندرية يشهد احتفالية «أطفال بلا سرطان»    فليك: فرصة كبيرة لراشفورد مع غياب رافينيا قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    3 ناقلات نفط إحداها مملوكة لشركة يابانية عبرت مضيق هرمز    توقعات حركة أسعار النفط العالمي في الربع الثاني من 2026    انتحل صفة موظف بنك.. الداخلية تضبط نصابًا استولى على بيانات العملاء وأموالهم بالمنيا    متحدث الوفد: الحزب يمثل المعارضة الإصلاحية الرشيدة    آخر تطورات سعر جرام الذهب وعيار 21 يصل لهذا المستوى    اتحاد الكرة يهنئ نادي القناة بعودته للدوري الممتاز    أناكوندا.. رمزية تناول الموروثات الاجتماعية في "شباب الجنوب"    في يوم اليتيم .. مجلس حكماء المسلمين: رعاية الأيتام واجب ديني وإنساني    يا منتهى كل رجاء    وزير الصحة الفلسطيني يحذر: غزة على حافة تفشي الأوبئة بسبب انتشار القوارض    مُفسِّر العالَم    أوقاف كفر الشيخ تواصل عقد «مقارئ الجمهور»    تعرف على أماكن سقوط الأمطار غدا السبت    رئيس الطائفة الإنجيلية يواصل جولته بأسيوط بافتتاح مبنى الكنيسة الإنجيلية الجديد بقرية السراقنا    بعد هتافات مقصودة ضد الإسلام .. مصريون يدعون "فيفا" للتحقيق في عنصرية جماهير أسبانيا    وزيرة التنمية المحلية والبيئة: إزالة مباني مخالفة بحي ثان المحلة الكبرى واتخاذ الإجراءات القانونية تجاه المخالفين    بيراميدز يضرب إنبي بثنائية في الشوط الأول بنصف نهائي كأس مصر    جيسوس: أرتيتا يستحق لقب الدوري... والتتويج الأول سيغيّر كل شيء في أرسنال    حيلة شيطانية.. عصابة تسرق 4 موبايلات وتقفز من شرفة للهروب في القليوبية    أجيال إذاعة القرآن الكريم    ضبط المتهم بالتعدي على «حمار» في البحيرة    شبهة جنائية في واقعة السلخانة.. العثور على جثة شاب بعد يومين من وفاته بالفيوم    في ظل أزمة طاقة عالمية.. القوات المسلحة توضح استراتيجية مصر لضمان الاستمرارية وحماية الاقتصاد الوطني    عروض المهرجان المسرحي الدولي لشباب الجنوب تنير قرى قنا    «نيويورك تايمز» تكشف كواليس إقالة رئيس أركان الجيش الأمريكي    إعلام الوزراء: لا صحة لرفض شحنات فراولة مصرية مصدرة للخارج لاحتوائها على مواد مسرطنة    محافظ الدقهلية: تحرير 141 مخالفة تموينية خلال يوم واحد    إنجاز غير مسبوق.. تعليم الأقصر يحصد مراكز متقدمة في مسابقة الإذاعة المدرسية بجميع المراحل التعليمية    انطلاق النسخة 14 من مؤتمر "الجامعات قاطرات التنمية الوطنية" 19 أبريل    بسام راضي يستقبل وفد الكنيسة المصرية بروما    توفير 3 وظائف لذوي الهمم ضمن خطة «العمل» لتطبيق نسبة ال 5    مكتبة الإسكندرية تناقش "المعرفة البريطانية في تاريخ عُمان والمشرق العربي"    الصحة: افتتاح وحدة تطعيمات بمركز الخدمات الطبية للجهات القضائية في منطقة التوفيقية بالقاهرة    الرعاية الصحية: مستشفى طيبة التخصصي قدمت 3.5 مليون خدمة طبية بالأقصر    الصحة تطلق عددا من الفعاليات احتفالا باليوم العالمي للتوعية باضطراب طيف التوحد    خطر انهيار لبنان.. العدوان الإسرائيلي يدفع الدولة إلى حافة الهاوية    خشوع وسكينه..... ابرز أذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    فضل عظيم وسنة نبوية..... فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    حملات مكثفة لضبط مواعيد الغلق وتحرير 984 مخالفة خلال 24 ساعة    أوقاف جنوب سيناء تطلق حملة شاملة لنظافة المساجد وإزالة مياه الأمطار من الأسطح    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نجيب محفوظ فى أولاد حارتنا الانحياز إلى المستقبل
نشر في بوابة أخبار اليوم يوم 11 - 01 - 2026


محمد بدوى
ما يكتبه محمد بدوى فى نقد أو تأويل أو إعادة قراءة أعمال نجيب محفوظ يجمع بين عمق المفكر، وبساطة السارد، ودأب الباحث، وقدرة الناقد على المقارنة.. فى هذا الفصل من كتابه «مملكة الله»، الذى يصدر خلال معرض القاهرة للكتاب 2026 عن دار «العين»، يرى بدوى ما لا نراه فى عنوان رائعة محفوظ «أولاد حارتنا»، ويحلل خطاب الراوى فى افتتاحيته المكثفة، ويضعه فى موقعه بين الرواة المختلفين، أياً كان موضع أقدامهم، بالقرب من السير والأديان والملوك والسلاطين، وأياً كانت طريقتهم، شفاهية أو مدوَّنة.
حين تقع عينا قارئ نجيب محفوظ على العنوان؛ عنوان «أولاد حارتنا» (1)؛ أعنى قارئ نهاية عقد الخمسينيات من القرن العشرين، سيدرك إنْ كان قارئًا فطنًا عارفًا بنصوص محفوظ لا مجرد قارئ «عام»، من قراء صحيفة الأهرام، أنَّه إزاء عنوان غريب عن عناوين رواياته السابقة، لاسيما - منها - ما عُرف فى خطابات أغلب نقاده بالرواية الواقعية.
هى غرابة نابعة من اختلاف "نَبْرة" العنوان، حين يجد كاتبه الذى كان حريصًا على نفى ذاته من الخطاب، وراغبًا فى إخفاء النبرة، يصدِّر الضمير النحوى الدال على الجماعة فى كلمة «حارتنا»، واضعًا إياه فى قران واحد، فيما افتتح به الرواية، مع ضمير السارد المتكلم.
فى الروايات الواقعية، غالبًا، ما صدَّر محفوظ فى العنوان، اسم موضع - خان الخليلى، زقاق المدق - إلخ، فإن لم يَعْلُ اسم الموضع النصَّ، تجلى بعد ذلك فى متن الرواية.
أما هنا فنحن مع عنوان مختلف، لا اسم بقعة أو حى، ولا عنوانًا مجازيًّا، إنما عنوانٌ، كأنه أُخْلى من أى مَسْعى بلاغى أو شعرى، بل ربما يراه البعض مبتذلًا، يذكِّر بأغنية شائعة، شعبية، يدمجها السارد فى الرواية، على ألسنة غلمان الحارة، فى مشهد عابر هو أحد عناصر الديكور الواقعى لحارة، ستتعاون كل أدوات النص لرفعها إلى الرمزية (2).
ثم إنه عنوان يقبل القراءة حسب قواعد «الفصحى» و«العامية» معًا مع ذلك فإن هذه البساطة تخفى أكثر من دلالة، جلُّها يومئ إلى ما أسميه ب «التقنُّع»، الماثل فى كل أنحاء النص إلى ذلك يجمع العنوان فى قران واحد طرفين، يشير أولهما إلى الكاتب منتج النص وناسجه والنائب عن الجماعة فى سرده، ويشير ثانيهما إلى شركائه فى إنتاج المعنى من القراء، الذين اندمج فيهم برغم حضورهم على نحو مضمر فى كلمة «حارتنا»، مما يومئ إلى حضور اجتماعى وثقافى هو المتخيل الدنيوى لهوية جديدة.
الكاتب يشير إلى حارتنا، التى نعرفها نحن الذين يتلفظون بالكلمة فى سياقات اللغة الشائعة. وكلما توغلنا فى القراءة، وعرفنا اسمها سنكتشف صفحة بعد صفحة أنها «حارتنا»؛ «حارة، الجبلاوى» التى برغم صغرها كناية عن فضاء أوسع من الحارة الواقعية المألوفة، يعادل «عالمنا» لا فى حاضره فقط، بل فى ماضيه ويوتوبياه أيضًا.
وعلى عكس ما نتوقع من الرواية الأليجورية يفيض العنوان بالدلالات. لدينا كلمة «أولاد» التى تشير إلى معانى الفتوة والبطولة، إذ تعنى الفتية الذكور الذين تتكثف فيهم المعانى التى تتخيل الجماعة أنها خلاصة قيمها.
فى هذا ستكون الكلمة مرادفًا للعلامة الشائعة فى العامية المصرية «الجِدْعَان»؛ أى أنها تشير إلى الجماعة بمنطق الجزء الدالّ على الكل، حين تقترن بكلمة «حارتنا»، تلك البقعة المتعينَة من الأرض فى جغرافيا مدينة شرقية هى القاهرة، والتى تتسع وتضيق تخومها المكانية والدلالية، حيث المكان الأليف لدى أبنائه، والأليف لدى قراء محفوظ، ومشاهدى الأفلام الشعبية، التى لأكثر من سبب صنعت صورةً بعينها للحارة المصرية، شارك فى رسمها محفوظ نفسه. وسنرى فيما يلى كيف دَلّ هذا «الواقعى» الذى يمكن ردُّه إلى مرجع خارجى، على «اللا الواقعى» فى لعبة التقنع.
غرابة
شعور القارئ المشار إليه هنا، بالغرابة، سيتدعَّم ما إنْ يغادر العنوان إلى السطور الأولى من الرواية:
هذه حكاية حارتنا، أو حكايات حارتنا وهو الأصدق. لم أشهد من واقعها إلا الطور الأخير الذى عاصرته، ولكنى سجلتها كما يرويها الرواة وما أكثرهم جميع أبناء حارتنا يروون هذه الحكايات، يرويها كلٌّ كما يسمعها فى قهوة حيِّه، أو كما نُقلت إليه خلال الأجيال، ولا سند لى فيما كتبت إلا هذه المصادر(3).
هذه نبرة تعبيرية لم يعهدها قارئ محفوظ فى رواياته الواقعية، لأن صوت السارد المتكلم - ومن خلفه المؤلف - يأتى من موقع خارجى أقرب إلى صوت سارد يتماهى مع صوت مؤرخ قديم، حريص على ذكر مصادره، وهى مصادر شفاهية فى مجتمع لم يدخل بعد على نحو حاسم فى تقاليد الكتابة.
وهى لحظة مفصلية فى تاريخ الجماعات، حين يتحول تراثها من مرويات وحكايات إلى نصّ مغلق، يتم تثبيته ومنحه قداسة لصيقة بقداسة البدايات.
وهو صوتٌ يستدعى صورة «كاتب» ينهض بمهمة تحويل الشفاهى إلى كتابى، وإنقاذه من تكثُّر الرواة، فكأنه فى تاريخ حارته «عَذْرَا» الكاتب(4)، بعد عودته من السبى البابلى وهذه أولى علامات التأشير على كنائية الرواية.
لذلك أزعم أن كلمة حكاية هنا جوهرية فى إنتاج المعنى، وفى تهيئة القارئ للدخول فى الفضاء لكنها ستلوح غريبة على سمع القارئ، الذى عرف فن الرواية - أولًا - عبر الترجمة من الآداب الغربية المختلفة فى فجر القصة، سواء كانت الرواية قصة شعبية بوليسية، أو غرامية، أو رواية مغامرات من نوع الرومانس، أو كانت قصة «جادة» رفيعة تعالج طبائع النفوس، كما كان الخطاب الأدبى يبشِّر ويروّج لهذا الفن الجديد، ثم عرفها فيما بعد من خلال النصوص التى كتبها من يسمون فى خطاب التاريخ الأدبى ب «الرواد». وهى على قلتها تجرى أحداثها فى الحاضر، فى الريف أو المدينة.
وفى هذا السياق عرف القارئ أدب نجيب محفوظ – وصحبه – الذى اقترن لديه إما برواياته التى تتخذ من التاريخ إطارًا لحوادثها، أو روايات تجرى أحداثها فى المدينة المركزية «القاهرة»، لاسيما فى الأحياء الوطنية.
لكنه - هنا - بصدد رواية مختلفة، واختلافها يكمن فى تقنعها وازدواجها، إذ تشى بعالم توهمنا بواقعيته، لكنها مع واقعيتها توقظ فى ذاكرتنا سيلًا من الإحالات والتلميحات إلى عالم آخر، شخوصه يأخذون فى مخيلتنا صور بشر معلّقين فى فضاء غامض، واقعهم لم يكن يومًا واقعنا الذى نعرفه، وإن كان يشبهه على نحو ما.
الحكاية بوصفها علامة على نوع أدبى، تشير إلى عالم قديم مضى وانقضى، فيه كائنات متنوعة، بشر وحيوانات وكائنات ليست من عالمنا، لكن الأبطال يؤمنون أنها تخالطهم وتعابثهم وقد تمارس معهم الحب والمكائد.
الرواية - أولاد حارتنا - لا تحتوى على مثل هذه الكائنات، لا عجيب ولا غريب هنا. فقط بشرٌ يتميزون بأنهم مصطفَون لمهمة مقدسة. الأدق أننا مع سرد تعْلَق به آثار من سرد قديم، نلمسها فى إدراج الشخصيات والأحداث فى سياق غير سياقها، إذ يشعر القارئ أن ثمة ما يشبهها فيما عرفه من قصص غير دنيوية.
مع هذا فإن كلمة حكاية تنتمى إلى نمط من السرد مختلفٍ عن سرد القصة كما بَشَّر بها دعاة إدخالها إلى عالم «الشرق»، ومختلف عن ممارسة السرد لدى «الرواد»، حين كتبوا محاولاتهم الوليدة. لذا تؤشر الكلمة – هنا – فى افتتاحية الرواية عن اختلاف مفهوم «القصة»، كما تبنته المؤسسة الأدبية الوليدة؛ أى مؤسسة الأدب الحديث(5).
أسطورة
فى التقليد الإسلامى تحبيذ للفظة «قصة» التى تعنى سردًا يختلف عن «الأساطير»؛ قصة تدعم النبى، وتنطوى على مغزى أخلاقى. نقرأ فى التهيئة لقصة يوسف ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾.
وثمة سورة باسم «القَصَص» (6). إنَّ القص - هنا - سلاحُ فى يد النبى فى نشر الدعوة وتحديد قيمها، فضلًا عن دعم الوحى له فى مواجهة مُنكرى دعوته.
وقد سارت النصوص اللاحقة فى السرد الإسلامى، فى المسار نفسه مثل «قصص الأنبياء» (7). ولا تظهر كلمة «حكاية» إلا مع المرويات الشعبية، وأشهرها حكايات ألف ليلة وليلة، التى كانت تُروى غالبًا - مثلها مثل السير الشعبية - فى المقاهى والساحات، وموالد الأولياء والقديسين.
ويبدو لى أنَّ هذا ما يفسر شيوع لفظة «قصة»، فى الخطاب عن الرواية وضرورة تبيئتها محليًّا، فهى فى نظر دعاتها مختلفة عن حكايات العامة ومروياتهم، بل هى بوابة من بوابات الحداثة التى ينبغى دخولها للحاق بالأمم المتمدّنة.
أى أنَّ هؤلاء الدعاة وروَّاد القصّ قاموا باستدعاء علامة لغويَّة تحظى بالتبجيل من تراثهم، وطابقوا بينها وبين الرواية التى يدعون إلى كتابتها؛ أى أنهم ربطوا ربطًا وثيقًا بين الرواية والأخلاق والتهذيب والترقِّى، ف «القصة» ليست أساطير الأولين، وليست «الحكاية» التى قرنتها النخبة بالعامة فى سمرهم ومقاهيهم. بذلك التقى ما هو علامة على الإرث المقدس للجماعة، بما هو «عصرى»، يؤشر على الانتساب إلى العصر وحضارته (8).
استعمال محفوظ لكلمة «حكاية»، يعنى الانفلات من أفق المعانى الحاكم للسرد المقدس، ولخطاب التبشير بمزايا الرواية فى خطاب دعاتها، معًا. وفى الوقت نفسه، تسمية تصله باللغة الحيَّة السائدة فى مجتمع العامة.
بذلك خلق مع قرائه عنصر اتصال، لاسيما أنَّ الرواية نُشرت أولًا فى صحيفة يومية واسعة الانتشار وتُقرأ من فئات متباينة، لا من مستهلكى الكتاب الأدبى.
لكن ربما يعبِّر هذا الاستخدام للفظة حكاية عن انحياز للحكاية، أو للحبكة - بشكلها الأرسطى - على أقل تقدير لحظة بدا فيها أن «الحكاية» تنتمى إلى ما هو تقليدى وعتيق، وخصوصًا عقب الحرب العالمية الثانية التى ضجت بخطابات اليأس والشعور بالاختلال، وهو ما تجلى فى «الرواية الجديدة» على سبيل المثال.
وقد أطلق سارتر على هذه الرواية الانشقاقية اسم «اللارواية»، وكان محفوظ يرى أنَّ الوفاء لتطور مجتمعه وتطور ثقافته، يحتم عليه رفض هذه الرواية، التى بشَّر كثيرون فى الغرب بها، والتى انكسرت موجتها على أيدى كتاب رواية الأطراف والمستعمرات السابقة، لا سيما رواية أمريكا اللاتينية، وأبناء المستعمرات الذين يكتبون بلغة مستعمريهم. لكن هذا الانحسار حدث بعد كتابة أولاد حارتنا بسنين طويلة، ربما بعد ربع قرن تقريبًا.
سيعبر هذا القارئ المستنيم لصورة محفوظ عتبة العنوان إلى الصفحات الأولى من الرواية، وإلى الافتتاحية، خاصة، لكن ما خالجه من شعور باللبس لن يتبدد على نحو كامل، بل سيزاحمه إدراك مختلف، يتجلى فى الحيرة ومن ثَم عليه أن يعلِّق حكمه إلى حين.
صحيحٌ أنه سيجد شخوص الروايات الواقعية بلغتها ونبر تلفظها، ومن ثَم سيذهب إلى تأويلها كما اعتاد أن يفعل سلفًا، لكنه سيظل فى حال من القلق؛ لأنَّ شخوص الرواية ينطقون أحيانًا، ويقدمون على أفعال، لا تتوافق مع صورة الواقع فى مخيلته ثمة ما يجاوز الواقع فى الحركة والنظرة إلى العالم، ويشابه حركة شخوص أخرى وكلمتها عن العالم فى نصوص ماثلة فى أذهان كثيرين من أبناء ثقافته.
ولذلك سيدخل فى عملية تفاوض مختلف، خالقًا سياقًا مختلفًا للفهم والتأويل؛ ليتمكن من الإمساك بما هو مُومَأ إليه، ذلك المتشذِّر المبثوث خلسة فى تضاعيف السطور وبينها.
إنه يتحرك بين نقطتين وكثيرًا ما تتداخلان، لصنع المعنى الذى أومأ إليه النص؛ معنى يخايله حين يلوح له السرد واقعيًّا، ومعنى ثانٍ «كامن» يقبله هذا السرد. الأحرى أنه إزاء تكثر فى المعانى، لاسيما أن السرد يتقصد الازدواج ويلح عليه. لعل هذا ما جعل محفوظ يقدم على تقديم روايته بافتتاحية. وهو أمرٌ جديدٌ عليه، وربما يعكس قلقًا، وارتيابًا فى فطنة القارئ.
نادرًا ما كتب محفوظ «افتتاحية» لإحدى رواياته كان من قبل يشرع فى السرد مباشرة جريًا على عادة روائيى الرواية الاجتماعية السيكولوجيَّة، فيقدم الشخصية وقد يسرد تاريخها، وفى كثير من روايات هذه المرحلة، بطء فى الإيقاع بسبب تقديم الشخصيات ووصف المكان... إلخ. وفى هذا لم يكن يسمح لأنا المتكلم بالحضور قط، وحين تسللت هذه الأنا فى السطور الأولى من «زقاق المدق» (9)، سارع الكاتب إلى قمعها.
وحتى حين لم يكن ثمة بدٌّ من حضورها، كما فى «السراب» وهى الرواية التى يسردها بطلها، كانت الأنا المتحدثة إلينا، تكشف عن تنازع عميق بين أنا السارد الاعترافية و«أنا» المؤلف، مما يعنى أن محفوظ يحذر الالتباس ويخشى طغيان الذات على ما يظنه تفاصيل العالم الذى يجب عليه تقديمه دون ذات.
هنا - فى «أولاد حارتنا» - نحن مع افتتاحية تكاد تكون نصًّا قائمًا بذاته برغم اتصاله بما بعده. فالكاتب فيه يبدو وقد تخلَّص من حذره السابق، المعهود، فأصبح بروز أنا المتكلم عنصرًا لازمًا لنص ليس علميًّا أو تاريخيًّا أو نقديًّا، لكنه روائى، حتَّمه اختلاف مغامرة الكتابة فيه عما سبقها من كتابة مستقرة التقاليد.
إيقاع
بدايات الروايات تنطوى دائمًا على أهمية خاصة، لا لأنها تحتوى فقط على اتفاق بين الكاتب وقارئه، لكن لدورها فى تكوين النص أيضًا، فالمقدمة تحدد إيقاع السرد، وتنهض بدور أساسى فى بناء الحبكة، وتكاد تساوى نهاية النص وخاتمته فى الأهمية، ونحن هنا مع افتتاحية تؤدى وظيفة محددة، وتكشف عن وعى الكاتب بجدة مغامرته.
فهى عنصرٌ من عناصر استراتيجية المؤلف الذى تزيد مساحته فى الرواية عن مساحته فى رواياته السابقة.
وأنا المتكلم هنا لا تؤشر إلى محفوظ نفسه، الكاتب والمواطن، بقدر ما تشير إلى «المؤلف» المؤتمن على النص، ولذا لا بُدّ من التعامل معها فى إطار العملية المعقدة التى تضم السارد والمؤلف معًا، سعيًا إلى تبيُّن كيف تتفاعل كلمة المؤلف مع كلمة الشخصيات التى تشكل كلمتها وحركتها الفعل السردى نفسه.
وقد أشرت منذ قليل إلى الدلالات المتنوعة لاستخدام السارد/المؤلف لكلمة «حكاية»، التى تحيل مباشرة إلى السارد الذى يتقنع به المؤلف، لتهيئة المتلقى إلى اختلاف الرواية عن شقيقاتها من روايات سابقة.
ثمة حارة لها حكاية يقوم بسردها أحد أبنائها، متموضعًا فى آخر حلقة من تاريخها الممتد فى الزمن الذى يلوح بعيدًا قصيًّا، كأنه لا بدءَ له برغم أن البدء مُتضَمنٌ، لكننا لا نعرفه كنقطة. فكأننا مع نص قديم كتبه سارد مجهول عن حارته خشية تبدد هذا التاريخ.
فى العصور القديمة التى تنشها مخيلتنا ونحن نتلقى مثل هذه النصوص، استسلامًا لفعالية هذا النوع من الخطاب، نتخيل مجموعة بشرية وهى تخطو أولى خطواتها نحو التموضع فى التاريخ، وفى بعض الأحيان حين تنسحب من هذا التاريخ فى حالة تعرض طائفة صغيرة للإبادة، فتقوم بتكليف واحد من أبنائها أو أكثر، من المأذون لهم بالحديث باسمها، بتسجيل عقيدتها وطقوسها وأسرارها، لتكون هذه اللفائف شاهدًا على وجودها يومًا.
رسالة من مجهولين إلى مجهولين، فى زمن قد يأتى أو لا يأتى. نحن مع موقف مشابه إلى حد ما. المشابهة ماثلة فى القدم والغموض، لكن الاختلاف ماثلٌ، فنحن - فى النهاية - مع «رواية» وإن اختلفت مقدمتها عما عهدنا من روايات للمؤلف، أى مع أحداث مختلقة. أما الاختلاف الأعمق فكان فى اختلاف الإرث؛ فسارد أبناء حارتنا يبدو سرده حجاجيًّا، يدافع عن معنى، يبدو لنا عابرًا للزمن والتاريخ، وهو الحق فى المساواة، وهو شأن دنيوى وإنْ وُضِع المقدس فى خدمته. ولذا فإن الافتتاحية تؤشر على دفاعها عن المستقبل، وهى تلوذ بالماضى، وعن الدنيوى وهى تلجأ إلى المقدس.
تبدو الافتتاحية أيضًا، فى مديحها للخيال، كأنها تنفى عنه ما التصق به من معانٍ الاستلاب والعجز، حين يشيع فى بعض الأوساط تعارض الكلام مع الفعل (10). ولذلك يقول السارد إنَّ جميع أبناء حارته «يروون الحكايات، يرويها كلٌّ كما يسمعها فى قهوة حيه، أو كما نُقلت إليه خلال الحكايات».
فالحكايات هنا غذاء يومى للناس كالخبز، وسوف يسمّى السارد لحظات سرد الحكايات باسم «وقت الخيال» حين يتقدم فى السرد، فى إشارة إلى سلطة الخيال.
أى شىء يمتاز به السارد عن غيره من أبناء الحارة الآخرين؟ الإجابة واضحة محددة، فقد قام أحد أصحاب عرفة بإغرائه بكتابة تاريخ الحارة.
هذا الإغراء تكليف وتوكيل، بل إنه «نيابة» عن الآخرين، فالسارد ينوب عن الآخرين ممن لا يملكون مزاياه. الكتابة فعل مقدس لا يمارسه إلا مَن اُصطفِى له.
وقد اُصطفى السارد لموقعه من الصراع، إذ هو من محبى «عرفة» ابن الحارة البار - تمثيل المعرفة والحداثة - أولًا ثم إنه من القلائل الذين يعرفون القراءة، وأول من اتخذ من الكتابة حرفة، ثانيًا، «وكنت أول من اتخذ من الكتابة حرفة، على رغم ما جره ذلك على من تحقير وسخرية» (11)، وهى عبارة تستدعى فضاءً قديمًا وبرهة فى تاريخ الأمم، إذ تنتقل المجتمعات من التقاليد الشفاهية إلى التقاليد الكتابية، فتتحول السرود والمرويات الهائمة المتحررة من التقييد إلى كلام أول، وغالبًا ما يصبح «مقدسًا» فالكتابة تقوم بتطويب السرود.
وقد أشرت منذ قليل إلى المشابهة بين هذا السارد/ المؤلف وبين «عذرا الكاتب»، لكن السارد - هنا - سارد رواية «حديثة»، فيما كان عذرا من «رجال اللَّه» وما قام بتسجيله وتنسيقه وتحريره قام الروائى بمحاكاته فى ضرب مبتكر من الضيافة فى زمن آخر، لا حبًّا فى الضيافة فحسب، بل ذودًا عن حلم إنسانى يغاير حلم عذرا، بل قد يكون ضدًّا له، لكنه لا يمكن أن يمثل انشقاقًا عنه.
حَظِى عذرا بالتقديس، فيما كان التحقير والسخرية والانتماء إلى «المتسولين» من نصيب السارد. وهو ما يغرى بالمقارنة بين منزلة رجل الدين فى التاريخ القديم وبين منزلة الروائى فى مجتمع حديث، ينظر إلى مهنة الكتابة شذرًا.
حارة محفوظ ترى الأمية امتيازًا، والمعرفة خطرًا وعبارة السارد تومئ إلى أن الكاتب فى هذا المجتمع، يتحدد موقعه فى النيابة عن ضعفاء حارته الذين يسميهم المتسولين، وسوف يجد اسمًا آخر لهم هو الحرافيش فيما بعد ولذا يظل - هذا الكاتب - فى الموقع المضاد للسلطة مانحة المكانة والثروة.
فى هذا يصبح «الإرث» المقدس أداة من أدواتها، ويجب تحريره منها، ليكون فى خدمة أهل الحارة وعلمهم. وفيما يلى الافتتاحية، حين نتقدم فى الرواية لاسيما بعد أول أقسامها، سنرى هذا الإرث الذى هو مجرد «روايات»، متعة أهل الحارة فى سمرهم فى «وقت الخيال» فهم لا يملكون للمتعة سوى أجسادهم وحكاياتهم، التى ستكون أداة الأبطال المحررين ل «الخروج» على الناظر وفتواته فليست «حكايات العامة»، شيئًا قديمًا مبتذلًا كما ظن دعاة إدخال «القصة» إلى الأدب من روادها ودعاتها.
زيف
هكذا ستنبئ الافتتاحية عن «أغراض» عدة، فهى تقوم بمحاكاة زائفة للمقدمات التقليدية، تأخذ منها وظائفها، وفى الوقت نفسه تسخر من أدواتها، إذ تومئ إلى ادعاء حياد الساردين، وهى سخرية ستختفى ما إنْ يبدأ الحدث، فتعود إلى الروائى الواقعى نبرة السارد الذى يزعم الحياد. وفى هذا ستختفى نبرة أنا المتكلم المتبسط مع قارئه، المتهكم على ذاته بوصفه أول من احترف الكتابة، والذى يمارس التقنع وهو يخاطب قارئه محب الحكايات، وقارئه الذى مهمته المراقبة معًا.
وبعد أن يفرغ قارئ الخمسينيات من قراءة الافتتاحية، سيدرك أنه فعلًا مع رواية مغايرة لما عرفه من روايات الكاتب الذى أحبط توقعه، لكنه سيدرك أيضًا، أن الكاتب فى حال من التقنع لكى يمكنه الحيود عن القول المباشر فى أمر معقَّد، يتطلب أن يمارس الكاتب لعبة جمالية، لا تساعده فحسب على الإحاطة بتعقده وحساسيته، بل تمنحه القدرة على الإفلات من سلطة لا تحب أن يتحدث أحد غيرها باسم الماضى ولا باسم المستقبل. فهى تغلق الإرث على معانٍ محددة، وعلى وظائف محددة، ولهذا صدَّر محفوظ روايته بافتتاحية حاولت أن تنجو من إساءة القراءة، وأن ينجو مؤلفها من تهمة خرق المحرم. هذه الافتتاحية تحاول ممارسة سلطة الإبداع وأكدت عبر تقنعها رغبة منتج الثقافة الحديث فى ممارسة الحق فى الاختلاف، لكنه حق يدفع صاحبه ثمن الحصول عليه عاجلًا أو آجلًا والآن، ينبغى أن نتوقف قليلًا لدى معنى التقنع.
حين يضع المرء قناعًا فإنه يضيف شيئًا ما ماديًّا إلى جسده، يغيِّر به هيئته وربما كلامه أيضًا. نرى ذلك فى الطقوس، وعلى خشبة المسرح، وفى بعض فضاءات اللَّهو إذ يتنكر المحتفلون فى هيئات تغاير هيئاتهم المعهودة لدى من يعرفونهم.
فى هذا يرتبط التقنع بالبهجة والطقسية، باعتباره تمويهًا وإخفاء للقسمات. لكن هاتين الصفتين تحضران وتصبحان مطلبًا ملحًّا حين نهجس بأنَّ خطرًا ما فى انتظارنا، مما يستوجب الحيطة والحذر ابتغاء الإفلات من شراكٍ، نحدس أنها كامنة فى موضع ما فى انتظار وقوعنا فى أنشوطتها.
هكذا يتقنع المرء ليتقى شرًّا، أو لينزل الشَّر بآخر. غالبًا يكون التقنع بما هو احتيال مكر الضعفاء؛ فالأقوياء - فى الغالب - يمارسون قوتهم فى وضح النهار كأنهم يستعرضونها، فإن تقنعوا يكون تقنعهم وسيلة لإظهار قوتهم، أو سلبها من الآخرين.
التقنع معناه لا وجود جسد فحسب، بل جسد مصوِّت يتحدث إلينا فى النص، وهذا شأن القناع فى الشعر يستعمل الشاعر قناعًا، الذى عادةً ما يكون شخصية تاريخية، أو أسطورية [شاعر، صوفى، مقاتل، نبى... إلخ] تتيح له أن يتحدث بصوتها، أو أن يصف حركتها، ليتمكن من التلفظ بصوتها، فى الوقت نفسه، الذى يقتسم معه التلفظ صوتٌ ثانٍ، هو صوت الشخصية التى أصبحت قناع الشاعر [لذا تكون لغة القصيدة مزيجًا من لغة الصوتين: الشاعر وقناعه].
فالقناع على هذا النحو نوع من المجاز يقترب من الاستعارة فهو «عبارة عن صوتين مختلفين لشخصيتين مختلفتين يعملان معًا، من خلال قصيدة تدعم كلا الصوتين، ليكون معنى القناع محصلة لتفاعل كلا الصوتين على السواء» (12).
فى الشعر اعتدنا أن نحيل ما يقوله المتكلم فى القصيدة إلى الشاعر، أو إلى ما يسمى فى بلاغة بعض النقاد العرب المعاصرين «الذات الشاعرة»!! لمَ يلجأ الشاعر إلى استعارة صوت شخصية أخرى؟ تبعًا للتقاليد الإليوتية المولعة ب «المعادل الموضوعي»، ينبغى ألا يقع الشاعر فى فخ الإفراط العاطفى الناتج عن فورة الانفعال، وحين يستعيد صوتًا آخر فإن ذلك يمنحه القدرة على السيطرة على الانفعال، فيقلل من هيمنة الصوت الواحد المباشر، ويوسِّع من عالمه.
فى الرواية نحن مع نوع آخر مختلف عن الصوت الواحد يمكِّنه من خلق شاعرية مختلفة، الرواية - كما نعلم - فن تعدد الأصوات والمواقع، ومهما جاهد بعض «الكُتَّاب» فى اختزال التعدد يظل هناك، دائمًا تخم معين، إذا تجاوزه الكاتب، يجد نفسه فى «نصوص مجاوزة للنوع»، [وربما يكون هذا منبع جمالها]. الرواية، لاسيما فى شكلها المحفوظى تحقق شاعريتها من خلال وسائل عدة، ربما يكون - ولكن على نحو مكبوح - من بينها اللغة الأدبية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.